الرئيسية | قضايا و آراء | شعوبية جديدة لزعزعة الوحدة الوطنية !!/ د. إبراهيم نويري ـــ كاتب وباحث جامعي

شعوبية جديدة لزعزعة الوحدة الوطنية !!/ د. إبراهيم نويري ـــ كاتب وباحث جامعي

لعلّ المتّتبع للأجواء الفكرية والثقافية والإعلامية والسياسية التي تسود بعض أقطار وساحات العالم الإسلامي يقف مشدوهاً مذهولاً بإزاء بعض التوجّهات التي أخذت تناوئ العرب وتُبغضهم، وربما تمنّت لهم الشر والثبور؛ كأن هؤلاء الناس يجحدون بأن العروبة ــــ بالمعنى اللغوي لا الطائفي ـــ جزءٌ لا يتجزأ من الوحي الخاتم، منذ اختار القدر الأعلى اللغة العربية وعاءً للتنزيل الكريم وحفظ الوحي الخاتم. قال الله تعالى:{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}[يوسف:2]..

فهل يمثل هذا النزوع توجّهاً جديداً من توجّهات الحركة الشعوبية البغيضة التي عُرفت قديما في تاريخنا الفكري والثقافي والسياسي؟ وتصدى لها بعنفوان مفكرون و دباء مقتدرون أكفاء من أمثال أديب العربية الكبير أبو عمرو بن بحر “الجاحظ ” ؟

ومن باب التذكير الثقافي والمعرفي، فإن الشعوبية ـــ كما عَرَفَها تاريخُنا الثقافي والأنثروبولوجي ــــ [ أي علم الإنسان والحضارات والجماعات البشرية] ـــــ : هي مجموعة من التيارات والتوجُّهات والمنازع كان يجمع بينها عامل أو قاسم مشترك هو كراهية العرب .. أو هي كلّ اتجاه مناوئ للعروبة ”  antiarabisim  ” .

يقول المفسر الكبير الإمام القرطبي رحمه الله في تفسيره الموسوعي البديع ( الجامع لأحكام القرآن ):” الشعوبية تُبغضُ العرب وتُفضّلُ العجم”(11/189). وقد نسب الإمام ابن تيمية رحمه الله الشعوبية إلى منزع النفاق والضلال والجحود، فقال:”ومن الناس من يُفضّل بعض أنواع العجم على العرب، والغالب أن مثل هذا الكلام لا يصدر إلاّ عن نوعِ نفاقٍ إما في الاعتقاد وإما في العمل المنبعث عن هوى النفس”(اقتضاء الصراط المستقيم ص 149) .

وللأمانة العلمية نشير إلى أن هذا الفهم غير مقتصر على أهل العلم والفكر من المسلمين ذوي الأرومة العربية، بل إننا نلفاه أيضا لدى أعلام بارزين من مفكري الإسلام الأعاجم، ممن رفضوا النزوع إلى الشعوبية دفاعاً عن الإسلام وعقيدته واعتصاماً بالانتماء الحضاري الذي أسسته الثقافة الإسلامية الموحِّدة الجامعة..فقد كان الإمام أبو الريحان البيروني رحمه الله (ت 440 هــ) يقول معتزاً مفتخراً إلى حدّ الإنتخاء والإكماخ بلغة القرآن العظيم:”والله لئن أُشتَم بالعربية أفضل لديّ من أن أُمْدحَ بالفارسية” مع العلم أنه أوزبكي الأصل (نسبة إلى أوزباكستان)   وكان يتقن عدة لغات منها: الفارسية والسريانية واليونانية والسنسكريتية. وعلى الرغم من مقامه العلمي السامق، إذ إنه يُعدُّ من أعظم العقول التي أنتجتها الحضارة الإسلامية، إذْ ذكر الذين ترجموا له أنه لم يترك علماً إلاّ وصنّف فيه، فقد كان فلكياً ومؤرخاً وجغرافياً، ورحالةً وفيلسوفاً، وأديباً ولغوياً، ورياضياً        وجيولوجياً، وصيدلياً ونطاسياً، ومترجماً للعلوم.. أي إنه جسّد وحقق معنى العالم الموسوعي بأفضل صورة أو أبدع أنموذج يمكن تصوُّره؛ ومع ذلك لم يأنف أبداً ولم يترفّع قطّ عن اللغة العربية، لأن الله تعالى قد اختارها بين سائر اللغات  والألسنة لحفظ التنزيل الكريم والوحي الخاتم. وكان رحمه الله يؤلف بها ويعتزّ بها، ويعتبرها جزءاً من هُويته الحضارية، على الرُّغم أنه ليس عربياً من الناحية السلالية العرقية..وأعتقد أنّ كل مسلم في القارات الخمس ـــــ بغضّ النظر عن جذوره السلالية ــــــ مطلوب منه أن يشعر بمثل شعور الإمام البيروني؛ إلى جانب الاعتزاز بمكوّنات هُويته الأخرى، إذ إنّ الإسلام لم يأت ليمحو خصوصيات وألسنة الشعوب والأعراق، حاشا أن يُنسب ذلك لدين الله وهديه؛ لكنّ المسلم بطبعه ونزوعه وشعوره المستمد من عقيدته، يقدّس اللغة العربية، ليس من أجل العرب، فإن العرب دون الإسلام هم مجموعة من الأصفار ـــــ كما يقول الشيخ الغزالي ـــــ وإنما لأن الله تعالى فضّلها وأنزل بها كتابه الكريم القرآن العظيم .

وهذا المفكر الإيراني المشهور علي شريعتي يقول:” لقد تحوّلتْ الحركة الشعوبية تدريجياً من حركة تشويهٍ إلى حركةِ تفضيل العجم على العرب، وعملت عبر ترويج المشاعر القومية إلى إشاعة اليأس من الإسلام وإلى ضرب سلطة الخلافة”( التشيّع العلوي والتشيع الصفوي ص 121).

أجل إن الحركة الشعوبية القديمة كانت تنتقص كلَّ ما هو عربي سواء أكان فكراً أو لباساً أو عُرفاً اقتضته عادات العرب في نطاق بيئتهم الخاصة في صحراء شبه الجزيرة العربية وأرجائها الفيحاء.

ولما جاء الإسلام بأنواره الهادية رسم منهجاً جديداً وسطاً بين العصبية العربية والتعصّب الشعوبي، كان من أهمّ ملامحه بعث عوامل الوحدة والانسجام والتقارب بين الشعوب التي اختارت عقيدة الإسلام وحضارته الإنسانية المنفتحة على الآخر المتعاونة من أجل تحقيق الخير والسلام لكلّ أبناء الإنسانية بمنأى عن أيّ إثارة أو مُسْكة من التعصّب القومي أو السُّلالي، فإن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلّم، قال:” دعوها فإنها منتنة” ( الحديث في الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما).

وكم نحن بحاجة الآن ــــــ في هذه الانعطافة الحرجة المتوترة ــــــ إلى أن نبيّن من جديد منهج الإسلام الوسطي الجامع لعوامل القوة والتآزر والتضامن، كي نجنّب أوطاننا المسلمة، الوقوع في شرور شَرَك المؤامرات التي تُحاك لهذه الأمة، والتي يتمّ نسجُ بنودها وتحديد أدوات تنفيذها داخل “الغرف المظلمة”، ولذلك نحن نُفاجأ في كلّ مرة بأسماء وأدوات وأساليب و “أجندات” ـــ كما يقولون ـــــ داخل الفضاء العربي والإسلامي تزيد من قتامة المشهد وتضبيب الرؤية، وهو أمر مقصود. بمعنى أنه ضمن سياق المؤامرة على هذه الأمة .

فليعلم الجميع أن العاصم من قواصم الهلاك والضعف والزوال إنما هو التمسّك بحبل الله المتين الذي تجسده الوحدة والتعاون والتقارب بين أهل الإيمان، وفي ظلال دوحة الحضارة الإسلامية الوارفة العادلة. وأنّ من الخطل التعلّق بأحلام واهية وتلابيب مائنة؛ فلا حاجة لنا البتّة إلى تشكيك الأجيال الصاعدة البريئة في مكوّنات هُويتها وأصالة تاريخها الذي سطّره الإسلام بأحرف من ذهب، ولنتشبّث جميعاً بأرومتنا ونحافظ على الاستقرار والوحدة الوطنية والتماسك الداخلي .

والله الموفق إلى كلّ خير ..

عن المحرر

شاهد أيضاً

العلماء أمناء الله على خلقه/ أ. آمنة فداني المقرية

إن البناء الحقيقي للفرد في أي مجتمع لا يمكن أن يكون سليما معافى إلا إذا …