الرئيسية | حوار | الدكتور مازن مطبقاني للبصائر : الاستشراق مازال ممتدا في زمن ما بعد الاستعمار

الدكتور مازن مطبقاني للبصائر : الاستشراق مازال ممتدا في زمن ما بعد الاستعمار

من الجزائر حاوره الدكتور مرزوق العمري/ الدكتور مازن صلاح مطبقاني باحث متخصص في الدراسات الإستشراقية متابع لحركة الاستشراق منذ ارتباطه بالجامعة؛ إذ كانت أطروحة دكتوراه عن الاستشراق والاتجاهات الفكرية في التاريخ الإسلامي من خلال نموذج برنارد لويس، ومن يومها وهو يتابع بشكل تخصصي حركة الاستشراق وتحولاته من خلال ما كتب في ذلك من كتب ومقالات وما قدم من محاضرات في مختلف الملتقيات الدولية داخل البلاد العربية وفي أوروبا وأمريكا واليابان…وغيرها، وبذلك فهو من الأكاديميين العرب الباحثين في الدرس الإستشراقي الذي لا يزال يشكل أحد التحديات التي تجابه العقل الإسلامي ولهذا أجري معه هذا الحوار لمحاولة التعرف أكثر على الظاهرة الاستشراقية.

 

 

 

 

 

 

1ـ كيف يقدم الدكتور مازن نفسه للقراء؟

  • أحببت القراءة وبتشجيع من والدي رحمه الله الذي أحضر لي من الكتب في طفولتي أذكر منها قصص الأنبياء، وكان في البيت أخوات أكبر مني سنّاً فكنت أطلع على كتبهم المدرسية ثم الجامعية، وقرأت القصص والروايات الكثيرة فأصبحت لدي عادة القراءة. وكما أقول لابد أن يفيض الإناء فتكون الكتابة ولكني تأخرت حتى بعد أن أمضيت خمس سنوات في الولايات المتحدة فعدت لأكتب “مشاهدات عائد من أمريكا” ومقالة أخرى “عندما تقع المبادئ فريسة للمادية” وانطلقت أكتب وأكتب مع استمرار القراءة. ولكن كان لابد من الدراسة المنتظمة فالخمس سنوات في أمريكا كانت بلا شهادة ولكن ببعض الرؤية والوعي، فدخلت قسم التاريخ منتسباً فأتممت الدرجة الأولى والتحقت ببرنامج الماجستير في الجامعة نفسها فكانت الدرجة الأولى 1397هـ (1977م) والماجستير عام 1406هـ (1986م) في التاريخ العربي الحديث وكانت رسالة الماجستير بعنوان “جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ودورها في الحركة الوطنية الجزائرية” وكانت بركة في حياتي العلمية أي بركة، ثم أتممت الدكتوراه عام 1406هـ (1994م) بعنوان “الاستشراق والاتجاهات الفكرية في التاريخ الإسلامي: دراسة تطبيقية على كتابات المستشرق برنارد لويس” وانطلقت منها لأخوض في لجج الاستشراق والفكر فشاء الله أن أنتج عدداً من الكتب والدراسات والحمد لله.

2ـ مجالكم الذي كتبتم فيه كثيرا وعرفتم بأنكم متخصصين فيه هو الاستشراق، هل يمكن إعطاء لمحة عن الدرس الاستشراقي في تشكله؟

  • الدرس الاستشراقي بدأ في الغرب حينما أراد أن ينهض فكان لابد أن يتجه إلى الشرق ليتعلم منه (وبخاصة العالم الإسلامي) فجلس في مقعد التلميذ ينهل من معين الحضارة الإسلامية، حتى إن المعاجم الغربية تربط الاستشراق بالشروق والنور والضياء والفهم، حتى إن السنة الأولى في بعض الجامعات تسمّى إعداد (Orientation) والموظف الجديد في أي عمل تقام له دورة إعداد ( (Orientation ولكن في الوقت ذاته رأى دهاقنة أوروبا ورجال الدين والكنيسة أن ثمة خطر على أوروبا إن عرفت الإسلام حقيقة فانبرى عدد كبير من الباحثين والدارسين لتشويه الحضارة الإسلامية والإسلام. ولما ظهرت الثورة الصناعية واحتاجت أوروبا لأسواق العالم لتصريف منتجاتها كما احتاجت للمواد الخام فقامت بحملاتها الحربية لاحتلال البلاد واستعباد الشعوب وتدمير مكوناتها التي أول ما تتمثل في هُوُيتها من لغة ودين؛ فحاربت الإسلام وكان للمستشرقين عمل كبير في هذه الأهداف الخبيثة. فتأسست الجمعيات والمعاهد والمراكز والأقسام العلمية والجامعات لدراسة الإسلام والشعوب الإسلامية.

3ـ وماذا عن تحولاته؟

  • التحولات تحدث في كل مجال من مجالات نشاطات البشر فقد انتقل الاستشراق من هيمنة التنصير والمنصرين والكنيسة إلى الجامعات ومراكز البحوث وتغيّر المستشرق من الذي ينتقل من اللغة العربية إلى العلوم الإسلامية كافة، فهو عالم بالشريعة وبالحديث وباللغة وبالتاريخ. ثم بدأ التخصص ودخلت الحكومات الغربية على الخط بتمويل هذه الدراسات والإفادة منها ولم يعد هناك المستشرق الذي يكتب في كل ما يخص الإسلام بل أصبح لدينا متخصصون في تفاصيل حياتنا وفي تفاصيل التفاصيل. فمثلاً هناك المتخصص في الحركات الإسلامية في دولة بل حتى في مدينة محددة، وهناك المتخصص في قضايا المرأة ومتخصص في قضايا الفنون وغير ذلك.

4ـ الاستشراق كحركة ثقافية تشكلت متزامنة مع الظاهرة الاستعمارية فهل هناك من علاقة بينهما؟

  • نعم هناك صلة قوية بين الحركة الاستعمارية أو الظاهرة الاستعمارية فعندما كانت بريطانيا تحتل الهند أنشأت الجمعية الملكية الأسيوية وأنشأت فرنسا جمعيات مماثلة وهناك الجمعية الأمريكية الاستشراقية، وإن كانت هذه الجمعيات ليست بالقوة والانتشار والنشاط الذي كان حين أنشئت ولكنها لا تزال قائمة، والعدد الهائل من الباحثين في مجال الدراسات الإسلامية والعربية الذين تصل بحوثهم إلى الحكومات الغربية وتقوم هذه الحكومات بتمويلها يدل على أن الظاهرة الاستعمارية لا تزال قائمة وبقوة.

5ـ إذا كان هناك شيء من التلازم بين الاستشراق والاستعمار هل يمكن القول إن الاستشراق فقد مبررات وجوده في زمن ما بعد الاستعمار؟

  • لم يفقد الاستشراق مبررات وجوده حينما انتهى الاحتلال والنفوذ العسكري المباشر وإلّا لماذا هذه الآلاف المؤلفة وجيوش الباحثين الغربيين التي تملأ الجامعات ومراكز الفكر Think Tanks والمؤتمرات والندوات والأعداد الكبيرة من الطلاب العرب والمسلمين الذين يدرسون في الجامعات الغربية ويشرف على رسائلهم الجامعية مستشرقون وأحياناً هم من يختار الموضوعات التي يبحثونها. بالإضافة إلى الأعداد الكبيرة من الأساتذة العرب والمسلمين الذين يعملون في الجامعات الغربية التي لا تستقطب في العادة إلّا من أبدى تقبلاً للطروحات الاستشراقية ونقد الإسلام والتعسف في النقد أحياناً.

6ـ الخطاب المستفحل الآن في الدوائر الأكاديمية هو خطاب الحداثة وما بعد الحداثة ما علاقة الحداثة بالاستشراق؟

  • لكل زمن حداثته وكما كان للأدب حداثة فقد دخلت الحداثة إلى الاستشراق وأثرت في مناهجه وأساليبه وطرقه ولكنها لم تؤثر في أهدافه الأساسية ومنها تشويه صورة الإسلام والمسلمين واستمرار الهيمنة والسيطرة على العالم الإسلامي، والنظرة الأوروبية المركزية للعالم ومحاربة الهُوُيّات المتمثلة في الدين واللغة.

7ـ إذا كان الاستشراق الكلاسيكي مبتغاه دراسة الشرق وحضارته من أجل فهمه والهيمنة عليه، وقد حدثت تلك الهيمنة في مظهرها الأكبر الذي هو الاستعمار، هل هذا الدور مازال يمكن القيام به في زمن العولمة وثورة الاتصال؟

  • نعم الاستعمار المباشر قد انتهى شكلياً فلا جيوش ولا حكام عسكريين من الدول الأخرى، ولكن هناك الاستعمار غير المباشر وتعددت أشكال الاستعمار فكما بدأ الاستعمار بمحاربة الهُوُيّة العربية الإسلامية فمن جاء بعد الاستعمار استمر في الخط نفسه في محاربة العروبة والإسلام. وتنوعت أساليب الاستشراق فاستمرت بعض الأساليب القديمة من الابتعاث واحتضان المواهب والعقول العربية الإسلامية إلى إنشاء جامعات أجنبية جديدة في بلاد المسلمين فقد كان هناك جامعتان أمريكيتان فصارت عشر جامعات أمريكية ووجدت جامعات جديدة ليس اسمها مثيراً للشبهة ولكنها في حقيقتها مؤسسات تعليم غربية في توجهها ومناهجها وأساتذتها، كما ابتدع الغربيون افتتاح جامعات أو فروع لجامعاتهم في بلادنا فيحصل الطالب على شهادة جامعة أمريكية أو فرنسية أو حتى ألمانية وغيرها وهو لا يساوي عشر معشار الطالب الذي درس في الجامعة الأم وهي ما أطلقت عليه “دكاكين الجامعات”.

8ـ المتضرر الأول من الخطاب الاستشراقي هو العربي المسلم فهل ترون أن الفرد العربي استوعب الخطاب الاستشراقي وأدرك غاياته وأهدافه؟ وهل عرف كيف يتعامل معه؟

  • لا الفرد العربي ولا المسؤول أدرك حقاً حقيقة الخطاب الاستشراقي؛ لأن هذا الخطاب لا يزال قائماً وإن كان المتحدثون بلسان الاستشراق المعادي للإسلام ليسوا بأسماء إفرنجية بل بأسماء عربية إسلامية، كما اعتلى منابر الإعلام والتوجيه ووزارت التربية والتعليم خريجو الجامعات الأجنبية من مبتعثين أو ممن لم يخرج من أرضه ولكن تشبع بالفكر الوافد.

9ـ من الجهود المتميزة في نقد الاستشراق عربيا جهود إدوارد سعيد، ما نظرتكم إلى عمله؟ ومن خلاله ما نظرتكم إلى غيره من النقاد العرب للظاهرة الاستشراقية؟

  • صدر كتاب إدوارد سعيد عام 1987م وأثار ضجة في الأوساط الأكاديمية الغربية لأنه خاطبهم بلغتهم ومن داخل بلادهم وجامعاتهم وكان واضحاً وصريحاً وصادقاً في ربط الاستشراق بالهيمنة والاستعمار وإن كان ركّز على نماذج معينة تخدم هدفه، ولكن أبدع فيما كتب وبخاصة كتابه (تغطية الإسلام) لقد فضح التحيز والعنصرية الغربية ضد الإسلام، وتجرأ على قول ما لم يقله جهابذة العلمانيين العرب أو مدعّي الإسلام. وليست المسألة أن أقول رأيي في إدوارد سعيد سوى أن أردد (لو كان أبوك مسلماً لترحمنا عليه) وإن كان إدوارد سعيد قد انتقد الاستشراق بقوة وحتى بعنف فهو عرف جانباً وخفيت عليه جوانب كثيرة حتى وإن أوضحها في مذكراته أو بعضها عن مدرسة فيكتوريا وأشباهها.

10ـ وماذا عن السياسات العربية وهل هي معنية بهذه الظاهرة؟ وهل هي مستوعبة لها؟

  • لا أعتقد أن السياسة العربية مهتمة بهذا الجانب فالحواجز بين العلماء والمثقفين كثيرة وعالية والفجوة تحتاج إلى من يقرب بين الطرفين.

11ـ تتأسس الآن في الدائرة الثقافية العربية حركة الاستغراب في مقابل الاستشراق ما نظرتكم إلى هذا المشروع؟ وهل يمكن أن يكون جبهة مناوئة للاستشراق؟

  • ليس المقصود بالاستغراب أن يكون مناوئاً للاستشراق أو مواجهة له بل إننا في وضع نحتاج أن نتعرف إلى الأمم والشعوب الأخرى أولاً لتحقيق مراد الله عز وجل في جعلنا شعوباً وقبائل فلابد من التعارف ولا يكون ذلك إلا بالدراسة والمعايشة والبحث والتنقيب، والأمر الثاني أننا نريد أن ننهض فلابد أن نجلس في مقعد التلميذ للنهوض الحقيقي وقد وصفنا أحدهم بأننا مع الغرب كالزبون المشتري نأخذ منهم ونلقف كل ما صنعوه ولا نتعلم منهم كيف تُصنع الأشياء. كم دراسة لدينا عن شركاتهم العملاقة وكيف تُدار وعن جامعاتهم وعن مراكز بحوثهم وحتى عن أوضاعهم الاجتماعية وكيف يبحثون في أوضاعهم وكيف يعالجون عيوبهم. الاستغراب علم عظيم يجب أن نضع نحن قواعده ومناهجه ولسنا سنخترع العجلة من جديد فقد سبقتنا الأمم والشعوب الأخرى في دراسة بعضها بعضاً.

12ـ هل من كلمة أخيرة؟

       نحن بحاجة إلى عدد كبير من الباحثين والدارسين لحركة الاستشراق ولدراسة الغرب ولكن يجب أن يتصدى لهذه المسائل من لديه الرغبة في المغامرة وبذل الجهد وأن يملك المقدرات العقلية واللغوية وأن تكون رسالة الإسلام (الشاهد على الأمم هي رسالته) لنهضة أمته أولاً ولقيادة الأمم أيضاً.

عن المحرر

شاهد أيضاً

الباحث في اللسانيات نور الدين منتاش في حوار لـ”البصائر”/ حوار/جـمال بوزيان

العالَم العربي عاجز عن إنتاج معرفة أصيلة وظل تابعا علميا    نَستضيفُ اليومَ باحثًا في …