الرئيسية | حديث في السياسة | ماذا لو أننا…!!/ التهامي مجوري

ماذا لو أننا…!!/ التهامي مجوري

في المؤتمر الذي نظمته جامعة حمد بن خليفة أيام 2/4 فبراير 2019، إحياء للذكرى السبعين لصدور كتاب شروط النهضة للأستاذ مالك بن نبي، رحمه الله، كان للأستاذة رحمة مالك بن نبي ابنته مداخلة بعنوان “شروط النهضة فيما بعد الحداثة”، وكانت محاضرة قيمة، إذ كان جوهرها الدعوة إلى تجاوز الغرب، بما يملك العالم الإسلامي من قيم إنسانية راقية، لا يزال الغرب يتطلع إليها ولكنه لا يمكن أن يدركها بسبب ثقافته المغلقة على نفسها، وللتعبير عن كيفية هذا التجاوز أو المفاصلة أو المقاطعة، قامت الأستاذة رحمه بحركة بسيطة كانت أبلغ من كل تعبير.

حيث قالت إن موقعنا في العالم اليوم أننا في طابور طويل نحن آخره..وما دمنا في الأخير فإن وصولنا إلى المقدمة يكاد يكون مستحيلا لبعد الشقة..، ولكن يمكننا أن نقوم بحركة بسيطة فنلتفت إلى الخلف لنغير الوجهة فنصبح في أول الطابور، أي بدلا من أن نبقى متوجهين إلى الغرب ونحن في آخر الطابور، نغير وجهتنا لنتجه إلى الشرق، فنصبح في أوله، أي يصبح موقعنا في بداية الطابور… والبداية تكون يومها بأعلى معانيها القيادية.

لا شك أن الأستاذة رحمة لم تقصد بهذه الإشارة الذكية، مجرد تغيير الوجهة، وإنما هي ترمز بذلك إلى وضع حد إلى هذه التبعية المخزية للغرب الاستعماري، في كل شيء ومن قبل كل الشرائح وبكل الوسائل، وفي المقابل لا يزال الغرب يمتص طاقاتنا وقدراتنا. وأول خطوات المشروع في ذلك نبذ التقليد للغرب وعدم اتباعه في كل شيء…، والانطلاق من القدرات والإمكانات الذاتية.

وعدم التقليد هو أول خطوات الاعتماد على الذات وعلى إمكاناتنا وقدراتنا الذاتية، وهي كفيلة بنقلنا من الوضع الذي نحن عليه إلى وضع آخر نطمح إليه.

وذلك هو جوهر التحرر من هيمنة الغرب الاستعماري، الذي يريد لنا أن نبقى عبيدا له ولقيمه وخياراته؛ لأن الغرب ليس متغلبا دائما بما يملك، وإنما تتسلل غلبته فينا بقدر ما نسمح له نحن بالتمدد فينا وفي نفوسنا المهزوزة، فنتضرر بآفاته بقدر ما نسمح له نحن في قليل أو كثير.

وكأني بالأستاذة رحمة قد اقتبست هذه الفكرة من والدها الذي يقول إن المشاريع الحضارية الكبرى، تبنى بالأفعال والحركات البسيطة، المبنية على منطلقات ثقافية راسخة، وقيم أخلاقية راقية. وذكرت مثالا لهذه الأمور البسيطة فقالت:

جاء رجل إلى والدي بعد هزيمة 67، وسأله قائلا:

ما سبب هزيمتنا يا أستاذ؟

وكان الرجل ينتظر منه أن يكلمه عن تعقيدات العلاقات الدولية وموازين القوى والدعم الغربي لإسرائيل وعن ضعف النظام العربي…إلخ، ولكن الوالد فاجأه بسؤال، قائلا: هل رأيت في طريقك إلينا أوعية للقمامة الموضوعة بجانب الطريق؟

قال بلى رأيت ذلك.

فقال له الوالد وهل القمامة التي يلقيها الناس كانت بداخل الأوعية أم بخارجها؟

قال له كانت القمامة بخارجها، منتشرة في الشارع هنا وهناك…

فقال له الوالد..ذلك هو سبب الهزيمة…، فذهل الرجل الذي كان ينتظر التحليلات السياسية وكلام في الاستراتيجية والاستشراف وما إلى هنالك.

والشاهد في الأمر كما قالت رحمة أن النظافة في العقل والفكر والتدبير تبدأ من هذه الأمور البسيطة..؛ لأن نظافة الداخل الإنساني هي التي تحدث نظافة الخارج وليس العكس.

رحمة بن نبي علمت أولادها بالبيت، حيث كانت ترسل أبناءها إلى المدرسة لمدة قصيرة، ليتعلموا نظام المدرسة وأقسامها وكيفية الانضباط داخل القسم ومتابعة الدرس مع المعلم، ثم تعيدهم إلى البيت وتعلمهم بنفسها من الابتدائي إلى الثانوي ليلتحقوا بالجامعة بعد ذلك، ولا يعرفون المدرسة إلا في أيام الامتحانات…

لماذا تفعل رحمة ذلك؟

لتحافظ على ثقافة أبنائها الأربعة الذين هم كبار الآن وكلهم جامعيون.

عن المحرر

شاهد أيضاً

لست سياسيا !!/ التهامي مجوري

حاولت أن أفهم من خلال مناقشاتي مع الزملاء والأقران، وبعض المهتمين بالشأن العام، ما إذا …