الرئيسية | قضايا و آراء | في ذكرى الاستقلال استقلال الجغرافيا أم استقلال إنسان؟بقلم/ عبد القادر قلاتي

في ذكرى الاستقلال استقلال الجغرافيا أم استقلال إنسان؟بقلم/ عبد القادر قلاتي

لا تُصنع الإرادة من عدم، كما لا يُصنع النَّجاح من غير بذل واجتهاد، وهكذا دائماً حال الإنسان منذ بدء الخليقة، يَصنع وجوده بالإرادة والاجتهاد، فالتَّحولات الكبرى في العالم، تسير وِفق هذين المبدأين، ولا خيار أمام الإنسان إلاّ الالتزام والتطبيق، وعندما يختل ميزان هذه المعادلة، ينتشر المنطق المنافي لقيم الحق والعدل والحرية، وهو المنطق الذي يتسرب منه الظلم الذي يتبناه المستكبرون في الأرض منذ بدأ الإنسان رحلة الوجود، هذا المنطق هو من استدعى منهج الأنبياء والرسل، الذي يقوم على مفهوم تخليص الإنسان من العبودية لغير الله تعالى، وتحصين إنسانيته بالمنطق الديني، فدعوة الأنبياء والرسل كانت دائماً تظهر عندما يطغى الظلم وأهله، ويستكبر المستكبرون في الأرض بغير حق. ومنظومة الظلم والظالمين في التاريخ البشري طويلة ممتدة، فكما أن الأنبياء والرسل قاوموا الظالمين والمستكبرين، قاوم -أيضا- أتباعهم هذا المنطق وما يزالون إلى يوم النَّاس هذا.

وفي العصر الحديث تعرض العالم الإسلامي، لهجمة شرسة قادها الغرب المسيحي، تمثلت في مشروع استعماريّ خبيث استولى من خلاله –الغرب- على مقدرات هذه الأمة، وعَطَّلَ مسارها الحضاري، وأحدث خللاً ثقافياً وفكرياً عميقاً، مازلنا نعاني آثاره في واقعنا السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي، وبالرغم من أنَّ الاستعمار العسكري لم يعد له وجود على الأرض، فقد استقلَّت أغلب الأقطار العربية والإسلامية في فترات متقاربة، إلاّ أنَّها مازالت تعاني آثار هذا الاستعمار، بل إنَّ هذه الآثار هي من يصنع الفارق في التمنية والتطور الاجتماعي، وهي من يصنع حالة الغبش في الرؤية والتصور، حتى غدت بلداننا العربية والإسلامية في أغلبها، تدار بمنطق الاستبداد والتبعية للدول الاستعمارية الكبرى.

تمر بنا اليوم ذكرى الاستقلال )05 جويلية 1962م(، ووضع بلادنا -التي عرفت استعماراً غاشماً، جثم على صدورنا أكثر من قرن من الزمن- يستدعي الوقوف والتمعن، في مسيرة هذا الاستقلال، وإعادة القراءة المتأنية لهذه المسيرة، فزمن الاستقلال تجاوز الخمسين سنة، وهي فترة كفيلة بصناعة دولة قوية سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، لكن الواقع الذي تعرفه بلادنا في كلّ المناحي، في المدرسة والجامعة حيث التربية والتعليم، وفي الصحة والزراعة وجميع القطاعات الحيوية، لا يبشر بخير، بل يؤكد أن الفشل يلحق كلَّ هذه القطاعات، انظر إلى واقع التعليم في بلادنا وهو القطاع هو الأكثر حيوية، كيف يدار؟ وبأي عقلية تدار؟

هذا القطاع الحيوي المهم، هو الذي تقاس به نجاحات الدول وفشلها، فالدول التي صنعت طفرة في واقع التقدم الحضاري، مثل ماليزيا وسنغافورا وتركيا، أعطت هذا القطاع الأهمية الكبرى في تجاربها السياسية، وتمكنت – من خلال هذا القطاع- أن تصنع الفرق في التحول من حالة الفشل إلى واقع النَّجاح، لكن الأمر عندنا ما زال يدار وفق آلية هي من بقايا وآثار الاستعمار، هذه الآلية التي تجسدها معادلة الأصالة والوافد، وجدلية الصراع اللغوي المفتعل، كلّ ذلك بغلاف أيدلوجي مريض، تجاوزته كلّ التجارب السياسية الناجحة التي ذكرناها، عندما نتحدث في بلادنا عن الاستقلال، ربما يكون كلامنا يلامس حقيقة واحدة من واقع الاستقلال، وهي استقلال الجغرافيا، فلا شك أنَّ المساحة الجغرافية التي رسمتها فرنسا لبلادنا قبل خروجها العسكري، هي نفسها المساحة التي تقع بين أيدينا، لكن هل تحقق استقلال الإنسان؟ هل الفرد الجزائري اليوم يَنعم بالاستقلال الحقيقي؟ هل تخلَّصنا من سياسة الاستعباد والهيمنة التي كانت فرنسا تدير بها البلاد والعباد؟

هل يملك الفرد الجزائري إرادته وحريته وكرامته اليوم؟

فليس الاحتفال بذكرى عيد الاستقلال، هو استحضار التفاصيل التاريخية وإن كانت مهمة للتدوين وكتابة التاريخ، بل بالوقوف أمام الذكرى لتقييم مسيرة الاستقلال، والنهوض بالوطن الذي ضحى من أجله أبناء الجزائر الشرفاء بأنفسهم وأموالهم لننعم نحن بهذا الاستقلال، فهل أحسنَّا الحفاظ على هذه البلاد؟

هذه هي الأسئلة التي تعنينا اليوم في هذه الذكرى.

———————————————————————————

استـرجاع السيـادة الوطـنـية وإعلان اسـتقلال الجزائر

بعد كفاح مرير دام طيلة 132 عام ضد الاستعمار الفرنسي الغاشم، وبعد عشرات الانتفاضات والثورات الشعبية المتوّجة بثورة أول نوفمبر 1954م المظفرة، والتي روتها دماء مليون ونصف المليون شهيد، وبناءً على ما تضمنته المادة: (17) من الباب الثالث من نصوص اتفاقيات إيفيان، والمتضمن إجراء استفتاء تقرير المصير خلال فترة تتراوح من ثلاثة إلى ستة أشهر من تاريخ نشر نص الاتفاقية، على أن يحدد هذا التاريخ وفقا لاقتراح الهيئة التنفيذية بعد شهرين من تنصيبها.

التحضير للاستفتاء:

وفي إطار صياغة جملة الضمانات والشروط المفصلة بتنظيم الأحكام العامة خلال المرحلة الانتقالية اعتبارا من يوم 19 مارس 1962م، واستنادا إلى ما تضمّنه نص الجزء الثالث من مواد ضمانات تنظيم الاستفتاء على تقرير المصير والجزء الرابع من الاتفاقيات، الذي نص على تشكيل قوة محلية للأمن غايتها الإشراف على استفتاء تقرير المصير، وقد جاءت المواد (19)، (20)، (21) لتحديد مواصفاتها والصلاحيات التي تضطلع بها.

وبات جيش التحرير الوطني وجبهة التحرير الوطني يستعدان لإجراء الاستفتاء في جو من الحيطة و الحذر إلى أن حل الفاتح من جويلية 1962م.

اجتمعت لهذا الحدث التهيئة والتحضيرات العامة لتعبئة الشعب كتوزيع المناشير على المواطنين لتوعيتهم وحثهم على المشاركة بقوة في هذا الحدث، بعد أن ضبطت الهيئة التنفيذية المؤقتة بمقرها في بومرداس موعدا للاستفتاء في غرة جويلية 1962م، حيث استجاب الشعب الجزائري وبنسبة كبيرة جدا لهذا الحدث التاريخي الهام.

وقد تضمنت استمارة الاستفتاء الإجابة بـ: (نعم) أو (لا)، على السؤال التالي: “هل تريد أن تصبح الجزائر دولة مستقلة؟”، متعاونة مع فرنسا حسب الشروط المقررة

في تصريحات 19 مارس 1962م.

نتائج الاستفتاء:

في 02 جويلية 1962م، شُرع في عملية فرز الأصوات، وكانت حصيلة النتائج لفائدة الاستقلال بأغلبية مثلما أكّدته اللجنة المكلّفة بمراقبة سير الاستفتاء صباح يوم 03 جويلية 1962م.

فمن مجموع المسجلين المقدرين بـ 6.549.736 والموزّعين على 15 مقاطعة إدارية، عبّر 5.992.11 جزائري بأصواتهم، منهم 5.975.581 صوّتوا بــ (نعم)، أي بنسبة 99.72 %، بينما صوّت 16.534شخص بـ(لا)، وهؤلاء من الأقدام السوداء وبعض أفراد “الحركة”.

الاعتراف بالاستقلال:

بمقتضى المادة (24) من الباب السابع المتعلقة بنتائج تقرير المصير، وطبقا للمادة (27) من لائحة تقرير المصير:

  • تعترف فرنسا فورا باستقلال الجزائر.
  • يتم نقل السلطات فورا إلى الجزائريين.
  • تنظّم الهيئة التنفيذية المؤقتة خلال ثلاثة أسابيع انتخابات لتشكيل الجمعية الوطنية الجزائرية التي تتسلم السلطات.

وبناء على ذلك أُعْلنت نتائج الاستفتاء يوم السبت 03 جويلية 1962م، وبعث الرئيس الفرنسي الجنرال “شارل ديغول” إلى السيد “عبد الرحمن فارس” رئيس الهيئة التنفيذية المؤقتة للجمهورية الجزائرية رسالة الاعتراف باستقلال الجزائر.

وبذلك اعتُبر يوم الاثنين 05 جويلية 1962م، التاريخ الرسمي لاسترجاع السيادة الوطنية التي سُلبت في 05 جويلية من سنة 1830م.

المركز الوطني للدراسات والبحث في الحركة الوطنية

——————————————————————————–

 

المراحل التي مرت بها الثورة

المرحلة الأولى: تبدأ هذه المرحلة من عام 1954م ــ 1955م وهي مرحلة الاستعداد للثورة فقد تمَّ تدريب المتطوعين ونشر أهداف الثورة بين الشباب في كافة أنحاء البلاد.

المرحلة الثانية: من عام 1956م ــ 1958م في هذه المرحلة ظهرت بشاعة المحتل وبطشه بالثوار بهدف إخماد الثورة، إلاَّ أنّ هذا البطش أدى إلى زيادة اشتعال الثورة وانتشارها في جميع أنحاء البلاد، ممّا تطلّب الأمر فتح مراكز تدريب جديدةٍ، ونشطت حركة الفدائيين في المدن، وخلال هذه المرحلة سيطر جيش التحرير الجزائريّ على بعض المواقع في الجنوب وأقام بها سلطاتٍ محليةٍ.

المرحلة الثالثة: من عام 1958م ــ 1960م، وكانت هذه المرحلة من أصعب المراحل التي مرت بها الثورة، فنفذ الجيش الفرنسي حملاتٍ ضخمة من القمع والقتل وفرضت على الأهالي معسكرات الاعتقال الجماعيّ والتعذيب، إلاَّ أنّ ذلك زاد من عزيمة الثوار في خوض معارك كبيرةٍ مع الجيش الفرنسي.

المرحلة الرابعة: من عام 1960م ــ 1962م، كانت المرحلة الرابعة من الثورة هي المرحلة الحاسمة من حرب التحرير إذ حاولت فرنسا كعادتها تصفية الثورة، إلاَّ أنَّها لم تفلح في ذلك، بل استمرت حركة التحرير بالقيام بمواجهات عنيفةٍ مع الجيش الفرنسيّ حتى تحقق انسحاب الجيش الفرنسيّ من كامل الأراضي الجزائريّة، وإعلان استقلال الجزائر في عام 1962م.

عن المحرر

شاهد أيضاً

من معاني العيد في فكر الإمام محمد البشير الإبراهيمي/ د. إبراهيم نويري

يُعدُّ الشيخ محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله تعالى من أبرز أدباء الجزائر وعلمائها وخطبائها ومصلحيها …