الرئيسية | على بصيرة | جمعية العلماء تحذر من عواقب العصيان المدني/ أ. د. عبد الرزاق قسوم

جمعية العلماء تحذر من عواقب العصيان المدني/ أ. د. عبد الرزاق قسوم

يا وطني الحزين يا شعبي الأمين!

لا أحد كان يتمنى أن تؤول الأمور إلى هذا المنقلب المشين.

لقد أثبت يا شعبنا بكل فئاتك: شبابا ونساء، كهولا وشيوخا، أن السلم سجيتك، والتحضر مطيتك، والتسامح خلفيتك، والسيادة وطنيتك.

فهذه المسيرات الشعبية الحاشدة، قد قدمت للصديق وللعدو، درسا في الدفاع عن الوطن، عندما يداهم الوطن أي مكروه، وعندما يتطاول على سيادته أي متآمر، وأي مشبوه.

وكانت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ولا تزال، خصوصا، وهي النابضة بآمال وآلام الجزائر، تأخذ بيد شعبنا، في الجهر بمطالبه، وتبصير القائمين على الشأن الوطني، بعواقب العبث بمستقبله وثوابته، ومآربه.

وكنا نأمل أن بعض العقلاء، والحكماء، يحتكمون إلى صوت أبناء الوطن من العلماء والشرفاء، والفضلاء، فيستجيبوا، لنداء العقل، ولغة العلم، وصوت الحكمة، فيعدلوا عن أسباب الفتنة، وما أسباب الفتنة إلا الإصرار على العهدة الخامسة، وقد صارت أثرا بعد عين.

كما أن من أسباب الاحتقان الشعبي، والفتنة السياسية، الكيل بمكيالين، والتصامم، والتعامي، عن رؤية وسماع الحق، الذي بدا لكل ذي عينين.

لقد كان شعبنا الجزائري وطنيا عظيما، وذكيا حكيما، عندما رفع الشعارات الأصيلة والنبيلة، وحمى المؤسسات العامة والخاصة من كل التصرفات الأثيمة، فكشف عن طينته العريقة وأصالته الدقيقة والعميقة.

إن أخطر ما نخافه على حراكنا الشعبي، الطاهر الأبي، أن تتسلل إليه يد غادر أو مجرم، أو دعي، فتشوه صفاءه، وتعكر نقاءه، وتسوّد بياضه، وبهاءه.

فهذه الأصوات المشبوهة التي لا نعرف مصدرها، ولا نفقه كنهها أو بعدها، تطالب بما يسمى بالعصيان المدني، والعصيان المدني هو سلاح اليائسين، وأداة القانطين، فهو يشلّ الحياة الوطنية، ويضع الجميع في خانة الفاقدين للشرعية.

فنحن لا نستغرب وصول البعض إلى هذا الحل اليائس، والانتحار البائس، فآخر الدواء الكي كما تقول العرب، وكما يقول الشاعر:

إذا لم تكن إلا الأسنة مركب        فلا يسع المضطر إلا ركوبها

وللعقلاء، والحكماء، والعلماء، أن يسألوا: ما الذي أوصل الوطن إلى هذا الحل اليائس دون باقي الحلول؟.

لطالما، نبهنا، وحذرنا، وأعلنا وأسررنا بأن البركان الشعبي الهائج، مهما تحلى بالمسالمة في مطالبه ومهما تجلد بالصبر في معاملته، فإن الصدود والاستفزاز، والصد عن تحقيق مآربه، سيحول الهدوء إلى ثورة، والانضباط إلى عصيان، والمسالمة إلى هجمة عمياء قد تأتي على الأخضر واليابس.

إننا – نرفع في جمعية العلماء – صوت العقل، والحكمة والوطنية، والمسؤولية، منبهين، من لديهم بقايا حكمة، وتعقل في السلطة أن يتقوا الله في هذا الوطن، وفي هذا الشعب، فيجنبوه الأسوأ والأخطر مما قد يؤول إليه هذا الحراك الشعبي الحكيم، فيقدموا على إخراج الوطن من هذا السواد القاتم، الذي يجلل البلاد، ويبعثوا فيه شعاعا من النور يعيد الأمل إلى البلاد، فيفتحوا صفحة بيضاء، ناصعة النقاء، مستعينين في ذلك بصفوة من الوطنيين الشرفاء، لإعادة وضع المعايير للانتخاب، وتكوين هيئة مستقلة ذات مصداقية، وذات أقطاب.

يجب أن يكون البقاء للأصلح في كل مجال، فتنظم الانتخابات بعيدا عن إحياء النعرات القبلية، والعصبيات الجهوية، والتخندقات الضيقة الحزبية.

إن وطننا الجزائر يحتاج إلى كل أبنائه الصادقين المخلصين، عسكريين ومدنيين، جزائريات وجزائريين، فهو لا يضيق بالاختلاف في الإيديولوجيا، أو في الثقافة، أو في الدين. كل ما نرجوه، أن يتحلى المقْدمون على تحمل المسؤولية بوعي الوطنيين الأحرار، وفكر المواطنين الأخيار، والتخلق بأخلاق النبلاء الأطهار.

إن وطننا الجزائري اليوم أمام اختيارين لا ثالث لهما؛ فإما الانصياع لصوت الشعب ورأيه الحكيم، فيضحي بكل فكر راكد، ومال فاسد، وتسييس كاسد، وذلك ما سيؤدي إلى العصيان المادي الذي لا نبتغيه، ولا نرتضيه، ونحذر من عواقبه، ومن الداعين إليه.

وإما العودة إلى جادة الصواب، فنفتح الآفاق الرحبة أمام كل وطني له إرادة ورغبة في دفع الوطن إلى حياة سعيدة عذبة.

نحن – نشهد الله- في جمعية العلماء بأننا قد بلغنا للحكام والمحكومين، ونحن لازلنا على استعداد لتقديم كل أنواع المساعدة، المادية والمعنوية لجميع المسؤولين، والمواطنين.

لقد دقت ساعة الحسم، وأزفت مرحلة الجزم والعزم، وأن التاريخ لن يرحم أحدا، وأن صحائف التاريخ سجل ذهبي، فلنكتب فيها بمداد ذهب، العزة والسيادة، والاستقلال، والكرامة، لا بدماء الضحايا، وعرق المعذبين، والمضطهدين.

وللحرية الحمراء باب                بكل يد مضرجة تدق

فاشهدي يا جزائر، واكتبوا أيها الجزائريون، أننا للحمى سنبقى دائما جنود.

عن المحرر

شاهد أيضاً

الحراك النفيس تحت شعار ابن باديس/ أ. د. عبد الرزاق قسوم

ما أجمل الشباب الجزائري، حين يتجلى – في حراكه – مؤتزرا، بالعلم الوطني، الأوحد، الذي …