الرئيسية | اتجاهات | بداية خسارة المواقع/ محمد الحسن أكيلال

بداية خسارة المواقع/ محمد الحسن أكيلال

تركيا تتحدى

لقد بدأ “ترمب” رئيس الولايات المتحدة الأمريكية عهدته بهجوم تكتيكي كاسح في منطقة الشرق الأوسط والأدنى دشنه في الرياض بحفل بهيج نظمه الملك “سلمان” له، أشرك فيه أكثر من 50 ملكا ورئيسا وممثلا لدول عربية وإسلامية، رقص خلاله مع الملك والأمراء رقصة السيوف السعودية التقليدية والتي لا شك أن دلالتها لا تخفى عليه وعلى المتتبعين والملاحظين؛ بعدها بفترة قصيرة أعلن أن القدس عاصمة للكيان الصهيوني وأن سفارة بلاده سينقلها من تل أبيب إلى القدس الشريف التي تعتبر في القانون الدولي مدينة محتلة من طرف الصهاينة.

وهو يفعل هذا يتكئ على مجموعة من المعطيات والوعود التي وفرها له كل من ولي العهد “محمد بن سلمان” مقابل دعمه لتسلم العرش وطمأنة “نتانياهو” له بأن كل ملوك ورؤساء المنطقة من الوطن العربي موافقون على الخطوة وعلى خطوات أخرى ستبدأ بتطبيق العلاقات مع دولته عن قريب، فقط طلب من “ترمب” بالمقابل الثبات على شيء واحد هو: الوقوف في وجه الجمهورية الإسلامية الإيرانية بحزم وطردها نهائيا من القطر السوري والتخلص النهائي من رئيسه “بشار الأسد” وبالتالي إزالة محور المقاومة العربية الإسلامية للعدو الصهيوني من الطريق.

هاجس الغرب القديم كان الاتحاد السوفييتي وقد تخلص منه في أواخر الثمانينيات، وهاجس الغرب دائما وعلى رأسه أمريكا حاليا هو سليل الاتحاد السوفييتي “روسيا الاتحادية” ومن ورائها العملاق الأخطر حليفها الطبيعي الصين الشعبية؛ فالمواقع المعدة للاشتباك موزعة على خارطة أوراسيا كلها من كوريا الجنوبية واليابان شرقا إلى دول شرق أوروبا غربا تدعمت في السنوات الأخيرة  بـــ : أوكرانيا، وجع الرأس دائما في منطقة الشرق الأوسط المتمثل في ضرسي العراق وسوريا، دمر العراق واعتقدوا أنهم تخلصوا منه، ويحاولون تدمير سوريا، ويبدو أنها استعصت بدخول روسيا كلاعب فيها وبقدرات مادية وتكتيكية أثبتت الأيام أنها أكثر فعالية ونجاعة من مثيلاتها لدى أمريكا والغرب.

التكتيك الأمريكي بتدخله العسكرى في سوريا اعتمادا على قوات سوريا الديمقراطية والتنظيم الكردي المطالب بالاستقلال أوقع أمريكا في مواجهة تركيا – حليفتها وشريكتها – في منطقة الحلف الأطلسي (الناتو)، فهو من جهة لا يريد إغضابها والاحتكاك معها وخاصة بعد محاولة الانقلاب التي انتهت بفرار أكبر معارضي “أوردوغان” والمتهم بالمحاولة إلى أمريكا ورفضها تسليمه إياها، لقد مارس “ترمب” مع “أوردوغان” كعادته كل فنون المساومة والترغيب ولكنه أخفق حين وجد نفسه يزن الدولة التركية وكلا من إسرائيل والعربية السعودية، وبالنسبة إليه فكفة إسرائيل والسعودية ودول الخليج باستثناء الكويت أثقل وأثمن من الناحية المالية والعسكرية والتكنولوجية، لذلك وقد فهم الرئيس “أوردوغان” العملية فقرر بدوره أن يرد الصاع صاعين بتقربه من الجار الأقرب إليه مصلحيا واستراتيجيا، روسيا الاتحادية وإيران، فهو أيضا يحق له أن يساوم ويعقد الصفقات معها لإثبات جدارته وعزيمته وثباته على الدفاع عن السيادة التركية وحرية قرارها السياسي.

القشة التي قصمت ظهر البعير هي صفقة الصواريخ “اس-اس400” المتميزة بالتفوق التكنولوجي على كل منظومات الصواريخ الأمريكية من حيث السرعة والمسافة والدقة والرادارات المرافقة لها.

لقد غضبت الإدارة الأمريكية والكونغرس الأمريكي على هذه الصفقة وقررت إخراج البطاقة الحمراء لتركيا وهددتها بمنعها من استلام الطائرات (ف 35) آخر صيحة في إنتاج الطائرات ذات الخصائص التكنولوجية المتميزة والتي لم تسلم منها طائرة واحدة لدولة أخرى غير دولة إسرائيل وفي هذا ما يجعل الرئيس التركي “أوردوغان” يزداد احتقانا وعزيمة على التفكير بجد في تغيير الحليف الاستراتيجي والانتقال بجد إلى المعسكر الشرقي الذي يبرره المنطق الجغرافي والديمغرافي والثقافي والأمني والسياسي، فالتحالف مع روسيا يغري بأكثر من سبب :

  • فمن جهة فإن روسيا الاتحادية لا تعترف لدولة إسرائيل باحتلالها للأراضي الفلسطينية التي ضمتها بقوة السلاح بعد حرب عام 1967 بما فيها مدينة القدس الموحدة.
  • ومن جهة ثانية فإن أمريكا التي تتزعم الحلف الأطلسي الذي يضم كل دول أوروبا الغربية التي رفضت بوضوح قبولها لعضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي بسبب إسلامها.
  • ومن جهة ثالثة فهو يعي جيدًّا أن أمريكا والغرب الإمبريالية يدعمون دولة إسرائيل بصفة خاصة وبكل الوسائل لتصبح القوة الإقليمية المسيطرة على كل المنطقة بدل إيران وتركيا.

هذا الاحتكاك يجعل أمريكا مهددة فعلا بضياع موقع اشتباك هام واستراتيجي هو موقع تركيا التي تشرف على أهم مضيقين مائيين هما:”الدردنيل” و “البوسفور” ومنطقة بحر “قزوين” بكاملها، وفي هذا طرد لأمريكا وكل حلفائها من المنطقة وإضعاف لقوة دولة إسرائيل.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

الجزائر تستعيد وعيها – الشباب يسترجع السيادة والاستقلال

بقلم: محمد الحسن أكيلال / حين بدأ الإعداد لحرب التحرير المظفرة لم يتفق الإخوة على …