الرئيسية | في رحاب الشريعة | إمام الأمة بين واجب الأمانة وعظمة المَهَمَّة/ محمد مكركب

إمام الأمة بين واجب الأمانة وعظمة المَهَمَّة/ محمد مكركب

كلمة إمام تطلق على من يتولى قيادة قوم وإرشادهم نحو الصلاح والإصلاح في طريق الفلاح، فيقتدي به القوم لعلمه وحكمته وقدرته وشجاعته على التسيير والتدبير والتفكير، ومنه إمام المسجد الذي يقتدي به المصلون في الصلاة، وفي الأخلاق والمعاملات، ويوجههم ويهديهم إلى سبيل الرشد والخير بالعلم والحكمة. كما تطلق كلمة الإمام على من يتولى رئاسة القوم على رأس الحكم في الدولة، ومنه الخليفة والسلطان والملك والرئيس والأمير. وهذا هو المقصود في هذا البحث من مفهوم:{إمام الأمة} إمام الأمة الذي هو الخليفة أو الأمير وغير ذلك من الألقاب، هو الرجل الأول في القوم ولذلك يشترط فيه مواصفات الإمامة والقيادة والحكم بالحق، ومنها: 1 ـ صفة الاجتهاد في علوم ثوابت الأمة، إذ الإمامة قوامها العلم والحكمة وقدرة القيادة والتسيير بحزم وعزم. قال الله تعالى عن موسى عليه الصلاة السلام. ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (سورة القصص:14) علم الفقه وعلم السياسة وعلم الإدارة وعلم الاقتصاد. 2 ـ صفة الأمانة والإخلاص، بأن لا يضيع دينار من مال الأمة أبدا، قال الله تعالى عن يوسف عليه الصلاة والسلام: ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (سورة يوسف:55) 3 ـ صفة الصبر والعزم: للتعامل مع هموم التسيير والسياسة العامة التي تتطلب قوة ومرابطة. وهذا العمل السياسي الكبير يحتاج من الإمام ( إمام الأمة) أن يقتدي بالرسل وخاتمهم محمد عليه الصلاة والسلام الذين كانوا يسوسون أممهم بالحلم والحكمة. والله تعالى بين لنا بأن لنا في رسول الله أسوة حسنة. فبماذا جمع النبي الأمة وأخرجها من فساد الجاهلية إلى صلاح الإسلام؟

ومن المقومات السياسية الإيمانية: وكلمة السياسة في منظور الدين هي وظيفة الإمامة في تسيير شئون الدولة بكل مقتضياتها وأبعادها، وقد اطلعتم على الحديث الشريف، من حيث استعمال كلمة {السياسة} في لغة الشرع. روى علماء الحديث أن أبا هريرة حَدَّث عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: [كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأَنْبِيَاءُ، كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي، وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ] قالوا: فما تأمرنا؟ قال: [فُوا بِبَيْعَةِ الأَوَّلِ فَالأَوَّلِ، أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ] (البخاري كتاب أحاديث الأنبياء: 3455) ومعنى(تسوسهم) تتولى أمورهم ومصالحهم وتقوم بشؤونهم العامة. والسياسة القيام على الشيء بما يصلحه، وتقويم أحوال الناس حتى قيل عن السياسة إنها علم مصالح الإنسان.

1 ـ  الشورى والحوار:لإمامة الأمة بسياسة الحكمة، سياسة القرآن الذي هو صالح لكل زمان ومكان يا أئمة أمة القرآن. قال الله تعالى:﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (سورة آل عمران:159) فكل حاكم مأمور بأن يكون رحيما بالرعية ورحمته في العدل ثم العدل، وأن يعطف عليهم، وأن يستشير العلماء المجتهدين في كل العلم وفق الحاج والاختصاص، ثم التوكل على الله عز وجل.

2 ـ الحكم بين الناس بشريعة رب الناس: النجاح في قوة الدولة ودوام عزتها وكرامة الأمة ودوام أمنها واستقرارها العمل بشريعة القرآن. ﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (سورة الجاثية:18) والأمر في العمل بالشريعة لكل المسلمين، والمسئول عن قيادة الناس وتعليمهم الشريعة وأمرهم بذلك، والحكم بينهم بها، كل ذلك من واجب إمام الأمة. قال الله تعالى:﴿فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ.﴾ (سورة هود:112،113)

3 ـ العدل في الحكم والقضاء: فمن أعظم مهام إمام الأمة بعث نور العدل في وسط المجتمع، والعدل هو الأساس في إحقاق الحقوق الأصلية لكل فرد من أبناء الأمة، وإشاعة الأمن والاطمئنان بين الناس. ﴿يَا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ﴾ (سورة ص:26) والخليفة هو الذي يخلف غيره في عمل، بأن يقوم به، والخلفاء كل واحد منهم خليفة الذي قبله،

لكن الخليفة الذي يجعله الله ليس لينوب عنه أو يقوم مقامه، إنما خليفة الله في إنفاذ شريعته للأمة التي جعله الله خليفة لها، بأن يحكم فيهم بالوحي وهو الحق. فلما جعل الله  داود خليفة أمره بأن يحكم بين الناس بالحق لِلدَّلَالَةِ على أن ذلك واجب الخليفة وهو إمام الأمة  وأنه أحق الناس بالحكم بالعدل، أي أنه المسئول الأول الذي يجب عليه القيام بالعدل ذلك لأنه هو المرجع للمظلومين، والذي ترفع إليه مظالم الظلمة من الولاة إذا أخطأوا هم  قبل غيرهم، فإذا كان الإمام عادلا خشيه الولاة والأمراء، فاستقام أمر الأمة باستقامة الولاة، وما اعوج العامة إلا عندما اعوج الولاة. وقول الله تعالى لداود: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ فالحق هنا هو ما يقتضيه العدل الشرعي الذي يرضاه الله سبحانه من معاملة الناس مع بعضهم،  ويتعين الحق بتعيين الشريعة، وإلا فلا يحق حق بغير الحق، وما خالف الشريعة ليس من الحق، ومن معالم العدل أن يقال للمحسن أحسنت ويُؤَيَّدُ ويُنْصَر، وأن يقال للمسيء أسأت ويعاقب ويُزْجَر. وكذلك كان سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الحكم، ثم الخلفاء الراشدون من بعده.

وهذا ذو القرنين من الملوك والحكام الصالحين المصلحين، والأئمة العادلين المقسطين، وهو نموذج في الصلاح واتباع منهاج الفلاح، فقد أعلنها مدوية على أرض الله بين عباد الله فقال: ﴿قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً . وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً.﴾ (سورة الكهف:87،88)

 

4 ـ تقديم أهل العلم والأمانة من الشباب المتعلمين المتمكنين: لتولي مناصب التسيير والإعداد في كل الأبواب، فهذا يوسف عليه السلام مع ملك مصر. ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ فلما جعله على خزائن الأرض أخرج الله به البلد من الأزمة والانهيار إلى القوة والازدهار. قال الله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ. وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ.﴾ (سورة يوسف:56،57) فقد كان ملك بلاد مصر يومها في موقفه هذا مع يوسف عليه السلام كان حكيما وتصرف تصرف عاقل، فلما عرف في يوسف صفات الإمامة في تسير شئون الدولة سلمه مفاتيحها. وقال له: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ (سورة يوسف:54) لو أن كل أمراء المسلمين تصرفوا مع علمائهم هذا التصرف لكانوا الأعلون في العالم السياسي والاقتصادي والدفاعي، والحضارة والمدنية،وكانوا حقا خير أمة أخرجت للناس، كما أمر وأخبر رب العالمين سبحانه.

5 ـ حفظ ثروات وأموال الأمة: فمن مهام الإمامة، والله تعالى قال للمؤمنين وفي مقدمتهم الحكام. ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ (سورة النساء:58) أمانة الدين، والعلم، والحق، والمال، ومنها أمانات: تراب الوطن، وثروات الوطن، وقبل هذا مصير شباب الوطن، وثوابت الوطن، من العمل بالقرآن وتعليمه لكل مواطن، والعمل بلغة القرآن وتعليمها لكل مواطن، وتبليغ أحكام الشريعة وتعليمها ودعوة الناس إلى العمل بها، عملا بأمر الله سبحانه في وصاياه للخلفاء والأئمة أولا ولكل مسلم عامة. قال الله تعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (سورة الأنعام:151) وخلاصة الواجبات  في القيام بأداء الأمانات، وما يسأل عنه الأئمة والولاة:1 ـ ضمان الحقوق الأصلية لكل فرد من أبناء الأمة، حق المأوى، والتعلم، والتملك بالحق، والمساواة أمام القانون، وحق التنقل، والولاية العامة. 2 ـ ضمان توفير وتوصيل القوت الضروري لكل مواطن، وتيسير السبل لذلك، ولنا من التطبيقات السياسية الاجتماعية في هذا الباب من الحياة المعاصرة في الشرق والغرب عند الشعوب المتقدمة وفي القديم عند الخلفاء الراشدين كما كان عمر بن الخطاب وهو يحمل الزاد على ظهره إلى بيوت الفقراء.3 ـ ضمان العدل الشامل كما بينا. 4 ـ نصرة الإسلام والعمل بشريعة القرآن.5ـ حفظ الأمن والاستقرار.6 ـ ضمان ترتيب الأفراد في المجتمع. هذه الأمانات صورة إجمالية لمهام إمام الأمة لمن يتولى هذا المنصب. وفي الحديث:[ اللهُمَّ، مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَا شْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ، فَا رْفُقْ بِهِ]  (مسلم:1828)

 

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

5 ـ الفتوى رقم:336/ محمد مكركب

الموضوع: خطبة الجمعة شرط واجب، والاستماع والإنصات لها واجب. قال السائل: في بعض الأحيان أَصِلُ …