الرئيسية | قضايا و آراء | منزلة الحياة في الرؤية الإسلامية/ د. إبراهيم نويري

منزلة الحياة في الرؤية الإسلامية/ د. إبراهيم نويري

الإسلام هو المنهج الأول الذي أضفى صفة “القداسة ” على الحياة، لأن هذه الحياة سرٌّ إلهيٌّ، وهي وسيلةُ اختبار الخلق بالتكليف، عبر إرادة الاختيار والتمييز والأهلية..فقد وهب الله الإنسان نعمة الحياة، وجعل حياطتها كلاً وجزءاً، وصيانتها مادةً ومعنىً، في طليعة الأهداف التي أبرزها الدينُ وتحدّثت عنها الشرائع..ولا عجب في ذلك، فإن إشقاء حيوان وإزهاق روحه ظلماً يعدّه اللهُ العدلُ الرحيم جريمةً كافية لإدخال الإنسان النار، فكيف بتعذيب إنسان أو قتله؟ قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – :” دخلت امرأة النار في هرّة حبستها، فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض“(رواه البخاري).

كما أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم:” أن رجلا أصابه ظمأٌ شديدٌ فنزل بئرا ليرتوي من مائه، فلما خرج منه رأى كلبا يلهث، يلحس الثرى من العطش، فقال: لقد أصاب هذا الكلب من الظمأ مثل الذي أصابني، فنزل البئر وملأ خُفّه وسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له“(رواه مسلم)..فانظر  كيف أن إراحة حيوان وإنقاذ حياته باب إلى رضوان الله؟ وكيف أن إتعاب حيوان وإهدار حياته باب إلى سخط الله؟ فإذا كانت هذه نظرة الإسلام إلى (قيمة الحياة) في المخلوقات الدنيا، فما تكون عنايته وجائزته لمن يدعم حق الحياة البشرية؟

إن القرآن الكريم يَعدُّ إزهاق الروح البشرية جريمةً ضد الإنسانية كلها ويعدّ تنجيتها أو إنقاذها من الهلاك نعمةً على الإنسانية كلها :{.. مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا..} [المائدة:32] .. وتأكيداً على حق الحياة حتى لا يُضار فيها أحد يقول نبيّنا الكريم صلى الله عليه وسلم:” لزوالُ الدنيا أهونُ على الله من قتل رجل مسلم “(رواه مسلم).

إن الإسلام وهو يضع المواثيق القسط ويشرع الأحكام العادلة ويصف الحق في الحياة بالقدسية، لم يفرق في ذلك بين إنسان وإنسان بغضّ النظر عن المعتقدات التي يعتقدها الناس والمذاهب التي يدينون بها، فالمسلم وغير المسلم سواءٌ في حرمة الدم واستحقاق الحياة. والاعتداء على المسالمين من أهل الكتاب هو في نُكره و فُحشه كالاعتداء على المسلمين وله سوء الجزاء في الدنيا والآخرة .. فعن عمرو بن العاص أن رسول الله -صلى الله عليه و سلم- قال:” من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة “(رواه البخاري) وفي رواية أخرى” من قتل قتيلا من أهل الذمة حرم الله عليه الجنة “(رواه النسائي) … إن الحياة الكاملة مصونة، والاعتداء عليها بالقتل جريمة وكذلك الاعتداء على جزء منها وتعريضه للتلف أو التشويه، فذلك في نظر الإسلام عدوان أساس العقوبة فيه القصاص. وإنما شُرع القصاص تأمينا للسلامة المطلقة بين الناس وهذا معنى قوله تعالى {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة 179) فأنواع القصاص التي أقامها الشرع الحنيف هي كلها ضوابط وحصانات لإشاعة حق الحياة في أسمى صورها  بين الناس أجمعين، ومن هنا حرّم الإسلام كلّ عمل ينتقص من هذا الحق، سواء كان هذا العمل تخويفاً أو إهانةً أو ضرباً أو تطاولاً  أو طعناً في العرض..فإن حياة الإنسان المادية والأدبية موضع كلّ تقدير واحتفاء واحترام .

ولقد بلغ التشريع الإسلامي حدّ الإعجاز وهو يضع حصانات وآليات حفظ النفس البشرية، إذْ لم يكتف بحدّ القصاص في النفس والأعضاء فحسب، بل إنه ضمن استمرار الحياة فأباح للمسلم الجائع الذي يتعرّض للهلاك أن يأكل للضرورة من المحرّمات – كلحم الخنزير مثلاً- بما يحفظ عليه حياته، وأوجب على الدولــة أن ترعــى هذا الحق دون أيّ اعتبار للعقيدة التــي يعتقدها الإنسان الـذي يعيش في أكنافها أو الذي دخل زائرا في حدود سلطانها حتى ولو كان من الأعداء! إذْ من المبادئ الأساسية في شريعة الإسلام أن الجائع يستحقّ أن ينال الخبز بأي حال من الأحوال، والعاري يستحق أن ينال اللباس مهما كان الأمر، والجريح والمريض يستحقان أن يوفّر لهما الدواء والعلاج بأية حال، بغضّ النظر عن كون الجائع والعاري والجريح والمريض صديقا أو عدوا.

ولم يترك الإسلام سبيلا – إلى جانب آليات وحصانات حفظ النفس- للتنديد بالاعتداء على النفس إلا سلكه وشدّد عليه، فقد بيّن لعنةَ وغضبَ الله على المنتحر، وسفّه تفكير وسلوك بعض العرب الذين كانوا يئدون الأنثى خوفاً من العار حسب زعمهم ومعتقدهم الباطل، ونهى بشدّة عن قتل الأولاد خشية الإملاق والحاجة.

ومن ثمة فإن منهج الإسلام في صون الحياة يتميز عن أسلوب الحضارة الغربية والفلسفات الوضعية كلّ التميّز .. فإذا كانت الحضارة الغربية ترى في الحفاظ على الحياة حقاً من حقوق الإنسان، وأن صاحب هذا (الحق) حرّ في التنازل عن حقه!!..ودليل ذلك أنها لا تجرّم مَن يتنازل عن (حقه) في الحياة بالانتحار .. فإن منهج الإسلام  يقرر بأنّ الحفاظ على الحياة ليس فقط مجرد حق، بل فريضة إلهية وواجب شرعي لا يجوز حتى لصاحبه أن يفرّط فيه، فهو يأثم إذا  قنط من رحمة الله فانتحر، ويأثم إذا فرّط في توفير مقومات الحياة – غذاءً وكساءً وأمناً – لذاته ولغيره ضمن حدود الاستطاعة. فأين نظرة الحضارة الغربية في هذه المسألة من نظرة الإسلام؟ علماً أن الحقّ في الحياة هو جوهر وأساس حقوق الإنسان لأن بقية الحقوق تترتب عليه، فهي فروع لأصل كبير هو الحق في الحياة. إننا نذكّر بهذه المقررات العظيمة ونحن نرى الغرب يفضح نفسه وقيم حضارته إزاء مواقفه المخذلة الخاذلة من حفظ الحياة في غزة والتراب الفلسطيني المحتل، ولا غالب إلا الله والعاقبة للمتقين .

 

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

حول وفاة الرئيس المصري محمد مرسيكيف تفاعل عالمنا المتصدع، شعبا وحكومات، مع وفاة رئيس منتخب ديمقراطيا؟/ محمد مصطفى حابس

بعد أيام على وفاة الرئيس المصري المسجون محمد مرسي، شهدت عواصم ومدن العالم صلوات الغائب …