الرئيسية | على بصيرة | إن صلاتي، هي محياي ومماتي../ أ.د. عبد الرزاق قسوم

إن صلاتي، هي محياي ومماتي../ أ.د. عبد الرزاق قسوم

 

أنْعِم بهم فتية من أبناء الجيل الجزائري الصاعد، آمنوا بربهم وبوطنهم وعوا بطهر حدسهم، ونبل مشاعرهم وصفاء حسهم. فخرجوا على الناس برد فعل أكبر، لانفعال أخطر، تجلى رد فعلهم في شعارهم النبيل: صلاتي: حياتي.

وقع -إذن- ما سبق أن حذرنا منه من ردود فعل، للعدوان على العقل، بتعطيل شعائر الطفل. فقد تبين للجميع أنّ وزيرة التربية الوطنية أخطأت العنوان، وأخطأت الإنسان، والمكان، وحتى الزمان.

نسيت معالي السيدة الوزيرة عنوان الحكومة التي تنتمي إليها، وهي حكومة تمثل شعب الجزائر المسلم، الذي يدين بأغلبيته الساحقة للإسلام، وإنّ الصلاة ليست “ممارسة” وإنما هي عماد هذا الإسلام.

وأخطأت السيدة الوزيرة في حق الإنسان الذي هو الطفل، الموكول إليها تربيته، وتعليمه أي تنشئته تنشئة متوازنة وأصيلة يؤمن بربه، وبوطنه، بعيدا عن الأدلجة، والقناعة الشخصية.

كما أخطأت المسؤولة عن قطاع التربية في المكان الذي هو المدرسة، التي تمثل المصنع السليم لصنع العقول، وفق المنهج التربوي الوطني المنقول، والمأمول الذي يخرج لنا الأجيال الأوفياء للأصول.

وساء حساب السيدة بن غبريط في تقدير الزمان، أي الفترة الدقيقة الحساسة التي يمر بها وطننا، إعدادا واستعدادا لاستحقاقات الرئاسة التي تمثل مرحلة حاسمة في واقع السياسة.

إنّ هذه العوامل الخطيرة في حياة الوطن والمواطن هي التي قفزت عليها مديرة المدرسة الدولية بباريس، وأعانتها عليها الوزيرة، بمنع الصلاة في المؤسسة التربوية، مخالفتين بذلك أبسط القواعد البيداغوجية، وأبجديات المعاملات الوطنية، وبديهيات المقومات العلمية.

وليت الفعل الانفعالي توقف عند هذا الحد من الاستفزاز، بل تجاوزه إلى الإصرار على الحنث العظيم حينما توجهت مسؤولة القطاع التربوي إلى ممثلي الشعب، لتؤكد على ممارسة الخطأ، فأدى ذلك إلى إذكاء نار الفتنة التي حذرْنا منها في مقالنا السابق. وهكذا تحول رد الفعل من فردي إلى جماعي، ومن محلي إلى دولي، ومن أداء تعبدي إلى فضاء أيديولوجي.

فهل تتسع الساحة الوطنية إلى مثل هذه الفتن التي تذكي لهيب النيران داخل الوطن؟ وهل يقدم مسؤول على مستوى الحكومة على تنمية عوامل التأزم، وأسباب المحن؟

هل يعي القائمون على الشأن الوطني، والشأن التربوي خطورة ما أقدمت عليه السيدة الوزيرة بمنع أداء صلاة طالبة وفقا لقناعتها التربوية، ومعتقداتها الدينية، وما جره مثل هذا التصرف البعيد عن التسامح إلى تعبئة المعلمين والمتعلمين على حد سواء؟

وهل من الحكمة السياسية والأخلاقية السباحة ضد التيار عندما تكون العواصف في علو وانحدار؟

كان يمكن أن يوضع مثل هذا التصرف في خانة الخطأ، وكل من يعمل يخطئ وإن كنا لا نجيز هذا المستوى من الخطأ، الصادر عن مسؤول سياسي يقدر لكل كلمة وقعها، ويحسب كل حساب لما يحيط به من عوامل الإنسان، والمكان، والزمان، والعنوان.

وكان يمكن التغاضي عن مثل هذه الهفوات القاتلة لو لم تسبقها سوابق قبلها، كحذف البسملة من الكتاب المدرسي، والتدخل في نوعية اللباس المدرسي، وفي التضييق على الفضاء التعبدي وكلها ذات مساس بالاستقرار المدرسي.

ليس بيننا وبين السيدة الوزيرة بن غبريط –يعلم الله- أية حسابات شخصية، أو حزبية أو سياسية، كل ما بيننا هو هذا الطفل الطاهر الموكول إلينا تربيته، وفق القواعد التربوية الصحيحة، وهذه المدرسة المطلوب منا أن نسيّرها على أسس علمية واضحة وصريحة، وهذه المنظومة التربوية الأصيلة التي نحن جميعا كأولياء، وكمعلمين، وكقائمين على شأنها، والتي نريدها أن تتحرر من الأيديولوجيات المقيتة، وأن تعلو في توجهاتها عن عوامل الانسلاب المميتة.

كل ما نرجوه لمدرستنا الجزائرية أن تبقى أصيلة في انتمائها، ونبيلة في عطائها، وعادلة في قضائها، ومتفتحة في فضائها.

فيكفي الوطن ما يعانيه من عنف أجيال نشأوا في زمن العسرة، ولم يجدوا العناية الكافية من المدرسة والأسرة، وها نحن نعاني تبعات إجرامهم، ومغامراتهم، بكل ألم وغصة، وحسرة.

إنّ الخطأ –اليوم- لم يعد مقبولا، فالوطن مثخن بالجراح، ومُطوق بكل أنواع الأتراح، وكنا نأمل أن الطبقة المستنيرة من المثقفين، والمربين، والمسؤولين، هي خير من يهب، لتقديم إسعاف النجدة والانشراح.

فيا بني وطني! إنّ المدرسة هي الحمل الثقيل، الذي إن لم نتعاون على تحمل ثقله وأثقاله يوشك أن يتحول إلى انفجار، يقضي على حامله، وعياله.

فالله ! الله ! في المعلم والمتعلم. وفي المدارس التي هي للخير مغارس. والله ! الله ! في الطفل، الذي هو صمام النقل والعقل، والذي يستحق منا كل العطاء والبذل.

فلئن أخطأنا في تجارب المال والأعمال، ولئن أسأنا تقدير الفلاحة والصناعة، فإن ذلك يمكن تداركه بتغيير التاجر، والفلاح، والبضاعة، ولكن حذار فإن الخطأ في توجيه الأجيال، هو الخطأ القاتل للآمال، والذي يحول الممكن إلى محال.

إننا نهيب بكل وطني غيور على هذا الوطن في هذه البلاد، ونناشد كل عاقل صبور من أبناء الجزائر في الجبل والواد أن يهب للعمل بما يستطيع، من تقديم الزاد والعتاد، والإعداد والاستعداد، لضمان الحصاد، قبل حلول الكساد.

حذار من الاستهانة بكل ما يعين على إحياء البلاد والعباد، خصوصا في ما يتعلق من ثوابت الوطن، وعدم وضعها في المزاد.

إنّ الجيل الذي ينشأ على التربية الخلقية النبيلة، والتنشئة الدينية الأصيلة، هو الجيل الذي يجدد لنا الصلة، بقيم ثورتنا الجليلة.

إنّ الصلاة التي هي لب القضايا المثارة، هي التي تصقل المواهب، وتوحد المذاهب، وتجمع بين الحاضر والذاهب، فصلاتي هي محياي وهي مماتي.﴿ قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ[سورة الأنعام، الآية:162/163].

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

جمعية العلماء وعقدة الإعلاميين الجهلاء/ أ. د. عبد الرزاق قسوم

رحم الله عالم الجزائر وإمامها محمد البشير الإبراهيمي، فقد وضع لنا ذات يوم وصفة علمية، …