الرئيسية | قضايا و آراء | نحو علاقة جديدة مع الغرب/ عبد العزيز كحيل

نحو علاقة جديدة مع الغرب/ عبد العزيز كحيل

 

الغرب في نظرنا نحن المسلمين هم المسيحيون والرأسماليون والشيوعيون والاستعمار، أي مظانّ الظلم والعدوان، وهذا أمر نسبي بطبيعة الحال لأن الغرب أنظمة حكم وشعوب ومجتمعات مدنية ومؤسسات مختلفة وتوجهات متعددة إلى حدّ التناقض، وليس من  مصلحتنا ولا من العدل تعميم الوصف ولا معاداة الجميع، ونحن الآن في موقف ضعف سياسي وثقافي واقتصادي وحضاري يقتضي ليس الانهزام الروحي أمام الآخر ولكن التسلح بالواقعية والرفق واللين لأننا أمة الشهادة على الناس، ولا يتمّ ذلك إلا بأداء مهامّ الدعوة إلى الله، وهذا يقتضي العدل مع الآخر، ويشمل شيئا جوهريا في إحياء العلاقات ومحاولة إزالة التوتّر ألا وهو الإشادة بدور الغربيين الحضاري من خلال إضافاتهم الكبيرة للإرث البشري عبر الاكتشافات والاختراعات والفتوحات التقنية واللمسات الأدبية والفنية خاصة منذ ما يُعرف عندهم بالنهضة التي انطلقت في فلورنسا في القرن الخامس عشر الميلادي في أعقاب “العصور الوسطى”، والغرب يعتبر تلك الحقبة عصره الزاهر، وهنا لابدّ من فهم مسألة أساسية يلفّها كثير من اللبس في الصفّ الإسلامي وهي وجوب التعامل مع الغرب كما هو لا كما نريده أن يكون، لأن هذه هي المشكلة التي وقع فيها هو في تعامله معنا حين أراد أن نلبس ثياب الديمقراطية والحداثة والعلمانية لنكون صالحين لشراكة حضارية معه، فلا يصحّ أن نطالبه بالتخلي عن تراثه وسمته ومرتكزاته الثقافية لنتعامل معه، نحن لا نتبنى من تراثه الفلسفي والأدبي والفني ما يناقض ديننا وأخلاقنا لكننا نعترف له بالريادة فيما يناسبه ويعتزّ به على أن يأتي العمل الدعوي طويل المدى ليصحح التصورات والرؤى، والرسول صلى الله عليه وسلم لم يهدم كل ما وجده قائما عند قريش أو اليهود والنصارى بل اختار واستبعد واستبقى ولم يهدم صنما ولا وثنا بل أوكل مهمة ذلك لمن صنعوها وعبدوها بعد ما صحح عقائدهم وتمّت للإسلام الغلبة الفكرية {حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه}.

أما الآن فأذهب أبعد من ذلك وأدعو إلى التعرف على مفاخر الغرب – من وجهة نظره هو – حتى تلك التي تخالف شريعتنا ليس لنتبنّاها ولكن لدغدغة عواطفه وبيان أننا نعرف ثقافته ومنشأها ومحتوياتها، فهذا يلطّف الجوّ بيننا نظرا لمكانة هذه المفاخر في مخيلته وفي لا شعوره بحيث لا يَتصوّر حضارة خارجها، فإذا كانت رموزنا التي نفتخر بها عبر الأجيال ونعدّها المعالم الكبرى التي تطبع تاريخنا وحياتنا هي عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد وصلاح الدين والبخاري ومسلم وابن سينا وابن رشد ونحوهم فإن رموز الغرب تتمثل في رؤوس النحت والرسم والموسيقى والاكتشافات من أمثال ميكل أنجي وليونادو دي فنتشي وبيكاسو وموزار…إلى جانب أرباب الأدب كفكتور هوغو وتولستي وشكسبير وسرفنتيس، هذه ثقافتهم التي يعتزون بها وتراثهم الذي يسيّر حياتهم، فهل من المعقول أن نطالبهم بالتخلي عنها حتى نحاورهم أو نتفق معهم؟ يجب أن يشعروا أننا نعرف تاريخهم ونحترم ثقافتهم من غير أن نأخذ بها بالضرورة فضلا عن أن نذوب فيها لأن لدينا خصوصياتنا وتميّزنا بمقتضى دين سماوي هو هويتنا وشخصيتنا، لا يمتّ بصلة كبيرة إلى التصوّر الكنسي للمسيحية وللدين عموما.

إن الرؤية التي يجب أن نعرض بها رسالتنا هي كسبُ العقول والقلوب، أي رؤية معمّقة للآخر من حيث كينونته وإسهاماته، تقوم على أنقاض الرؤية الاختزالية التي تتجاوز الحقائق والوقائع –وهو عين ما وقع فيه الغرب بإنكاره إسهامات العرب والمسلمين ونفيه لأية إضافة لهم في الحضارة الإنسانية -، وهذا يتطلّب عملا جبارا لتصحيح الأخطاء “العلمية” والاستعانة بتاريخ العلوم، بالإضافة إلى ضرورة تصحيح نظرتهم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم والفتوحات وقضايا المرأة والأقليات الدينية وحقوق الإنسان وما يسمونه “الإرهاب” ونحو ذلك من الملفات الشائكة والساخنة التي تلقي بظلالها على العلاقات بيننا وتزيدها توتّرا، ويمكننا -عند الاقتضاء – أن نضع على الطاولة دور الغرب و”الرجل البيض” في المآسي الكبرى التي ألمّت بالبشرية منذ قرون وإلى الآن، من حروب دينية وحروب إبادة واستعباد البشر واحتلال همجي لقارات بأكملها، حتى يقلل من غلوائه واستعلائه.

إن القراءة الغربية لنا ما زالت رهينة الارتباط بالآلة الاستعمارية التي أنتجت المظالم والأحقاد، ورهينة للرؤى الاستشراقية التي تسوّق خصومة القيم والحضارة وتتبنى تلك الخلاصة الخطيرة التي مفادها أن الليبرالية والديمقراطية تمثلان نهاية التاريخ، أي هي رؤى تغلق الباب أمام الآخر، لكن الواقع جعل كثيرا من الغربيين يتراجعون عن هذه الاعتقادات ويدعون إلى تبني النسبية في الأحكام وبالتالي الاعتراف بالآخر، بوجوده وماضيه وإضافاته للحاضر والمستقبل، وهذه فرصة علينا ألا نفوّتها، ويجب أن نبدأ بدعوة الغرب إلى التحرّر المنهجي والمعرفي وإعادة قراءة التاريخ والتراث، ونصبو إلى بلوغ غاية مهمة جدا تخدم ديننا ووجودنا هي الاعتراف بالوحي كمصدر للمعرفة، وهذه مهمة صعبة بالنظر إلى بناء الفكر الغربي المتّسم بالغلوّ في المادية والإنسية والحسية، لكن الثغرات التي طرأت على هذا البناء تيسّر المهمة للمفكرين والعلماء والمثقفين والدعاة لعرض عنصر آخر طالما تجاهله الغرب هو الوحي الرباني، وهذه معركة كبرى تستحق العناء والاجتهاد والتركيز والكتابة والنقاش الطويل.

هناك مجال واسع آخر يمكننا الاستثمار فيه هو الجانب الإنساني، والغرب لم يتقدم علينا علميا وتقنيا فحسب بل في الخصال التي اعترف له بها عمرو بن العاص من قديم: “إنهم لأحلم الناس عند فتنة وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة وأوشكُهم كرة بعد فرّة وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف… وأمنعهم من ظلم الملوك” (رواه مسلم)، هي خصال الذكاء ورباطة الجأش والعمل المؤسسي والحرية.

أجل، في الغرب كفرٌ واستكبار وفحش لكن تحسّرنا لن يزيدنا إلا عُقدا نفسية ولا يحلّ مشكلاتنا معه في قليل ولا كثير، فلابدّ من تحرير محطات الالتقاء والتصادم والعمل على نسخ الصورة الفلكلورية التي رسمها عن العرب والمسلمين والتي تتلخص في الوحشية والشهوانية، ولن يكون ذلك إلا بمساعدة هذا الغرب على إجراء عملية تطهير ومراجعة ذاتية لإعادة الصواب لنظرته إلينا كدين وأمة وماض وحاضر ومستقبل، وهذا يُسهم في بناء الثقة بين الطرفيّن ويكون فيه الإسلام هو الرابح أكبر، لكن الإسلام بضاعة ممتازة في حاجة إلى من يحسن عرضها، وقضية عادلة تحتاج إلى محامين مَهَرة يحسنون المرافعة عنها.

 

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

ويل لأمة لا تقرأ وإن قرأت لا تفهم؟!/ جمال نصر الله

 تاريخنا العربي والذي بقينا نستقي وننهل منه وذلك من كتب التراث، لازال مليئا بالشوائب والدسائس …