الرئيسية | شعاع | تبَنّي هموم الناس…حقل إصلاحيّ رائع (*)/ حسن خليفة

تبَنّي هموم الناس…حقل إصلاحيّ رائع (*)/ حسن خليفة

ثمة أكثر من تساؤل اليوم، عن مدى وفاء الأحزاب والحركات السياسية، والهيئات والجمعيات والمؤسسات العاملة ضمن ما يُعرف بـ «المجتمع المدني»، في وطننا الجزائر خاصة، وفي غيره من أوطان العرب والمسلمين عامة…مدى وفائها بالالتزام الرئيس والمركزي إزاء ما يُنتظر منها من  أداء “الخدمات” و “الواجبات”، في أي ميدان من ميادين الاحتياج لدى الناس، وهي كثيرة ومتعددة الأوجه…ويأتي في صدارة ذلك الوفاء: «التبنّي» الحقيق لهموم الناس ومشكلاتهم، والعمل على التخفيف من آلامهم وعذاباتهم ومعاناتهم، بالقدر الممكن. ومقتضى الأمر أن تستجيب تلك الهيئات للتطلّعات والاحتياجات المعلن منها وغير المعلن.

ويعنينا هنا أكثر أمر الهيئات ذات الصبغة  الإسلامية، سواء منها ما كان حركة حزبية، أو حركة جمعوية، لأنها الأقرب ـ أو هكذا يجب أن تكون ـ إلى الناس، والمفترض فيها أن يكون مبرر وجودها هو خدمة هؤلاء الناس في الإصلاح والتنمية وتحقيق الحد المتوسط في أدنى الاحتمالات .

وبالطبع ليس المجال هنا مجال محاسبة أو مساءلة، بقدر ما هو مجال تذكير بما يجب أن يكون دائم الحضور في أذهان المشتغلين في الشأن العام..ألا وهو: تبني هموم الناس بصدق وعمق، والعمل على خدمتهم والوفاء بالك، أيا كانت الظروف والأسباب، وأيا كانت الإكراهات والمعوقات.

نعم إنه ليس من المبالغ فيه التأكيد هنا: إن مبرر وجود تلك الحركات والأحزاب والجمعيات والهيئات هو في الأصل من أجل خدمة المجتمع في مختلف ميادينه وحقوله وبما يفيد مختلف الشرائح والفئات الاجتماعية وينهض بها، ويجعلها أكثر قدرة على العيش الكريم. وإن في نصوصنا الدينية الكثير  مما يحث على ذلك، ويرغب فيه، بما يقي المجتمع من العلل والأدواء التي تخرب نسيجه، وتمزق أوصاله، وتجعله يهتلك وينزلق إلى التآكل والانهيار. ونذكر من ذلك هنا بعضا منها، على سبيل الاستئناس، لأنها كثيرة وفيرة.

إن النصوص من آيات وأحاديث نبوية في هذا الشأن أكثر من أن تُحصى، وهي بمثابة قواعد ذهبية في مجال الخدمة العامة/خدمة الناس، تيسّر سبيل المجتمع إلى التكافل والتعاضد والتماسك، كما تيسر سبيل الآخذ/الآخذين بها إلى الرضا والسّتر والشعور بالحد الأدنى من الراحة والطمأنينة والإنصاف والإنسانية.

دعنا نذكّر ببعض من تلك النصوص العظيمة أولا: ففي القرآن الكريم ورد الحديث المشعّ عن الإحسان على نحو ترغيبي رائع:

قال تعالى:{وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة:195].وقال سبحانه:{إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ}[الأعراف:56]. وقال سبحانه:{نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}[يوسف:56].

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال:” قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسّر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه”. قال الإمام النووي في شرح الحديث: ومعنى نفّس الكربة: أزالها.

وفيه: فضل قضاء حوائج المسلمين ونفعهم بما تيسر من علم أو مال أو معاونة أو إشارة بمصلحة أو نصيحة وغير ذلك، وفضل الستر على المسلمين، وفضل إنظار المعسر، وفضل المشي في طلب العلم، ويلزم من ذلك الاشتغال بالعلم الشرعي بشرط أن يقصد به وجه الله تعالى، إن كان هذا شرطاً في كل عبادة، لكن عادة العلماء يقيدون هذه المسألة به، لكونه قد يتساهل فيه بعض الناس ويغفل عنه بعض المبتدئين ونحوهم.  انتهى من شرح صحيح مسلم.

لنتساءل كرّة أخرى: ما هو نصيب ذلك في واقعنا المعيش؟ وما هو مقدار ما حققته الهيئات والمؤسسات والجمعيات، وهي عندنا في الجزائر بالآلاف، ومنها بالأخص الجمعيات ذات الطابع الاجتماعي والإنساني والديني والثقافي؟

إن الأمر على درجة كبيرة من الأهمية، بما يستوجب إيلاءه الاهتمام المطلوب. وإن كان الأمر لا يقتصر على الجمعيات والهيئات، وإنما يمتد إلى الأفراد القادرين دون استثناء، رجالا ونساء، شيبا وشبابا، الميسورين ومن دونهم.

أعتقد أن ثمة أكثر من خلل وظيفي في بنياننا الاجتماعي والنفسي والديني؛ بالنظر إلى ما تعانيه فئات المجتمع وشرائحه المختلفة في مختلف المجالات: المرض، الفقر والعوز، سوء المسكن، تدني المستوى المعيشي، فضلا عن الجهل والأميات التي تلفّ المجتمع كالأمية الدينية، والأمية الثقافية، والأمية الحضارية، والأمية اللغوية الخ..بما يطبع المجتمع بـسمة التخلّف على الغالب، وينزله في منازل الانحطاط، وهو درك يجب التعاون في سبيل إنقاذ مجتمعنا منه على نحو سريع وحاسم، بتعاون وتضامن وتخطيط وتبصّر، ولعل أيسر السبيل في ذلك التداعي لمدارسة العمل الطوعي والخيري بمنهجية علمية وخلفية شرعية متينة.

لستُ أتصور أن مشكلتنا تكمن في نقص الكفاءات، والأطر والكوادر؟ كما أنها لا تكمنُ  في قلة الموارد وفقدان الحماسة الإيمانية بدليل أن في شعبنا هبات يقل مثيلها في الأوقات الحرجة كالعواصف، والكوارث، والمناسبات الأليمة الخاصة كالفيضانات والزلازل؛ حيث يعطي أروع الأمثلة على التضحية والإقدام ويعبر عن إيجابيته وحسن استجابته؟ فما الذي يمنعه إذن من أن يكون كذلك دائما وباستمرار؟

ذلكم هو السؤال…ذلكم هو السؤال؟!

(*) حول هذه الفكرة المركزية (خدمة الناس ونفعهم)…يجب أن ندندن طويلا؛ لأهمية ذلك في إحداث الفارق في مجال التغيير. وقد سبق أن نشرتُ حول الموضوع عددا من الإشارات التذكيرية. وآمل أن يمتد الاهتمام أكبر فأكبر في الجمعية بهذا الأمر.

عن المحرر

شاهد أيضاً

فنُّ الإحياء…وفضيلة الوفاء للعلماء/ حسن خليفة

يعدّ الوفاء؛ خاصة لأهل العلم والفكر والفضل والإصلاح، من أجمل الخصال وأكرم الفعال التي  تدلّ …