الرئيسية | حديث في السياسة | مبشرات مزعجة!!/ التهامي مجوري

مبشرات مزعجة!!/ التهامي مجوري

إن منهجية علاقة الدين بالمنظومة التربوية، التي تنتهجها معالي وزيرة التربية الوطنية نورية بن غبريط، وتبعها في بعض ذلك معالي وزير الشؤون الدينية والأوقاف بتصريحه الأخير حول برنامج مادة العلوم الإسلامية في المرحلة الثانوية الذي نعته بتخرج تكفيريين. هي منهجية واضحة المعالم و”المظالم” في العمل على استبعاد الدين من المنظومة التربوية ومن حياة الناس نهائيا، لأن الدين أمر شخصي لا علاقة له بالتنمية والتعليم والإصلاح الاجتماعي؛ ثم إن علاقة الجزائر اليوم تخضع للعولمة، والعولمة ترفض كل ما يوحي بالتمييز بين الثقافات والحضارات والديانات…إلخ، والمعتقدات الدينية من أهم العوائق في ذلك كما تعتقد بن غبريط وزملائها من الفرانكويساريين.

إن هذه المنهجية التي اعمل على ترسيخها معالي الوزيرة، منهجية  تستمد قوتها من دراستين قام بهما مركز “الكراسك” المؤدلج، الذي كانت تديره السيدة بن غبريط: دراسة قائمة على استبيان شمل أكثر من 1600 تلميذ ثانوي بوهران في سنة1992، متعلقة بالدين والتاريخ والفن وأثر ذلك على تلاميذ الثانويات، والدراسة الثانية خاصة بتحليل محتوى برامج مادة العلوم الإسلامية في المرحلة الثانوية كان في 2010…، وكانت النتيجة أن تلاميذ الثانويات متدينون بنسبة 60 بالمائة في أوساط الذكور، و70 بالمائة في أوساط الإناث، وأنهم بالمجمل متأثرون ومغرمون أو قُلْ قدواتهم المنبهرين بها هي قيادات دينية وتاريخية، مثل الأمير عبد القادر، ابن باديس، بن بولعيد، بن مهيدي، بن نبي…إلخ؛ بل إن حظ الشاب خالد من ذلك كان الأخير في القائمة، وأن الطلبة بمن في ذلك غير المتدينين، يحملون في نفوسهم قداسة للدين لا تدانيها قداسة، وانبهار بهذه القيادات الدينية التاريخية لا مثيل له؛ وذلك لأن برنامج العلوم الإسلامية هو السبب في هذه القداسة التي تنتج توجها أيديولوجيا تهييجيا!! وهذا لا يليق بالمرحلة التي تريدها بن غبريط أو من لف لفها من المطبعين للعولمة ومستلزماتها؛ لأن مرحلة محو الفوارق بين الشعوب والثقافات.

تمنينا أن تكون هناك شجاعة لطرح المشروع على مكاتب الدراسات الحرة غير المؤدلجة، للخروج بموقف وطني في الموضوع، لا أن يدرس في الغرف المظلمة وتجبر الجزائر على تبنيه على غير هدى.

إن هذا الموقف إذا كتب له النجاح –لا قدر الله-، فإنه سيكون مقدمة لإلغاء مادة الإسلام دين الدولة، في مشروع تغيير الدستور الذي تبشر به أطراف في السلطة، وسوف يلغي كل ما له علاقة بالدين واحترامه في المنظومة التربوية، ومن كل الرزم القانونية التي تحترم الدين وتراعيه في مجتمعنا ومعاملاته اليومية على أن هناك الكثير من التشريعات تنص على عقوبة من يستهزئ بالدين والقيم الدينية أو يتجاوزها في شيء من معاملاته الدنيوية.

هذا بالنسبة للدين.. أما بالنسبة للقيم السياسية والتاريخية الوطنية، فلم يبق لها الوجود في معاملاتنا ونضالاتنا كما كان من قبل، وروح التحلل الكامل من الهيمنة الاستدمارية التي تميز به المجتمع الجزائري طيلة فترة ما بعد استعادة السيادة الوطنية… وإلا قولوا لي بربكم منذ متى لم تسمعوا عن مرجعية أول نوفمبر كوثيقة جامعة للجزائريين؟ ومنذ متى لم تسمعوا عن الثورة الجزائرية وقيمها التحررية وتفردها في القرن العشرين؟ ومنذ متى لم تسمعوا عن تميز الإسلاميين بمشروعهم؟ ومنذ متى بدأتم تسمعون عن تميع قيمة الجهاد في بلادنا؟

لا شك أننا متفاوتون في تقييم ذلك، ولكن المقطوع به أن ذلك تم تدريجيا في كل مرحلة نفقد شيئا ولا نشعر بفقدانه…

إن المجتمع برمته مسؤول عن اختفاء بعض القيم الدينية والسياسية التحررية إلى أن وصل شبابنا إلى مستوى التغني بفرنسا، وتمني عودتها…، حتى أن بعض المسؤولين الفرنسيس استبشر خيرا بزوال جيل المجاهدين.

ولكن الأكثر مسؤولية تقع على عاتق الخطاب السياسي –من جميع جهاته- الذي تراجع بشكل ملفت ولم يعد يعير كبير اهتمام لتلك القيم، بسبب ما بين الفصائل السياسية من فوارق، فالوطني لا يذكر الدين كقيمة اجتماعية فاعلة في المجتمع، خوفا من أن يستفيد من خطابه التيار الإسلامي؛ لأن تزكيته للدين تصب في وعاء من اعتبره مرجعية في مشروعه، والتيار الإسلامي أيضا لا يكثر من تثمين القيم الثورية والجهادية، حتى لا يفهم بأنه يدعم السلطة وغيرها من خصومه السياسيين، والنتيجة كما نلاحظ أن اختفاء القيم الأصيلة كان هو لون النضال لمدة العقدين الماضيين أو ثلاثة، الذي تحلل من كل ما هو إسلامي ووطني وثوري وتحرري…، بحيث لم نعد نفرق بين خطاب وخطاب، بسبب ما كانت تتميز به الأطراف السياسية، وبسبب فقدان المشاريع الجادة.

كل ذلك –باعتقادهم- من أجل الوصول إلى القيم الإنسانية، التي هي في الحقيقة أدنى ما يبقى للإنسان عندما يفقد كل شيء من إضافاته عبر التاريخ، بهداية الدين وبفضل القيم الحضارية التي تعد من إضافات الإنسان في تفاعله مع الطبيعة، ولكن قومي لا يعلمون أو لا يريدون أن يعلموا.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

هل الجزائر للبيع؟/ التهامي مجوري

  إي والله، أنا طرحت الموضوع في شكل سؤال، ولكن الحقيقة هي أن الجزائر كانت …