الرئيسية | المرأة و الأسرة | الشّاب الجزائري كما تمثله لي الخواطر/ اقتباس أمال السائحي

الشّاب الجزائري كما تمثله لي الخواطر/ اقتباس أمال السائحي

جاء في جامع الترمذي أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه،  قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله” فهاهو الشيخ محمد البشير الإبراهيمي يستشف ملامح الشباب الجزائري الذي أخذ على عاتقه اليوم استعادة سيادة الشعب، التي صادرتها بعض الأطراف بغير وجه حق، ويحدثنا عن وثبته العظيمة، وعزمته الصادقة، وسموه الأخلاقي، وثباته الذي لا يتزعزع، وكأنه يواكبهم في حراكهم، ويتنقل معهم في مسيراتهم الرائعة التي  تنزهت عما يؤذي العيون والآذان، أو يصدم العقول ويدمي القلوب، أليس شباب اليوم هو الذي وصفه لنا شيخنا -رحمه الله – في مقاله الشهير الذي نشرته له جريدة البصائر في غابر الزمان، قبل أن تستقل الجزائر تحت العنوان المذكور أعلاه والذي قال في:

أتمثله متساميًا إلى معالي الحياة، عربيدَ الشباب في طلبها، طاغيًا عن القيود العائقة دونها، جامحًا عن الأعنَّة الكابحة في ميدانها، متَّقد العزمات، تكاد تحتدم جوانبه من ذكاء القلب، وشهامة الفؤاد، ونشاط الجوارح.

أتمثله مقداما على العظائم في غير تهوّر، محجامًا عن الصغائر في غير جبن، مقدرًا موقع الرجل قبل الخطو، جاعلا أول الفكر آخر العمل.

أتمثله واسع الوجود، لا تقف أمامه الحدود، يرى كل عربي أخًا له، أخوة الدم، وكلَّ مسلم أخًا له، أخوة الدين، وكل بشر أخًا له، أخوة الإنسانية، ثم يُعطي لكل أخوة حقها فضلا أو عدلا.

أتمثله حلِفَ عمل، لا حليف بطالة، وحلس معمل، لا حلس مقهى، وبطل أعمال، لا ماضغَ أقوال، ومرتاد حقيقة، لا رائد خيال.

أتمثله برًّا بالبداوة التي أخرجت من أجداده أبطالا، مزورًّا عن الحضارة التي (رمتْه بقشورها)، فأرخت أعصابه، وأنَّثت شمائله، وخنَّثت طباعه، وقيَّدته بخيوط الوهم، ومجَّت في نبعه الطاهرِ السموم، وأذهبت منه ما يُذهِب القفص من الأسد من بأس وصولة.

أتمثَّله مقبلا على العلم والمعرفة ليعمل الخير والنفع، إقبال النحل على الأزهار والثمار لتصنع الشهد والشمع، مقبلا على الارتزاق، إقبال النمل تجدُّ لتجِدَ، وتدَّخر لتَفتَخر، ولا تبالي ما دامت دائبة، أن ترجع مرةً منجِحةً ومرة خائبة أحب منه ما يحب القائل:

ما قيمة الشباب؟ وإن رقت أنداؤه، وتجاوبت أصداؤه، وقضيت أوطاره وغلا من بين أطوار العمر مقداره، وتناغت على أفنان الأيام و الليالي أطياره، وتنفست عن مثل روح الربيع أزهاره، وطابت بين انتهاب اللذات واقتطـاف المسرات أصائله وأسحاره.

بل ما قيمة الكهولة؟ وإن استمسك بنيانها، واعتدل ميزانها، وفرت عن التجربة والمراس أسنانها، ووضعت على قواعد الحكمة والأناة أركانها.

بل ما قيمة المشيب؟ وإن جلله الوقار بملاءته، وطواه الاختبار في عباءته، وامتلأت من حكمة الدهور، وغرائب العصور، حقائبه، ووصلت بخيوط الشمس، لا بفتائل البرس، جماته وذوائبه.

ما قيمة ذلك كله؟ إذا لم تنفق دقائقه في تحصيل علم، و نصر حقيقة، ونشر لغة، ونفع أمة، وخدمة وطن.

يا شباب الجزائر هكذا كونوا… أو لا تكونوا.

أتمثله كالغصن المروح، مطلولا بأنداء العروبة، مخضوضر اللحا والورق مما امتص منها، أخضر الجلدة و الآثار مما رشح له من أنسابها وأحسابها، كأنما أنبتته رمال الجزيرة، ولوحته شمسها، وسقاه سلسالها العذب، وغذاه نبتها الزكي، فيه مشابه من عدنان تقول إنه من سر هاشم أو سرة مخزوم، ومخايل من قحطان تقول كأنه ذو سكن، في السكن أو ذو رضاعة، في قضاعة متقلبا في المنجبين والمنجبات، كأنما ولدته خندق أو نهضت عنه أم الكملة أو حضنته أخت بني سهم أو حنكته تُماضر الخنساء لعوبا بأطراف الكلام المشقق، كأنما ولد في مكة، واسترضع في إياد، وربا في مسلنطح البطاح.

أتمثله شديد الغيرة، حديد الطيرة، يغار لبنت جنسه أن تبور، وهو يملك القدرة على إحصانها، ويغار لماء شبابها أن يغور، وهو يستطيع جعله فياضا بالقوة دافقا بالحياة : ويغار على هواه وعواطفه أن تستأثر بها السلع الجليبة، والسحن السليبة، و يغار لعينيه أن تسترقها الوجوه المطرأة، و الأجسام المعراة

يا شباب الجزائر هكذا كونوا!… أو لا تكونوا

أتمثله مقدما لدينه قبل وطنه، ولوطنه قبل شخصه، يرى الدين جوهرا، والوطن صدفا، وهو غواص عليهما، يصطادهما معا، ولكنه يعرف الفرق بين القيمتين. فإن أخطأ في التقدير خسر مرتين

أتمثله واسع الآمال، إلى حد الخيال، ولكنه يزجيها بالأعمال، إلى حد الكمال، فإن شغف بحب وطنه، شغف المشرك بحب وثنه، عذره الناس في التخيل لإذكاء الحب، ولم يعذر فيه لتغطية الحقيقة

أتمثله مصاولا لخصومه بالحجاج والإقناع، لا باللجاج والإقذاع، مرهبا لأعدائه بالأعمال، لا بالأقوال

أتمثله بانيا للوطنية على خمس، كما بني الدين قبلها على خمس : السباب آفة الشباب، واليأس مفسد للبأس، والآمال، لا تدرك بغير الأعمال والخيال أوله لذة وآخره خبال، والأوطان، لا تخدم باتباع خطوات الشيطان

يا شباب الجزائر… هكذا كونوا… أو لا تكونوا.

عن المحرر

شاهد أيضاً

الطفل الفلسطيني الأسير أين هو من اتفاقية حقوق الطفل؟/ أمال السائحي

الطفل الفلسطيني معاناته فاقت كل كلمة وكل مقالة وكل حديث، يختطف ويسجن، ويعذب، حرمان مادي، …