الرئيسية | قضايا و آراء | مرجعية ديننا..ومسألةُ وَحْدَةِ الأمة/ د. إبراهيم نويري

مرجعية ديننا..ومسألةُ وَحْدَةِ الأمة/ د. إبراهيم نويري

مَن يغلغل نظره بإمعان في مرجعية القرآن المجيد والسنة النبوية المطهّرة ومقاصد الشرع الحنيف، يلاحظ بيسر بأن هذه المرجعية تتشوّف وتتطلع وترنو إلى تحقيق وترسيخ معنى وحدة الأمة، لأنّ الوحدة تعني القوة والعزّة والشموخ…ومن ثمّة فقد جاءت شعائر الإسلام في مجملها تؤكد هذه الحقيقة وتدعم هذا المعنى. فصلاة الجماعة عبادة يومية جعلت منها الشريعة السمحة مظهراً من مظاهر الاتحاد والانسجام والتآلف؛ فالمسلمون يجتمعون عدّة مرات في اليوم الواحد في تظاهرة وحدوية تنظّم صفوفهم خلف إمام واحد وفي اتجاه قبلة واحدة، وقلوبهم نحو هدف واحد، هو طاعة الله  وامتثال أمره وأداء فرضه.

فالصلاة فرضها الله تعالى على المكلفين خمس مرات في اليوم والليلة، وهي تشي بوحدة المسلمين في الغاية والهدف، فقد جعل الله تعالى مواقيتها واحدة وركعاتها واحدة وهيئتها واحدة لا تختلف من بلد إلى بلد، أو من جيل إلى جيل، ويتمّ الإعلان عنها بصوت ندي فيستجيب المؤمنون للنداء، ويجتمعون كلما سمعوا هذا النداء في بيت من بيوت الله تعالى يناجون رباً واحداً ويؤدون أعمالاً واحدة ويتّجهون إلى قبلة واحدة، فأي وحدة أبلغ وأعمق من وحدة المصلين في الجماعة ؟

أما العبادة الثانية في أركان الإسلام فهي الزكاة، هذه العبادة العظيمة التي تستهدف دعم صلة المسلم بإخوة العقيدة والمصير، والتطهّر من رذيلة الشحّ ومنازع سطوة النفس، فالزكاة سلوك تحرري فاعل من إسار هوى النفس وأنانية الذات، وهي أيضا عملٌ وحدوي من صميم الأعمال والمنجزات الداعمة المعضّدة لقوة المجتمع من الداخل، لكونه يُسهم في سدّ ثغرات الضعف والاحتياج والمسغبة التي يخلفها الفقر في كيان المجتمع المسلم.

ولا ريب أن الجماعة التي ينتشر فيها الإملاق والعوز، تشتعل فيها العداوة والبغضاء والحقد، وتكثر الجرائم وتتفكك الأواصر، فيهتز كيان الأمة بما يشيع بين جنباتها من تقاطع وتدابر وتعاد؛ لذلك شرع الله الزكاة كوسيلة عملية سلوكية تقوّي وشيجة المودة بين الأغنياء والفقراء، وتجعل منهم أسرة واحدة متكافلة متعاونة على الخير العام، فالزكاة إذن وفق المفهوم الإسلامي إنما هي لمصلحة الجماعة والمجتمع، فهي كفالة لا غنى عنها لسد حاجات الفقراء والمحتاجين، بما تهيئه لكلّ عضو منهم من كرامة الشعور بالحياة الشريفة الطيبة.

أما صوم رمضان من كلّ عام فهو ينطوي على أبعاد ودلالات كثيرة، من أهمها تربية المسلم وإشعاره بأنه فردٌ من أمة كبيرة لها رسالتها وقَسَماتها العقدية والاجتماعية والحضارية المتميزة؛ ففي توقيت الصيام بطلوع الفجر ونهايته بإقبال أول الليل ” الغسق” أثناء الغروب، حكمةٌ لتوحيد حركة المسلمين وضبط مناشطهم العامة مع إضفاء صبغة خاصة عليها، فمعنى الوحدة والتآلف محسوس في كلّ مضامين وأداءات عبادة صوم رمضان.

ولهذه العبادة الجليلة تأثير عقدي وفكري ونفسي عميق على الإنسان المسلم، إذ شاءت الحكمة الإلهية أن يكون نزول القرآن في شهر الصوم، ليكون المحور الجامع لكلّ شؤون المسلمين، منه يستمدون مقوّمات حياتهم، ويسترشدون بهداياته الشاملة لكلّ مجالات الحياة والنشاط الإنساني. كما أن لهذه العبادة تأثيراً روحيا وأخلاقيا كبيرا مشهودا، إذ تغصّ المساجد بجمهور المصلين المقبلين على تلاوة كتاب الله تعالى وتدبر أحكامه وهداياته بخشوع واستكانة لله، فتصفو الأرواح وتزكو النفوس، ويحس الجميع بوحدة الأمة الكبرى من خلال الارتباط اليومي بالقرآن العظيم طيلة أيام الشهر الفضيل.

أما الحجّ إلى بيت الله الحرام فهو من أبرز المظاهر العبادية التي يتجلّى من خلالها الجانب الوحدوي، إذ أنه أعظم مؤتمر يجتمع فيه المسلمون من جميع أقطار الدنيا تلبية لنداء ربهم وتأدية مناسكهم في عبادة جماعية تضمّ المسلمين على اختلاف لغاتهم وألوانهم وأجناسهم وأقطارهم وأحوالهم، في قلوب خاشعة متبتّلة خاضعة لم يوحّدها سوى الإسلام ولم يجمع بينها إلا العمل الصالح.

وفي الحج دعوة صريحة إلى توحيد الكلمة والغاية والمصير بين المسلمين، فهو تجمّع عالمي ضخم يوحّد بينهم، ويوثّق عُراهم ويجمع شتاتهم؛ وفي الحج تعارف بين أبناء الأمة الإسلامية الواحدة، وتبادل المنافع المادية والمعنوية بينهم، ودعوة قوية إلى أن يكونوا كالجسد الواحد في أحوال السراء والضراء كافة. فلا يجوز للمسلم أن يعيش بمنأى عن تتبُّع أحوال وشؤون إخوانه في العقيدة والهدف والمصير؛ بل المتعيّن عليه أن يكون على وعي وعلم بحقيقة أوضاعهم، كي يتمكّن من تحديد العمل الذي يستطيع تقديمه، سواء أكان فكرياً أو علمياً أو إعلامياً أو مادياً أو إغاثياً إنسانياً.. إلخ .

فمما لا ريب فيه أنّ مرجعية بهذا الوضوح وبهذه المقاصد، من شأنها أن تنجح من الناحية الواقعية العملية في توحيد الأمة وتفعيل حقيقة التماسك والتآلف في كيانها الحي.

فإذا نحن ألفينا تناقضاً بين الجانبين النظري والعملي أو الواقعي، فلنبحث عن خيوط المؤامرة ولنحدّد بدقة مواضع الخلل، ولنشحذ الهمم والعزائم من أجل تذليل وإزالة العقبات الكأداء والعلل المدمرة التي تحاول إماتة الكيان الإسلامي، أو جعله كياناً مخدَّراً لا يَعرف له هدفاً أو وجهة صحيحة منسجمة مع مقاصد مرجعية ديننا في بناء الإنسان والحضارة .

والله وليّ التوفيق والسداد والفلاح .

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

العلماء أمناء الله على خلقه/ أ. آمنة فداني المقرية

إن البناء الحقيقي للفرد في أي مجتمع لا يمكن أن يكون سليما معافى إلا إذا …