الرئيسية | قضايا و آراء | ماذا يريد الجزائريون من الحراك؟

ماذا يريد الجزائريون من الحراك؟

بقلم: عبد العزيز كحيل /

هذه الهبة الشعبية العفوية الكبرى ليس خلفها مطالب اجتماعية بل تعبر عن حالة جماعية من اليأس من النظام القائم والرغبة في تغيير سياسي جذري، لذلك لـمّا رأى المواطنون ضخامة الـمسيرات والسعادة التي تغمر الـمتظاهرين شبهوها بفرحة الاستقلال، في 1962 أخرجوا الاحتلال الفرنسي وفي 2019 يريدون استرجاع دولتهم وبنائها من جديد وفق إرادة الشعب بدلا عن رغبات النخب الحاكمة، أي هناك إصرار على استرجاع مؤسسات الدولة المغتصبة لتكون في خدمة الشعب عوض أن يكون الشعب في خدمة مؤسسات منقطعة عنه سياسيا واجتماعيا وشعوريا، لقد سئم من كونه في خدمة السلطة ويريد إقامة سلطة تكون في خدمته، يحلم بحاكم أجير عند الأمة بدل الوضع القائم منذ الاستقلال حيث الأمة أجيرة عند الحاكم يقرر مصيرها كما يريد هو ويتصرف في خيراتها ومقدراتها بما يخدم مصالحه هو وحاشيته، ويتفضل بتركها تلتقط الفُتات المتساقط من موائده

وقد حقق الحراك كثيرا من النتائج على مدى هذه الأسابيع وأحدث نقلة سياسية نوعية لم تكن تخطر على بال أحد، لكن نقطة القوة عند الحراك هي نفسها نقطة ضعفه والـمقتل الذي قد يُصاب فيه: العفوية، لذلك يجب ترك العنتريات والمزايدات فالوقت وقت تحكيم العقل والتسلح بالواقعية والمرونة، أي لابد أن تُعطى القوس باريها، الحراك يذيب الجليد ويشحذ الهمم ويجمع القوى الحية لكن للسياسة أهلها العارفون بدروبها وفخاخها، لذلك ينبغي أن نستمرّ في الحراك ونتجاوب مع الـمبادرات الجادة، والخطر كل الخطر في شيطنة الطبقة السياسية بجميع مكوناتها، وتسويد صورة المعارضة جملة وتفصيلا، فهذا يخلق فراغا مهولا لا تستفيد منه سوى قوى الظلّ وأدوات الشرّ، وتأطير الحراك وإيجاد من يمثّله مطلب منطقي ومستعجل حتى لا تنقلب حركة الشارع إلى استعراض فلكلوري وسعي هلامي رجراج لا يبلغ مقصدا ولا يحقق غاية، أجل، التمثيل أمر صعب جدا واختيار رموزه ليس بالأمر السهل لكن ذلك ليس مستحيلا كما يتوهّم بعض الناس، إذا احتكمنا إلى العقل وكنا واقعيين، فإيجاد أشخاص يرضون جميع الأطياف والاتجاهات مجرد وهم كبير، وإنما العبرة بالأغلبية، فتكوين هيئة تضمّ ممثلين نزهاء عن الوطنيين والإسلاميين والعلمانيين هو الحلّ الذي يمكن الالتفاف حوله، ويحوز هذا التمثيل الأغلبية والرضا عند الرأي العام إذا كانت مكوناته وجوها معروفة بالحكمة والاصطفاف مع الشعب، على أن يتمّ تطعيمه حتما بوجوه شبابية من المثقفين أصحاب النشاط الملحوظ.

ومكمن الخطر – الذي لا يغيب عن الدولة العميقة وأعداء الحرية والديمقراطية – في الفوضى الفكرية حين تسود الحراك، فإذا نصّب كل واحد منا نفسه محللا سياسيا وعبقريا استراتيجيا ورفض آراء واقتراحات الآخرين وسفّهها فإننا لن نتقدم بل سنتأخر، والحلّ – على عكس ذلك – يكمن في تواضع بعضنا لبعض والإصغاء عاجلا لصوت العقل وترك الـمهاترات التي تملأ الساحة، والتعامل الرصين مع الحلول الـمقترحة للخروج من الأزمة السياسية، نعم يستمرّ الحراك ويُحدث نقلات نوعية ويتسلح بالحذر والحيطة واليقظة ولا يتغافل عن محاولات الالتفاف عليه والتصدي له وإطفاء وهجه، لكن لا يبقى في مربع الرفض والإنكار والسلبية وإنما يأخذ ويطالب ويثمّن الـمكاسب ويضع خطة طريق واقعية تخدم البلاد ولا تقصي أحدا.

علينا أن نواصل الحراك وأن نحرسه بكثرة الصلاة والصيام والدعاء وفعل الخير، نكون مع الفقراء والمرضى وذوي الحاجات ونسألهم الدعاء من أجل الجزائر، فإنما نُرزق وننتصر بضعفائنا كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم.

وإذا كان هناك من يستقوي بالخارج فنحن نستعين بالله تعالى، هو أكبر من فرنسا والإمارات وروسيا وغيرها، هو سبحانه وتعالى حسبنا ونعم الوكيل.

والحمد لله استفزازُهم وحّدنا من جديد، هذه بلادنا الجميلة لن نتركها لهم بعد اليوم، عملوا 20 سنة على إفساد الجيل لكنه شباب الجزائر الحرّ يعود ليبدع ويقود.

عن المحرر

شاهد أيضاً

أما الخيام فإنها كخيامهم…وأرى نساء الحي غير نسائها..!/ مداني حديبي

هزال الروح(2):     المأسور من أسره هواه، وقيدته ذنوبه وخطاياه عن الفورية والحيوية والمسارعة …