الرئيسية | في رحاب الشريعة | اعتبار قيمة اللسان في حياة بني الإنسان من بيان القرآن (1)/محمد مكركب

اعتبار قيمة اللسان في حياة بني الإنسان من بيان القرآن (1)/محمد مكركب

 

وردت آيات قرآنية من كلام الله تُشَرِّف اللسان وقيمته في حياة الإنسان، وتمجد الفصاحة والبيان في المخاطبة بين بني الإنسان، خصوصا بين أهل الإيمان الذين يزينون شخصيتهم بلغة القرآن. بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾[القصص:34] المقصود باللسان: جارحة الكلام، أو آلة النطق فيما تعارف عليه الناس. وقد يكنى بكلمة اللسان عن الكلام، أو عن اللغة أو اللهجة فقولنا: تنوعت ألسنتهم أي لغتهم وصيغ كلامهم. كما قال الرب تبارك وتعالى:﴿وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ﴾[الروم:22]، وقوله جل وعلا:﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل:103] يقال: فلان يتكلم بلسان القرآن أي بلغة القرآن. واللسان في الكلام يذكر ويؤنث. يقال: إن لسان الناس عليك لحسنة وحسن، ومعنى لسان الناس هنا أي ثناؤهم عليك ومدحهم وتزكيتهم لك. وفي دعاء إبراهيم:﴿وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء:84].

وكلامنا في هذا المقال هو بيان قيمة فصاحة اللسان في الإنسان، دقة وبلاغة وإبانة وإحكاما وإعرابا وإيجازا وإعجازا وصدقا وحسنا. قال الشاعر وهو يعبر عن قيمة فصاحة اللسان:[لسانُ الْفَتىَ نِصْفٌ، ونِصفٌ فؤادُهُ… فلمْ يبقَ إلاَّ صورةُ اللَّحْمِ والدَّمِ](زهير بن أبي سُلْمَى الْمُزَنِي.530 ـ 607). ومن الأمثال السائرة من قول العرب:( المرء بأصغريه: قلْبِه ولِسَانِه). واللسان رسول القلب فقيمة اللسان بالقلب وبقدر حكمة المرسِل تكون قيمة الْمُبَلِّغ عنه، فإذا علمنا أن صلاح القلب بالعلم والإيمان، علمنا أن استقامة اللسان بقدر ما يتعلم صاحبه من علم الخطابة، مع ما يهب الله لمن شاء من الموهبة وحصن الصوت والبيان. فمن نعم الله على الإنسان أن أنطقه بالبيان، قال الله تعالى:﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾[سورة البلد:8/10] وسبحان الله العلي العظيم الذي من على عباده بهذه النعمة نعمة النطق، وقد ورد في أقوال العامة من الحكم، أنهم قالوا:[ الذي عنده لسان لا يتيه في المكان ولا يضيع في الزمان] ونقسم البحث إلى قسمين:

القسم الأول: مسئولية الإنسان عن لسانه. والمقصود من هذا القسم الأول حفظ اللسان من السقوط فيما يغضب الرحمن.

وأقول فبقدر ما يستعمل أهل الإيمان نعمة اللسان فيما ينفع بني الإنسان، من نقل العلم ورواية الحديث، ودعوة الناس إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبقدر ما يحاورون بالقول الحسن والكلمة الطيبة والنصيحة الخالصة والموعظة الحسنة، وكل هذه القيم من خصال اللسان الحكيم. ففي المقابل يوجد أهل الشر الذين يستعملون ألسنتهم في إيذاء الناس، يتلقون كلام السوء من أهل الإفك والبهتان والنميمة والأراجيف ونزغ الشيطان، فكانت تجارتهم باللسان إشاعة التحريش بين بني الإنسان، فمنهم المتعمدون بدافع الحقد والحسد والاستكبار، ومنهم الجاهلون الغارقون في مستنقعات الوقاحة والاغترار، ومنهم الغافلون الذين هجروا التسبيح والاستغفار واشتغلوا بالخوض في أعراض العلماء والأبرار.

ففي ذم استعمال اللسان في الشر. قال الله عز وجل:﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ﴾[النور:15] إن الأصل عند الأصلاء والصادقين النصحاء هو العمل بالتوجيه الشرعي من رب العالمين ﴿وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً﴾[الإسراء:53] فهذا أمر من الله تعالى للمؤمنين فيما بينهم خاصة ومع غيرهم عامة، أمر لهم بحسن الأدب في الجدال والحوار، وإِلَانَةِ القول في النقد والنصح.

واللسان لسانان: لسان طيب يزرع الخير بين عباد الرحمن، ويؤلف القلوب على الحب والإيمان، ولسان خبيث ينفث شرارات العداوة بين الإخوان. وفي الحديث:[ إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللهِ، لاَ يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَرْفَعُهُ اللهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ، لاَ يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ](البخاري:6478) فمن كان يؤمن بالله واليوم لآخر فليقل خيرا أو ليصمت خير له من أن يأتي يوم القيامة محملا بأوزار كان في غنى عنها لو أمسك لسانه عن الناس، أمسك عليك لسانك عن إيذاء الناس، واشتغل بتقويم نفسك، وابك على خطيئتك. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَما يُلَقَّاها إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾[فصلت:33/  36].

وأُقَوِّمُ نفسي فأقول: ما هي فائتدي في أن أغتاب الناس، أو أنمم عليهم، أو أسوء الظن بهم؟ أو حتى أذكر طرفا من هفواتهم مما لو كانوا معي لكرهوا ذلك؟ ما هي فائدتي في الشماتة والاستهزاء والسخرية من الآخرين؟ لما أخوض في عرض فُلان وَعِلَّانْ؟ وأقدحُ في زيدٍ أو عمرو خدمةً للشيطان؟ هل حاسَبْتُ نفسي وقلت لها يا نفس لمَ تحاسبين الناس وكأنك المعصومة من الخطأ؟ وفي القرآن الكريم:﴿لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ﴾ وفي القرآن الكريم:﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ وفي القرآن الكريم:﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ وفي الحديث:[المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ](البخاري:10).

ومن الأقوال الحسنة المأثورة من كلام الأنبياء أنه ورد في الموطأ عن الإمام مالك؛ أنه بلغه: أن عيسى بن مريم كان يقول:[لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فتقسوا قلوبكم، فإن القلب القاسي بعيد من الله ولكن لا تعلمون، ولا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب، وانظروا في ذنوبكم كأنكم عبيد. فإنما الناس مبتلى ومعافى، فارحموا أهل البلاء، واحمدوا الله على العافية](الموطأ:3615) وفي الموطأ أيضا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:[من وقاه الله شر اثنتين ولج الجنة] فقال رجل: يا رسول الله! ألا تخبرنا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:[من وقاه الله شر اثنتين ولج الجنة: ما بين لحييه وما بين رجليه] (الموطأ:3620).

هل العلماء والمثقفون وهل الأمراء والمسؤولون هم في غِنًى عن هذه الموعظة أعني موعظة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ما أحوجنا جميعا إلى سماع مواعظ القرآن والسنة صباح مساء، ولا يستنكف عن مواعظ الأنبياء إلى السفهاء.

والموعظة هنا بشأن قيمة اللسان وخطورة استعماله في غير ما ينفع الإنسان كاللغو والاتهام والبهتان، أقول للذين يستعملون مواقع التواصل الاجتماعي فليحذر الذين يتكلمون عن الناس تجريحا وقدحا واتهاما ونقلا لهفواتهم أو أخطائهم فإن كل بني آدم خطاء، فيا من تتساهل أو تتغافل أو تتجاهل خطورة وشناعة تلك الجريمة في ترويج كلام عن مسلم مهما كان، فما هي فائدتك؟ هل صحيح أنت مؤمن؟ هل صحيح أنك متخلق بخلق رسول الله وأنت تغرد عن أخيك في الإسلام، بل تنعق وأنت تُشَهِّرُ به على ملأ من العالم؟ نعم قد يكون أخطأ ولكن هل صحيح أنك تحب لنفسك لو أخطأت أن يكتب الناس عنك على صفحات التواصل الاجتماعي للنيل من شخصيتك وطعنا في شرفك وكرامتك؟ ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ﴾ عن معاذ بن جبل، قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فأصبحت يوما قريبا منه ونحن نسير، فقلت: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار، قال:[لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه: تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت, ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير: الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل من جوف الليل. ثم قال: ألا أخبرك برأس الأمر كله وعموده، وذروة سنامه؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد, ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا نبي الله، فأخذ بلسانه قال: كف عليك هذا، فقلت: يا نبي الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم](الترمذي.2616) وما أحوج الذين ينقلون الأخبار عن عبد الله إلى عباد الله، ويكتبون التقارير عن عباد الله زورا وبهتانا، مأحوجهم إلى هذه النصيحة النبوية. تذكر كلام الله:﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾[النحل:105] وتذكر هذا الموقف يوم القيامة أنت يا من تطلق لسانك في أعراض الناس تذكر إذا كنت مؤمنا حقا وتؤمن بيوم القيامة. يقول الله تعالى:﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾[الجاثية:28/29]  فاكتب اليوم أيها الغافل ما تشاء عن المظلومين ويوم القيامة يقال لك:﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:14] ونختم بموعظة غالية جميلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. عن عبد الله بن عمرو، قال: سُئِل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: أي الناس أفضل؟ قال: [كل مخموم القلب، صدوق اللسان] ، قالوا: صدوق اللسان، نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: [هو التقي النقي، لا إثم فيه، ولا بغي، ولا غل، ولا حسد]( ابن ماجة.4216)

ونكتفي بهذا عن القسم الأول من قيمة اللسان وشأن الكلام. ونخصص القسم الثاني من هذا البحث -إن شاء الله- عن لسان الخير والكلمة الطيبة الجميلة، وضوئيات عن فن الخطابة والحوار الأدبي الراقي، إن شاء الله العلي الحكيم.

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

الموضوع: الصدقة الجارية كل عمل صالح يستمر زمنا فيه نفع للناس./ محمد مكركب

قالت السائلة: رزقني الله أرضا فاقتطعت منها قطعة وأوقفتها في سبيل الله أريد أن تكون …