الرئيسية | على بصيرة | جزائرنا، يا بلاد الجدود، إلى أين؟ /أ د. عبد الرزاق قسوم

جزائرنا، يا بلاد الجدود، إلى أين؟ /أ د. عبد الرزاق قسوم

 

لقد طمّ الكيل، وفاض السيل، وعمّ البلاء والويل. تنوعت أساليب تعابيرك المستترة والظاهرة، يا جزائر وما فهموكِ، وتكاثرت مظاهرات جماهيركِ الثائرة وما سمعوكِ، وارتفعت شعاراتكِ الرافضة، المعبّرة وما أنصفوك.

أما آن لهذا الليل من فجر، يُهدّئ من حيرة الساري؟ ألم يَحن زمن تبديد الظلم، والظلمة، وإشاعة الأمل في عقل وقلب الشباب، التائه في بيداء البحار، والصحاري؟

حيّرنا -والله- أمرك يا جزائرنا الحبيبة، يا جزائر الأوراس، وجرجرة والأطلس، وما بين ذلك من واحات النخيل، والزيتون، والفواكه العجيبة.

لقد لاحت بوادر النصر على الذات المعقدة والمتشنجة، والمتمنعة العصية، وما هذه المسكّنات التي لاحت في سماء الجماهير الغاضبة المزمجرة، إلا اعتراف بقرب زوال القحط والجفاف، وإيذان ببدء نزول الغيث النافع على السفوح والضفاف.

إنّ الجزاء من جنس العمل، وما دام الشعب الجزائري، قد كان فريدا في تصوره للخروج من برد الشتاء، وحر المصيف، والنأي في ذلك عن كل ما هو مهدد ومخيف، فإن الحل يجب أن يكون منصفا للقوي وللضعيف، وذلك بالاستجابة للمطالب الجماهيرية العادلة بعيدا عن كل التفاف، أو تعسف، أو حيف.

يجب أن يتسم الحل بالسلاسة، كالتي تميزت بها المسيرات السلمية، الخالية من كل عنف، ومن كل استفزاز، فالقضاء على تراكم الاحتقان ذي السنين العجاف، يجب أن يكون شموليا، وجماعيا، ونابعا من القناعة المشتركة في تخليص الوطن من كل أنواع الاحتيال والاجحاف، في كنف الإرادة الحرة، دون مواربة أو إسفاف.

لِيَكن الاستنجاد بأولي العزم، وذوي النهى، ممن شهد لهم الجميع بالصدق، والوطنية، والإخلاص، فيعمدوا إلى وضع خارطة طريق واضحة المعالم، متحررة من كل المكاسب والمغانم.

إن الصفحة الأولى، والعلامة المميزة في خارطة الطريق المنشودة، يجب أن تبدأ بمن يتولون قيادة الندوة الوطنية ندوة الوفاق، التي تفتح كل الآفاق في وجه جميع الإخوة والرفاق.

يجب وضع معايير منصفة وعادلة في من يحق لهم أن يتولوا قيادة الأمة من الكفاءات الشبّانية، والعلمية ليرسموا لنا طريق السير، نحو تحقيق المصير بعيدا عن تدخل الغير. ليكن الهاجس الذي يسكن كل واحد وكل واحدة، هو الوصول بالوطن إلى بر الأمان، بعيدا عن كل غليان وكل شنآن بالحكمة، والحجة، والبرهان.

المطلوب العاجل اليوم، هو وضع دستور، واضح البنود والنصوص، ولا مجال فيه للسطو على الأحكام والفصوص، أو تأويل المعاني في تحديد عهدة الحكم على الخصوص.

ثم اختيار هيئة انتخابية مستقلة، تكون الحارسة الأمينة لحماية الدستور من كل قرصنة أو تلبيس، تفتح المجال أمام المخلصين من هذا الوطن، حيثما كانوا، ومهما تكن فئاتهم أو قناعاتهم للترشح للانتخابات، التي يجب أن تتسم بالنزاهة، والشفافية التي يسلّم بها الغالب والمغلوب، ونحقق للوطن المطلوب والمرغوب.

كما أنّ خارطة الطريق يجب أن تحدِّد الموعد المناسب، للاستفتاء على الدستور وفتح المجال أمام المترشحين لتولي المسؤوليات على جميع المستويات بكل استحقاق واقتدار، فتنبثق عن ذلك حكومة الوحدة الوطنية التي تنبذ العشائرية، والقبلية، والجهوية، ولا تؤمن إلا بالكفاءة المهنية، والإرادة الوطنية.

إنّ الوطن مثخن بالجراح، ويكفيه ما عاناه من إذلال ومن أتراح، فلنفسح له المجال كي يستعيد مكانته بين الصحاح، بكل استقلالية في الإرادة، والتمتع بكامل السيادة، والاستحقاق لحسن القيادة.

وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.

إنّ وطننا يزخر بالكنوز والخيرات، ويعج بالمؤهلين من مختلف الاختصاصات، فلنفسح لهم المجال كي يكشفوا عن الكامن من الكنوز، فوق الأرض وتحت الأرض، للقضاء نهائيا عن كل أنواع التبعية الاقتصادية، والسياسية، والثقافية.

إنّ ذلك هو عهد الشهداء في أعناقنا، وأمانة العلماء في ذمتنا، ووديعة الإسلام في عقيدتنا.

فهل من هبّة شمولية، تنسينا، مرحلة الجزْر، وتنقلنا إلى مرحلة المد والعطاء، لنثبت للعالم أجمع أنّ الجزائر التي كانت مضرب المثل البطولي في جهاد نوفمبر، ومضرب السلوك الحضاري في منهجية التغيير السلمي، ستكون -أيضا- النموذج الذي يحتدى في البناء والإعلاء، والقدوة والاقتداء، إنّ هذه الجزائر الجديدة هي التي ستمحو الوجه الأسود لما سمي بالربيع العربي أو الأوروبي فتغدو مثلا للحكم الراشد، والمواطن الرائد على حساب المال الفاسد، والسياسي الكاسد، والمتربص الحاقد.

فيا جزائرنا الحبيبة، يا بلاد الجدود ! عهدا من أبنائك المخلصين، أن يصونوا الحدود، وأن يرفعوا البنود، وأن يخلّصوك من كل حسود، ومن كل حاقد كنود. إنّ البقاء للأصلح، و﴿… أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [سورة الأنبياء، الآية: 105].

عن المحرر

شاهد أيضاً

جمعية العلماء في مواجهة العراك المضاد/ أ. د.عبد الرزاق قسوم

سقطت الأقنعة، فأبانت الغربان عن طبيعتها الكريهة المظهر، والمخبر، وأخذت تنعت حقدها الأسود الدفين، وترسل …