الرئيسية | حديث في السياسة | كلمة حول مظاهرات الجمعة: هل من ثمار مرجوة بعد هذا؟/ التهامي مجوري

كلمة حول مظاهرات الجمعة: هل من ثمار مرجوة بعد هذا؟/ التهامي مجوري

إنّ هذا الحراك الشعبي الذي شهدته البلاد يوم الجمعة الماضي 17 جمادى الآخرة 1440ه الموافق 22 فيفري 2019م، أقل ما يقال فيه أنه معبر عن تذمر شعبي، وموقف من واقع سياسي واجتماعي لا يبشر بالخير، كما جاء في برقية وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية “تجمع مئات المواطنين، أغلبهم من الشباب… بعد صلاة الجمعة في الجزائر العاصمة، وفي مناطق أخرى من البلاد، تعبيرا عن مطالب ذات طابع سياسي، حسب ما لوحظ بعين المكان وسط حضور أمني مكثف. تنقل المتظاهرون مباشرة بعد صلاة الجمعة حاملين أعلاما وطنية ولافتات كتب عليها “نعم للعدالة” و”مسيرة سلمية” و”تغيير وإصلاحات”، مطالبين الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بالعدول عن الترشح لعهدة جديدة.

وهذا يستدعي من أصحاب القرار أخذ الأمر بجد، وقراءته قراءة صحيحة بعيدة عن القراءات الأمنية التي ورطت البلاد لعقود؛ لأنّ هذا الحراك بهذه المناسبة السياسية الخطيرة، لا يمكن أن يكون متعلقا بالحدث نفسه، بمعزل عن الواقع العام الذي تمر به البلاد، وإنما يمثل الحدث فيه القطرة التي أفاضت الكأس، وإلا فإن دواعي الحراك الشعبي كثيرة، بكثرة أسبابها وتنوعها، من أزمات اقتصادية وثقافية وأخلاقية.

فعلى المستوى الاقتصادي، فإنّ اللاتوازن الذي تشهده الساحة الوطنية في الميزان الاقتصادي، هو الغطاء الذي تلتحف به جميع القطاعات، بما يترتب عن ذلك من بطالة وتضخم وكساد وعجز عن إتمام المشاريع المبدوءة، فضلا عن حاجات المجتمع المتجددة بتجدد الأجيال فيه.

أما في الجانب الثقافي فإنّ المنظومة الثقافية، التي تحكم المجتمع هي: الشك والريبة والتردد والخوف، التي غطت جميع علاقات فئات الشعب بعضه البعض، بحيث لم يعد يثق أحد في أحد، ولا أحد يأمن جانب أحد، وهذه القيم الفاسدة إذا ما استبدت بشعب فإنها توهنه، ولا تبقي فيه ذرة من علم أو فهم أو قيم يُخْضِع لها مفاهيمه وعواطفه وميولاته، ويستهدي بها في حركته الاجتماعية العامة، بحيث يصبح المقياس التي تقاس به الأمور، هو الأنانية المفرطة والذاتية الطاغية، وذلك لا يبني مجتمعا ولا يحافظ على نظام اجتماعي ولا سياسي؛ لأن الغايات فيه قاصرة على أهلها.

أما الأخلاق فيكاد يجمع أهلنا بجميع فئاتهم شبابا وكهولا وشيوخا، ورجالا ونساء، أنها لم تعد من مرجعيات الوطن ولا من ثوابته القيمية؛ لأن قيم السوق والمادية المفرطة، أضحت هي المعتبر في الحركة والأخذ والعطاء، والتقييم والتأخير والتقديم.

واجتماع هذه الرذائل في مجتمع ما، لا تبشر ببقائه وبقاء فضائله، فضلا عن ازدهاره، ولا  يسع عقلاؤه إلا دق ناقوس الخطر، والتحذير من الكوارث الأعظم.

وهذا الحراك الذي شهدته البلاد يعد من أعراض ذلك التألم الخفي، الذي لا يظهر للعيان على مستوى الأفراد، حيث لا يظهر منه إلا الأعراض التي لا تخفى، ومع ذلك فإن ما يعلمه كل الناس، هو أن الجميع غير راض على الواقع، والجميع متضرر منه، والجميع يرغب في تغييره، وكل ذلك من الأسباب المباشرة، التي تنتبه لها النخب فتحولها إلى حراك شعبي يرسل برسائله الواضحة إلى أصحاب القرار، فتحملهم مسؤولية الإصلاح والتغيير من اجل الوصول إلى الأفضل والأحسن، مما يسر شعبنا وتقر به عينه.

إنّ الكرة الآن في شباك المسؤولين، بعد هذا الحراك الشعبي. ومن مسلمات التفاعل الطبيعي معه التجاوب الإيجابي، وإلاّ فإنّ الأمور ستزداد تعفنا لا قدر الله.

إن الأزمات كغيرها من الأمور؛ بل هي كالكائن الحي، تولد فتشب وتستوي على سوقها، فإن لم تجد من يقاومها فإنها تستشري وتستفحل فتذهب بالأخضر واليابس، وإذا تركت على حالها فإنها تهرم وتشيخ كما تهرم وتشيخ الكائنات الحية، ولكن بعد خراب مالطا كما يقال.

عن المحرر

شاهد أيضاً

المأزق.. والحل

بقلم: التهامي مجوري   يتكلم الناس عن أزمة سياسية في الجزائر، ويتكلم آخرون عن مشكلة، …