الرئيسية | الإسلام و الغرب | جاليتنا في الغرب والتظاهر السلمي؟/ محمد مصطفى حابس

جاليتنا في الغرب والتظاهر السلمي؟/ محمد مصطفى حابس

تجمع آلاف الجزائريين هذا السبت في العديد من العواصم الغربية في ساحة الأمم المتحدة بجنيف بسويسرا، وفي ساحة الجمهورية بقلب العاصمة الفرنسية باريس، وفي بروكسيل أمام البرلمان الأوروبي، وفي لندن البريطانية وحتى في القارة الأمريكية وأمام السفارات الجزائرية المعتمدة في بعض الدول..تجمعات كلها هادئة سلمية برايات جزائرية رافضة لمهزلة ترشح الرئيس المريض لفترة رئاسية خامسة، إذ ردد المتظاهرون شعارات رافضة لترشح بوتفليقة وأخرى معادية لحاشية الرئيس بوتفليقة التي تسير البلاد باسمه ولحزب جبهة التحرير الوطني ومن يدور في فلكها من أحزاب المعارضة الشكلية والموالاة النفعية. علاوة على ترديدهم للنشيد الوطني الجزائري مرات عديدة، ومن سمات التنظيم المحكم أن الشعارات كانت نظيفة خالية من أي سب أو شتم أو تهجم على الأشخاص والهيئات.

كما رفع المتظاهرون لافتات كتب عليها عبارات ديمقراطية مطلبية من قبيل “لا للعهدة الخامسة”، وأخرى تنتقد “نهب أموال الدولة الغنية بالنفط والتي يمر شعبها رغم ذلك بأزمة مالية واقتصادية خانقة ويهاجر سنويا الآلاف من شبابها للخارج في قوارب الموت”. ورفعت شعارات أخرى بالفرنسية ولغات أوروبية أخرى، منها:”أين هي الألف مليار دولار” في إشارة إلى الريع النفطي الذي دخل الخزينة العامة إبان سنوات حكم بوتفليقة والمقدر بتريليون دولار في حين تعاني البلاد من أزمة اقتصادية خانقة نالت فيها نسبة بطالة الشباب حصة الأسد.

وتأتي هذه المظاهرات تضامنا مع احتجاجات الشعب الجزائري داخل الوطن، المعبر عنه بحراك “22 فبراير” التي انطلقت يوم الجمعة المنصرم مع تظاهرات لعشرات الآلاف في عدة مدن جزائرية رافضة لما اعتبروها “مهزلة وخيانة ترشيح حزب جبهة التحرير الوطني للرئيس المريض والغائب عن المشهد السياسي منذ إصابته بجلطة دماغية قبل نحو 6 أعوام”، على حد تعبير إحدى المتدخلات في جنيف.

وقد تخللت هذه الشعارات كلمات موزونة راقية، تحث كلها على الاخوة بين أبناء البلد الواحد شعبا وجيشا، مع أحقية سلمية المطالب لتحقيق أهداف التداول الحضاري على السلطة في سلاسة وأمن وأمان بين الأجيال، وقد ذكر أحد المتدخلين في تجمع باريس، بأن هذا الظرف يعد اللحظة التاريخية الفاصلة التي يمر بها مجتمعنا، والتي سيكون لها ما بعدها من التأثير الحاسم علينا وعلى الفضاءات المجتمعية المحيطة بأرض الجزائر، طالبا الجميع بالتجند لها؛ “نخبا أو حكاما أو محكومين، رجالا أو نساء، شيبا أو شبابا، أحزابا أو جمعيات أو منظمات، رجال أعمال أو عمال، جيشا أو شرطة أو دركا أو أمنا”. محذرا بقوله:”أننا جميعا في سفينة واحدة تخوض بنا عباب بحر متلاطم لا يرحم، فيجب على كل واحد منا أن يحرسها ويحميها بأعز وأقوى ما يملك، حتى ترسو بنا إلى بر الأمان إن شاء الله تعالى”.

فيما ذكّر متدخل آخر المتظاهرين محذرا من خيانة أمانة الشهداء، وأمانة الأجيال، بقوله “توحدوا وارتفعوا على مصالحكم وجراحاتكم وحساباتكم الخاصة، واصنعوا معا التغيير والإصلاح السياسي المطلوب والممكن، من أجل الأجيال الحاضرة والقادمة كلها”.

ومع نهاية التجمع وقبل أن ينفض الحضور تناهى لأسماع المتظاهرين في ساحة الأمم المتحدة بجنيف نبأ وفاة، الدكتور حسان خدة أحد أبناء الرئيس المرحوم بن يوسف بن خدة، الذي يعد أول شهيد هذه الهبة الشعبية، قرأ بيان تعزية لإحدى المؤسسات المشاركة في التجمع، وتداولته منصات التواصل الاجتماعي بعنوان: هنيئا لك هذه الموتة الشريفة يا أخانا حســن بن خدة، ومما جاء فيه:

“تلقينا ببالغ الحزن والتأثر، وبكامل الرضى بقضاء الله وقدره، وفاة الأخ العزيز الدكتور حسان بن خدة، وهو يقوم بواجبه الوطني في خضم الهبة العظيمة للشعب الجزائري يوم الجمعة 1 مارس 2019، من أجل بناء دولة جزائرية ديمقراطية شعبية حقيقية في إطار المبادئ الإسلامية، كما حلم بها الشهداء والمجاهدون وكل جزائري، وكما نحلم بها اليوم جميعا، تتكافأ فيها الضمانات القانونية والفرص الاجتماعية والحقوق المدنية بين جميع الجزائريين والجزائريات، وينفتح فيها المجال واسعا أمام جميع الطاقات والكفاءات والعبقريات والخبرات الوطنية، لتتنافس فيما بينها، وتتكامل جهودها جميعا في خدمة نهضة المجتمع الجزائري، وتبوِيئه المكانة التي يستحقها في الفضاء المغاربي والعربي والإفريقي والعالمي”. مضيفا بقوله في نص التعزية:”لقد مت موتة شريفة يا أخانا العزيز وسط هذا البحر الشعبي الذي فاض ليغسل أرض الجزائر من نفايات الفساد الذي تراكم عبر عقود من السنين، وسد عليها كل طرق النهضة، وألحق أضرارا خطيرة بإمكانها الحضاري، وبإرادتها الحضارية، وبسمعتها، وبأمنها، وبالطموح الحضاري للمجتمع الجزائري. فهنيئا لك هذه الموتة الشريفة، في هذه الساحة وهذه اللحظة التاريخية المتميزة، وسيسجلك التاريخ بأنك من أوائل شهداء الواجب الوطني في المرحلة التأسيسية الثانية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية الحقيقية الثانية بإذن الله تعالى.

وبهذه المناسبة الأليمة تضرع الحاضرون إلى الله تعالى بأن يتغمد الفقيد بواسع رحمته. وأن يلهم أهله وإخوانه وباقي الأسرة الكريمة، الصبر والسلوان، وأن يجعل وفاته رصيدا معززا لحركة التغيير التي استهدفتها هبة المجتمع الجزائري المباركة بإذن الله. على حد تعبير البيان.

عن المحرر

شاهد أيضاً

قراءة في تاريخ الجزائر في عصوره الثلاثة مع الباحث والأستاذ الجامعي د- علي تابليت/ سعدي بزيان

قليل هم أولئك الذين تجشموا مشاق السفر ورحلوا في بلاد الله الواسعة ليس بحثا عن …