الرئيسية | على بصيرة | تحقيق المأمول من زيارة اسطنبول/ أ.د. عبد الرزاق قسوم

تحقيق المأمول من زيارة اسطنبول/ أ.د. عبد الرزاق قسوم

كم يغمر قلبك الانشراح، وتعم مشاعرك الأفراح، وتحس بكثير من الارتياح، عندما تزور بلدا مسلما، فتجد أعلامه عالية مرفوعة، وأنظمته قائمة متبوعة، وصناعته غالية مطبوعة، وجماهيره زاهية مسموعة.

ذلك هو حال وفد جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وهو تطأ أقدام أعضائه أرض مدينة اسطنبول العالية المآذن، الجميلة المساكن، المثالية المواطن.

فبمبادرة حكيمة من عضو المكتب الوطني للجمعية الدكتور علي حليتيم المكلّف بالعلاقات العامّة، وبدعوة كريمة من مؤسسة وقف الأمة لخدمة القدس والأقصى المبارك برئاسة العالِم المجاهد الشيخ محمد العمري، وباستجابة سليمة من الجمعية، قام وفدها الفسيفسائي المهام، ممثلاً لمختلف مناطق الوطن، والمتنوع الوظائف والإحن، رجالا ونساء، يحدوهم جميعاً الوفاء للقدس الشريف، وتعميق التعاون بين أم الجمعيات الجزائرية والمؤسسات الفاعلة الفلسطينية.

أقام وفدنا من الثاني إلى السادس فبراير 2019م بمدينة أبي أيوب الأنصاري، حيث حظى باتصالات مكثفة مع وقف الأمّة لخدمة القدس والأقصى المبارك، ومع رابطة علماء فلسطين في الخارج بقيادة الدكتور الفاضل نواف التكروري، ومع رئيس لجنة القدس بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الدكتور أحمد العمري. كما حظي الوفد بلقاء علمي هام مع مفتي اسطنبول الأستاذ حسن كامل يلماز بالمشيخة الدينية.

لقد تميزت هذه اللقاءات كلها بعزيمة الأطراف المتصلة على النهوض بالأمّة من خلال قضية القدس خصوصاً، والقضية الفلسطينية بوجه عام. ففي مواجهة المشروع الصهيوني الاستيطاني الاستئصالي، وما يحظى به من دعم مادي، وعتاد لوجيستيكي، لمد وتثبيت مشروعه، كان لابدّ للأمّة الإسلامية أن تقدم المشروع المضاد، الذي يوقف -بالدعم المطلوب- توسع المشروع الصهيوني المعادي.

ومما تجدر الإشارة إليه، أن وضع أسس وقف الأمّة لخدمة القدس والأقصى الشريف يعود فيه الفضل إلى رمز القدس المجاهد الثابت على الجهاد، رائد صلاح، هذا الذي تنازل عن نصف جائزته التي حصل عليها من الملك فيصل رحمه الله، ومبلغها مئتا ألف دولار، قدّم نصفها لأيتام سوريا، ونصفها الآخر أسّس به وقف الأمّة، كحافز للأمّة الإسلامية، على تمويل هذا المشروع بغية تمكين المقدسيين من المحافظة على قدسهم، وعلى أقصاهم الشريف.

لذلك عندما سأل المحقق الصهيوني رائد صلاح، أثناء اعتقاله، كم تدفعون للقدس كل سنة؟ أجاب رائد صلاح، ندفع مئتي ألف دولار، ضحك المحقق الصهيوني وقال: إن إسرائيل تدفع ملياري دولار كل سنة، ومن يدفع أكثر للقدس أحق بها. فقال رائد صلاح: إن الأحق بالقدس هو من يدفع الدماء والأرواح في سبيلها.

تبين لنا –إذن- أن معركة القدس يتم حسمها على صعيد الأمّة الإسلامية لينعكس ذلك الدعم، على رحاب القدس، والأقصى الشريف.

فوسط القدس، وفي رحاب الأقصى الشريف تدور المعركة، لنزع الأرض، وهتك العرض، وتعطيل الفرض، من العدو الصهيوني الفض، وبقي على الأمّة الإسلامية أن تجابه كل هذه التحديات بحسن القرض، ونيل العرض.

ويكفي أن نذكّر، بأن إحصائيات العدوان الصهيوني تزداد كل يوم، بشراسة، ضد السكان الخائفين، والمرابطات والمرابطين على ثغور الأقصى الثابتين.

فبين عام 1967م وعام 2000م، وقع مائة وأربعة عشر اعتداء (114)، وبين عام 2000م و2004م مائة وثلاثة وأربعون  اعتداء، وبين عام 2004م و2006م ست وستون اعتداء، ومن عام 2006م إلى عام 2008م ست خمسون اعتداء، ومن 2008م إلى 2009م ثمانية وخمسون اعتداء، وفي عام 2011م مائة وخمسون اعتداء. من هنا جاءت كلمة رائد صلاح الخالدة: لا قيمة لفلسطين إذا ضاعت القدس، وذلك ردا على المشروع الصهيوني القائم على المخططات الدينية، والقانونية والإعلامية المزعومة، هذا المشروع الذي يرفع شعار “لا معنى لإسرائيل بدون القدس، ولا معنى للقدس بدون الهيكل”، لذلك وجدنا المشروع الصهيوني يستخدم معركة المكان والزمان في الأقصى الشريف، ومعركة تغيير الأسماء، بالمصطلحات الصهيونية الغازية، كل هذا والأمّة الإسلامية تعاني الذهال، وتنفق مما لا تملك، على من لا يستحق.

إن هذه الأحكام، هي التي كانت حاضرة في وعي وفد جمعية العلماء، وهو يزور اسطنبول، ففي زيارته هذه تجديد لرابطة الوفاء بين العلماء، والتي بدأها رئيس الجمعية الأوّل الشيخ عبد الحميد بن باديس في رسائله المتبادلة مع الشيخ أمين الحسيني، رحم الله الجميع.

كما أن زيارة الجمعية، جاءت لتبادل  الخبرات مع علماء فلسطين، وتركيا، للبحث عن أنجع السبل لتفعيل منهجية النهوض بالأمة، انطلاقا من دعم الصمود في غزة، والضفة، والقدس والأقصى الشريف.

إن الفلسطيني المقاوم، يلقي درسه البليغ كل لحظة وساعة، وهو يجود بروحه ودمه كل يوم، وعلى الأمّة العربية والإسلامية أن تحسن الإصغاء لهذا الدرس.

من هنا يمكن القول بأن وفد جمعية العلماء، بعد زيارته إلى اسطنبول، قد عاد مليء الوطاب، بما علمه، وسمعه من القابضين على جمر وطنهم وعقيدتهم، وكلنا إيمان بأن الجمعية ماضية في إرادتها الفولاذية، لمواصلة الحشد والتجنيد للقدس، وغزة، وفلسطين، بكل الطرق المشروعة، لمساندة المقاومة المشروعة التي يقوم بها الشعب الفلسطيني في سبيل تثبيت وجوده، وصيانة حدوده، وإعلاء بنوده، ونصرة جنوده.

وكما قال شاعر الجزائر محمد الأخضر السائحي طيّب الله ثراه:

إما العمارات خلف اللّدّ شاهقةُ          أو الخيامُ –جميعاً- حول لبنان

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

تنظيم الاستحقاق، وخلط الأوراق

بقلم: د. عبد الرزاق قسوم   يا ابن الأحرار والحرائر ويا ناظم الحراك وصانع التظاهر، …