الرئيسية | على بصيرة | إلى متى هذا الغليان في الأوطان؟/ الأستاذ الدكتور عبد الرزاق قسوم

إلى متى هذا الغليان في الأوطان؟/ الأستاذ الدكتور عبد الرزاق قسوم

لطالما بيّنا وعيَّنَّا، وأسررنا وأعلنا، وأومأنا وأوضحنا، أن حذار من الخطوة الأولى العمياء، والفتنة الأولى الهوجاء، والغلطة الأولى الحمقاء، فإن ذلك بمثابة الوباء، إن لم يتكفل به الأطباء الحكماء، يؤدي إلى تعميم البلاء، وتمزيق الإخاء، وسفك الدماء.

ذلك، بأن النار بالعودين تُذكى، وأن الحرب أولها كلام. نقول هذا، ونحن نرى فتائل فتن عمياء تحاك في كل أطراف البلاد، وإنّ الجزائر المقبلة على استحقاقات مصيرية حاسمة، قد يستغلها بعض الحمقى، إما بتزييف الإرادة، وإما بتزوير القيادة، أو الاعتداء على معالم السيادة.

وقد لاحت بعض أعراض هذه الفتن الهوجاء، فكانت غضبة الجماهير في ورقلة، ثم انتقلت إلى بجاية، ثم تحولت إلى ولاية الجلفة، وآخرها ما وقع في الواحة الطيبة الوديعة، مقاطعة المغير، التي بدون حكمة المسؤولين وفي مقدمتهم الولي الصالح الوالي، سيعم الخراب، ويتحول كل شيء إلى مأساة وعذاب.

لذلك ما فتئنا ننادي، بأن كل شيء يبدأ بالشرارة الأولى؛ التي إن لم يطفئها عقلاء قوم، يكون وَقودها، جُثث وهامٌ: فما لبني قومي، لا يكادون يفقهون حديثا..؟

وهل أتاكم، نبأ الاستفزاز الوافد إلينا من فرنسا؟ مديرة المدرسة الدولية الجزائرية في باريس، تمنع وبتعليمة غريبة، الأساتذة والطلبة من أداء الصلاة في المدرسة الجزائرية، إنه أمر لم يحدث في سجون الصهاينة وهم ألد الأعداء، ولا في الأنظمة الفاشستية، أو الإلحادية النكراء. يحدث هذا على مرأى ومسمع من السلطات الجزائرية على جميع المستويات، ولم يوضع حد لهذه الاستفزازات الهوجاء.

والسؤال المهم في كل هذا، كيف تم تعيين هذه المديرة؟ وما هي المعايير العلمية والأخلاقية والإنسانية التي بموجبها تم إسناد مثل هذه المسؤولية إليها؟

ألا يمثل هذا، إذكاء للفتنة، ودفعا للأولياء، وللجالية الجزائرية في فرنسا إلى التمرد على وطنها، وعلى دولتها؟

إن مثل هذه التصرفات الهجينة، هي التي أدت إلى إشعال الفتن، وتعميم المحن، باسم ما سمي بالربيع العربي، في عدد من الأوطان، ولعل آخرها ما يحدث اليوم في السودان.

فلا نريد –علم الله- لشعبنا الوديع في السودان، وهو المشهور بطيبته وحسن سجيته، لا نريد له إلا ما يريده الأخ الشقيق لشقيقه، وإذا كنا ننطلق من مبدأ عدم التدخل، في الشؤون الداخلية للسودان أو لأي بلد آخر، وأن أهل السودان أدرى بشعبه، وشعابه، وأعرف الناس، بمشكله وأسبابه، فإن واجب الأخوة، والتضامن، يقتضيان واجب النصح:

نصحت ونحن مختلفون دارا

ولكن كلنا في الهم شرق

فيا إخوتنا، في السودان!

إن الملأ يأتمرون بكم، ويكيدون لكم، سواء منهم الجار أو من بعدت به الدار، فلا تولوهم الأدبار، وأنتم السودانيون الأحرار. إنهم يحسدونكم، على ما آتاكم الله من فضله، أرض خصيبة، وزراعة عجيبة، وإنسانية حبيبة.

لا تدعوا الفرصة للشيطان، واطردوا بكل أنواع الرُّقيّ، الأبالسة من الإنس والجان، وتمسكوا بأحكامكم المستمدة من السنة والقرآن، ولا تقدسوا أي إنسان، بل داولوا السلطة بين الخيّرين من أبناء السودان، الذين لا يعبدون الأوثان ولا يدينون إلاّ للدّيان.

بادروا –يا أهلنا- إلى المصالحة الوطنية، بالحوار الشامل، وتشبتوا بوحدة السودان الكامل، فما أصاب غيركم من البلدان، إلا التعصب للرأي القاتل.

فلو أن العقيد معمر القذافي -رحمه الله – تغلب على الذات من أول يوم، وفتح الحوار مع المخالفين له من القوم، لجنّب بلاده ما أصابها من دمار، ومن شتات، لا يقدر بسوم.

لهفي على ليبيا العروبة والإسلام، التي يعيث فيها -اليوم – فسادا، قوم متشاكسون، لا يحتكمون إلى مبدأ وطني، ولا إلى قانون ديني، وما ذلك إلا لأن المقدمات كانت فاسدة من أول يوم.

ولو أن الإخوة في سوريا، وبالذات الرئيس بشار الأسد تجاوز ذاتيته ودعا المخالفين له إلى الحوار، وإلى تقسيم السلطة بينه، وبين مواطني الشام الأحرار، لجنّب سوريا، هذه المأساة، التي أنتجت كل الأضرار وضحت بالأعمار، والإعمار. فيا للعار!

وما ينطبق على السودان، وليبيا، والشام، ينطبق أيضا على العراق، ومصر، واليمن وكل الأقطار.

لقد انتهى حكم الزعيم الفرد الأوحد وآن أوان حكم الجماعة الأمجد، وإنّ رأي الجماعة لا تشقى البلاد به أبدا. وما نخشاه هو أن بعض البلاد التي سلمت من الربيع قد لا تسلم من الرعد والصقيع.

نحن نهيب بالإخوة في فلسطين، أن يأخذوا الدرس من التجارب العربية المقيتة، فيعمدوا إلى تناسي خلافاتهم، ويقفوا أمام عدوهم اللدود، في مواقف ثابتة ومستميتة.

كما نهيب، بأبناء تونس، وأبناء الجزائر، وأبناء المغرب، وأبناء موريتانيا، أن يرتفعوا إلى مستوى المسؤولية العليا، فيحسنوا الإصغاء لصوت الشعوب التواقة إلى الحرية، وإلى السيادة، وإلى الوحدة الكلية.

إننا نبعث بنداء نجدة واستغاثة، وعويل مصحوب بوعي، وحزم، وعزم جليل، أن لا تستهينوا بهدير الغليان، الذي ينبعث من الشعوب، فإن ما هو غليان اليوم يوشك أن يتحول إلى فيضان، وإلى طوفان غدا، ويومها يتسع الخرق على الراقع، ولاة حين مناص، ولا ينفع الندم، وسنبكي. جميعا بدموع النساء، مجدا، لم نحافظ عليه بعزيمة الرجال.

عن المحرر

شاهد أيضاً

جمعية العلماء وعقدة الإعلاميين الجهلاء/ أ. د. عبد الرزاق قسوم

رحم الله عالم الجزائر وإمامها محمد البشير الإبراهيمي، فقد وضع لنا ذات يوم وصفة علمية، …