الرئيسية | كلمة حق | ما هذه الإدعاءات والافتراءات على القرآن الكريم وهل يؤخذ الدين الإسلامي عن الإسلامولوجيات/ أ. د. عمار طالبي

ما هذه الإدعاءات والافتراءات على القرآن الكريم وهل يؤخذ الدين الإسلامي عن الإسلامولوجيات/ أ. د. عمار طالبي

عقد المجلس الشعبي الولائي لولاية تيزي وزو ملتقى عن المرحوم محمد أركون، وقد حضرنا من الجزائر بمعية معالي الوزير الدكتور سعيد شيبان حفظه الله، ورئيس جمعية العلماء المسلمين الأستاذ عبد الرزاق قسوم، هذا الملتقى في يومه الثاني (الأحد الماضي 27 يناير 2019) واستمعنا بانتباه إلى ما ألقي من محاضرات ومناقشات إلا أنا فوجئنا بمحاضرة لأحد المدعوين، الذي أخذ يلقي افتراءات وروايات لا سند لها على القرآن الكريم، وينسبها إلى محمد أركون رحمه الله، باعتباره Islamologue في جامعات فرنسية وغيرها، وأمام جمهور ظنه بعيدا عن التمسك بالقرآن وعقيدة الإسلام في هذه المنطقة، منطقة القبائل التي عرفت وما تزال تعرف بإسلامها، ورسوخ إيمانها، الذي رسخته كثرة الزوايا فيها ابتداء من الشيخ الجليل سيدي محمد بن عبد الرحمن مؤسس الطريقة الرحمانية إلى الشيخ المجاهد الثائر سيدي الحداد، وظن أنهم سيقبلون ادعاءاته الكاذبة على القرآن الكريم، وتلفيقاته إذ زعم أن هذا القرآن الذي بين أيدينا الذي نقل إلينا جيلا بعد جيل ليس هو القرآن الحقيقي، وقد قال هذا أيضا في لقاء له بالبويرة منذ مدة، ورددنا عليه، ورد عليه الأستاذ سعيد شيبان بأن ما يسمى بالإسلامولوجي ليس هو الإسلام، لأنه دراسة من خارج القرآن بأيديولوجية معينة. إن القرآن وحي إلهي، والوحي ظاهرة وجدت عبر العصور البشرية، جاء به رسل في أمم مختلفة، ولم يكن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بدعا من الرسل، بل الوحي حلقات متواصلة إلى أن ختمت برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، ولم تأت أية برسالة من بعده، كما أثبت ذلك مالك بن نبي في كتابه الظاهرة القرآنية، وأثبت ذلك محمد مصطفى الأعظمي في كتابه تاريخ النص القرآني ردا على المستشرقين، فالقرآن وحي بلفظه ومعناه، فكان يتلقاه من جبريل عليه السلام، ويحرك لسانه وشفتيه حرصا على حفظه فجعله الله يطمئن أنه لا ينبغي له أن يتعب نفسه، وأمره أن يتبع قراءته على نحو ما يوحى إليه {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}[القيامة:16/19].

ففي موطأ مالك أن ابن عمر قال:”جمع أبو بكر القرآن في قراطيس” واتخذ النبي صلى الله عليه وسلم كُتابا يكتبون ما أنزل إليه من أول ما ابتدئ به نزوله، ومن أولهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وزيد بن ثابت، وكان جميع ما حفظه المسلمون في قلوبهم مطابقا لما وجدوه يوم أمر أبو بكر بكتابة المصحف (1)، فكتبوه في الورق بأمر أبي بكر(2)، وسماه الصحابة مصحفا بعد تشاور، أخذا برأي عبد الله بن مسعود رضي الله عنهم جميعا (محمد الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير جـ1).

قال ابن عاشور أيضا:” إنما كان فعل عثمان إتماما لما فعله أبو بكر من جمعه القرآن الذي كان يقرأ في حياة الرسول، وأن عثمان نسخه في مصاحف لتوزع على الأمصار” (3) على ما كان يقرأ في الصلوات الجهرية والتراويح.

ويذكر الأصفهاني أنه:”كانت قراءة أبي بكر وعمر وعثمان، وزيد بن ثابت والمهاجرين والأنصار واحدة”(4).

“ولاشك في أن زيد بن ثابت وعثمان بن عفان من أكبر حفاظ القرآن الكريم من الصحابة توخيا ترتيب قراءة النبي صلى الله عليه وسلم للسور(…) وكان زيد بن ثابت من أكبر حفاظ القرآن، وقد لازم النبي صلى الله عليه وسلم مدة حياته في المدينة، وذلك أن القرآن حين جمع في خلافة أبي بكر جعل لكل سورة صحيفة مفردة، ولذلك عبروا عنها بالصحف”(5).

ويقول ابن عاشور:”والأصح أن القرآن جمع في زمن أبي بكر في مصحف واحد.

وكانت تلك الصحف عند أبي بكر ثم عند عمر ثم عند حفصة بنت عمر، وكانت وصية أبيها على تركته، بما في ذلك تلك الصحف، فلما أراد عثمان جمع القرآن في مصحف واحد، أرسل إلى حفصة فأرسلت بها إليه، ولما نسخت في مصحف واحد أرجع تلك الصحف إليها.

أما القراءات القرآنية، فهي اختلاف في وجوه النطق بالحروف والحركات، كالمد، والإمالات، والتخفيف، والتسهيل، والجهر، والغنة، والهمس، وكيفيات نطق الحروف من مخارجها، واختلاف العرب في لهجاتها في القراءة، والنطق لا في اختلاف النص إفرادا وتركيبا، ووقع تلقي ذلك عن قراء القرآن من الصحابة بالأسانيد الصحيحة، ولما جمع في مصحف كان بقراءة النبي صلى الله عليه وسلم وهو قريشي، والاختلاف إنما هو في الأداء، لا في زيادة الحروف والكلمات أو نقصها.

قد تكون القراءة في بعض الحروف مثل “مالك يوم الدين” و”ملك يوم الدين” و”الذيب” بدل “الذئب” و”المومنون” بدل “المؤمنون” واتفق علماء القراءات والفقهاء على أن كل قراءة وافقت وجها في العربية ووافقت خط المصحف، وصح سند رواتها لا يجوز ردها، واختلاف القراءات على هذا النحو قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم كما ورد في حديث عمر بن الخطاب في قراءة هشام بن حكيم سورة الفرقان، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم:”كذلك أنزلت فأقر قراءة عمر، وقراءة هشام”، وقال:”إن هذا القرآن نزل على سبعة أحرف، فاقرأوا ما تيسر منه” وهي لهجات العرب في نطق أداء القرآن كما قلنا.

وكان ذلك رخصة في صدر الإسلام، أباح الله للعرب أن يقرأوا القرآن بلهجاتهم التي جرت العادة باستعمالها وقد نهى عمر بن الخطاب عبد الله بن مسعود أن يقرأ قوله تعالى:”فتول عنهم عتى حين” بدل “حتى حين” و”عتى” لهجة قبيلة هذيل، وذلك لما جمع المصحف، ولم تكتب هذه القراءات أو اللهجات في أي مصحف إنما ذلك كله في كيفية النطق مثل تخفيف الهمزة في ياجوج وماجوج بدل يأجوج ومأجوج، وكان ترتيب المصحف زمن أبي بكر على نحو العرضة الأخيرة التي عرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم على جبريل، فأجمع الصحابة في عهد أبي بكر لعلمهم بزوال موجب الرخصة، يقول ابن عاشور: إن واجب النصح في الدين والتنبيه إلى ما يغفل عنه المسلمون مما يحسبونه هينا وهو عند الله عظيم وأوجب على نفسه أن ينبه إلى خطر الخوض في القرآن، فيجب على العاقل أن يعرف قدره، وأن لا يتعدى طوره، وأن يرد الأشياء إلى أربابها.

وأن سكوت العلماء على ذلك زيادة في الورطة، وتضخيم لأهل هذه الغلطة فمن يركب متن عمياء، ويخبط خبط عشواء، فحق على أساطين العلم تقويم اعوجاجه، وتمييز حلوه من أجاجه، تحذيرا للناس من الافتراءات والادعاءات والجهالات كما قال ابن عاشور:”هل نأخذ ديننا عن الدراسات التي تسمى إسلاموجيي؟”.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1محمد الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير جـ1، ص72

2المصدر نفسه جـ1 ص 72

3المصدر نفسه جـ1 ص 51

4المصدر نفسه جـ1 ص

5

6التحرير والتنوير جـ1 ص85

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

هل آن لنا أن نتفق على مخرج؟/ أ. د. عمار طالبي

  قام الشعب بواجبه، وعبر عن كلمته بوضوح، وأدام مسيراته، وعلا صوته، وواصل سلميته ورقّة …