الرئيسية | المرأة و الأسرة | أمراض نفسية ولدتها مظالم/ أمال السائحي

أمراض نفسية ولدتها مظالم/ أمال السائحي

الصراعات النفسية التي يعيشها بعض الأشخاص في باكر طفولتهم أو في محيطهم، يكون لها الشأن الكبير في بلورة الشخصية، شأنها شأن تلك الفيروسات التي تضر بالجسم عند الامتناع عن أخذ الدواء في حالة المرض، فتبقى آفاتها عالقة بما فيها من سلبيات على الشخص نفسه وعلى من حوله، وتترتب عليها مفاهيم وسلوكات سلبية على الشخص نفسه وتؤثر على من حوله.

من ذلك أن العلماء يرجعون ظهور الشخصيات الحاقدة والحسودة إلى شعور أصحابها في طفولتهم  بالظلم” الأول: إن شعور الإنسان بالظلم، حقيقيا كان أو متوهما يكبر إلى أن يسيطر على صاحبه فلا يستطيع التخلص من قبضته إلا بسلوك الانتقام من ظالمه ولو أدى ذلك إلى دمار حياته..ولا يزول هذا النوع من الظلم إلا بزوال الأسباب المؤدية إليه عن طريق رفع الظلم عن المظلوم لكي يرتاح ويبقى أثر الظلم في داخله ولا يزول، وقد يستيقظ فجأة من رقاده ولو بعد سنين.. وقد يلتمس العذر للمظلوم إذا دفعه الظلم إلى الحقد على ظالمه وهذا حقد مبرر وحتمي ..
الثاني: سيطرة الحسد على النفس، والحسد ينتج عن حالة نفسية مرضية تدل على هشاشة في التكوين وضعف في التربية النفسية وفراغ روحي وضعف في الإيمان، والحسد لا ينتج عن ظلم وإنما ينتج عن شعور بالأنانية فلا يقبل الحاسد أن يكون هناك من هو أفضل منه أو من يساويه أو من يقترب منه، وقد يكون جارا لك لم يظلمك أبدا ولا يعرفك ومع ذلك تحسده على ما أتاه الله من خير ونعمة في المال أو النجاح أو السمعة والجاه أو محبة الناس، وتتمنى من أعماق نفسك أن تزول النعمة عنه وأن يصاب بمحنة لكي ترتاح أنت من عذابك النفسي الداخلي لكيلا ينافسك فيما أنت فيه..”.

في تجربة اشترك فيها 72 طفلًا، تترواح أعمارهم بين سنتين وست سنوات، عُرض لهم فيها مسرح لشخصية تلعب بألعابها، ثم تأتي شخصية أخرى وتأخذ منها اللعبة عنوة، ثم تظهر شخصية أخرى ثالثة، وتبدأ بضرب الشخصية التي أخذت اللعبة، فيقوم الفريق البحثي بإسدال الستار دون أن يرى الأطفال مشهد الضرب.

وُجد أن الأطفال في عمر الست السنوات، كانوا مستعدين لدفع تذاكر أخرى تمكنهم من رؤية الشخصية السيئة وهي تتعرض للضرب، بينما الأطفال في عمر أربع وخمس سنوات، كانوا مهتمين بالدفع لأي سيناريو يضمن لهم مشاهدة المزيد، بغض النظر عن الانتقام من عدمه، فيما لم يهتم الأطفال دون سن الرابعة لذلك.

وهذا يفسر ما يولده الظلم من رغبة جامحة في الانتقام من الظالم كما يفهم من ذلك من سلوك الأطفال البالغ سنهم ست سنوات.

إن ما نلمسه في تصرفات بعض الأشخاص نحو ذويهم، أو نحو من يحيطون بهم، كاللجوء إلى العنف اللفظي أو البدني، لأجل كلمة قيلت منذ أعوام خلت، ومازالت النفوس المريضة تتلقفها لتتعدى بعد ذلك إلى الجرح بالكلمات، أو التشريد، أو القتل، حتى ولو كان ذلك لأجل فكرة خاطئة، أو سوء ظن، تقلب حياة الفرد والمجتمع، إلى جحيم مستعر لا يخبو أواره، ولا يسلم أحد من أضراره.

وهذا ما يفسر حرص القرآن الكريم على التحذير من التعدي، والتنفير من العدوان والظلم، والدعوة في العديد من الآيات الكريمة إلى ضرورة تلافي ذلك وتجنبه، من مثل قوله تعالى:{وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ}[البقرة:190]، كما نصادف الكثير من الأحاديث النبوية الشريفة التي تحذر الناس من مغبة الظلم والتعدي على الآخرين، من مثل قوله صلى الله عليه وسلم:(( إن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله   حجاب )) رواه الشيخان، وأصحاب السنن، وأحمدوغيرهم.

هذا التحذير المتكرر، والإلحاح المتواصل، على اجتناب الظلم وتركه ويكشف عن وعي كامن في النفوس بالآثار الوخيمة التي يرتد بها الظلم لا على المظلوم ساعة وقوع المظلمة عليه، بل فيما تبذره تلك المظلمة من بذور خبيثة في نفسية المظلوم لتنمو بداخله وتولد فيه أمراض نفسية خطيرة ومدمرة يصعب علاجها فيما بعد، بل قد يستحيل أصلا، وتتحول تلك الشخصية المريضة إلى معول هدم يدك أسس الحياة الاجتماعية وقواعدها.

إن الأحقاد التي تتولد عن الشعور بالظلم، هي المسئولة عن ظهور شخصيات سادية مدمرة تهدم ولا تبني وتخرب ولا تشيد، كبعض أباطرة روما في القديم، نيرون أو كاليجولا، أو هتلر وستالين وبينوشي في العصر الحديث، فلنجتهد لمنع الظلم والتظالم بيننا ما استطعنا إلى ذلك سبيلا حفظا للمجتمع وحماية للوطن.

عن المحرر

شاهد أيضاً

من لمسلمي الصين الإيغور:أولئك المنسيون؟…/ أمال السائحي

كم أصبح بائسا هذا العالم، وعديم الإنسانية، بكل ما تكتنزه الكلمة من ألم ومعاناة، ما …