الرئيسية | قضايا و آراء | أفضلُ تديّنٍ ما كان مقترنا بجهد/ عبد العزيز كحيل

أفضلُ تديّنٍ ما كان مقترنا بجهد/ عبد العزيز كحيل

 التديّن هو الجمع المتناغم بين الإيمان والعمل الصالح، وإنما يبلغ الإيمان الدرجة الأرفع حين يثمر العمل المؤثر الفاعل الميداني: {أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً}، وشتّان بين هذا التديّن الحيّ وبين الاتّباع البارد الانسحابي الخامل.

قيل لموسى: اضرب بعصاك البحر، اضرب بعصاك الحجر… قيل له هذا لتحدث المعجزة، وكان يمكن أن يتملك بكلمة كنْ، لكنّه يعلّمنا بذل أقصى الجهد حتى ولو كان في الواقع عملا رمزيا لا نقدر على غيره، وماذا عسى الفعل الموسوي أن يُحدث في البحر المتلاطم الأمواج وفي الصخرة الصماء؟ لكنه أقصى ما كان يمكن أن يفعله فأُمِر بفعله، فالمهمّ بذلُ الجهد.

قيل لمريم: هزي إليك بجذع النخلة…وماذا يمكن لفتاة صغيرة وضعت حملها للتوّ أن تفعل مع جذع النخلة الضخم؟ ماذا تهزّ فيه؟ نتعلّم من هذا أن التغذية يجب أن نصل إليها ببذل أقصى ما يمكن من جهد، حين ينتهي الجهد البشري تتدخل العناية الإلهية وتحدث الخوارق، تكريما للمؤمنين على إيمانهم وحركتهم القوية.

قال الله تعالى عن موسى وصاحبه: فانطلقا، فانطلقا، فانطلقا… تكرّر العبارة يوحي بالعزيمة والسعي الحثيث الجادّ في العملية التعليمية، أي استفراغ الوسع فيها من الطرفيْن: المعلم والتلميذ، وهذا شيء آخر غير الجلوس في قاعة والتلقين الرتيب والتلقي البارد، وهذا جزء من التديّن الصحيح وهو مقتضاه، والطرَفان نبيّ مرسل وعبدٌ من عباد الله الصالحين، وكلاهما قدوة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

وقيل للمسلمين:{وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ}، وعبارة

مَّا اسْتَطَعْتُم” لا تعني أبدا الإعداد الضعيف الهزيل كما فهم كثير من الناس بل تدعو إلى استفراغ الجهد كله وبذل أقصى ما يمكن حتى لا يبقى هناك ما يمكن إعداده، والخطاب للجماعة المؤمنة أوكد منه للأفراد وإن كان يشملهم بالضرورة.

هكذا إذًا نتيقّن أن طاعة الله وتحقيق النتائج والتميّزة الإيجابية تمرّ عبر بذل أقصى ما يمكن من جهد، وهذا يضع أيدينا على مناهج تفكير وسلوكيات تحتاج إلى مراجعة على مستوى التصوّر والفهم:

– إطلاق اللحية لا يتطلب أي جهد لأن الشعر ينبت وحده، فكيف تكون اللحية مقياسا للتديّن ومعيارا للصلاح حتى مع التسليم أنها سنة؟ والمستحبات ليست هي الميدان الأول للتديّن:” ما تقرب إليّ عبدي بشيء أفضل مما افترضته عليه” رواه البخاري.

لكن إطلاق مبادرة ناجحة أمر صعب، بدءا بالتنادي إلى تنظيف الحي وإنشاء وحدة إنتاجية صغيرة وتأسيس جمعية خيرية وإعطاء دروس دعم مجانية…

– قصّ السروال أمر بسيط جدا أما صنعه فيحتاج إلى مصمم وخياط وقماش ولوازم عديدة ووقت معين، والمؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف… وإبصار القوة والضعف هنا أمر سهل ميسّر.

– الوقوف في الصلاة القدم للقدم (حتى لا يتسلل الشيطان) مسألة غاية في البساطة يقدر عليها كل الناس ولا يتطلّب أي جهد، أما رصّ الصفوف بالأخوة والمحبة والتعاون فصعبٌ جدا، لذلك اشتغل أكثر المتدينين بالأول وعجزوا عن الثاني.

– نقد العلماء وتتبع هناتهم أمر في متناول كلّ أحد متكئ على أريكته، أما تحصيل العلم والتبحّر في ميادين المعرفة فلا يقدر عليه إلا الرجال لأنه يتطلب الصبر والسهر والمعاناة.

– الغيبة لا تحتاج إلى بذل أي جهد لذلك هي فاكهة الناس المفضلة أما تبيّن الأخبار والتمييز بين الصواب والخطأ فعسير، فما بالك بمعرفة خير الشرّيْن وأهون الضرريْن.

ومعلوم أن كلاّ من الاجتهاد والجهاد مشتق من الجهد، أي بذل الجهد الفكري الذهني هنا وبذل النفس هنا، وكل هذا مطلب نفيس.

وجاءت الأخبار تؤصل هذا المعنى، فقد روى مسلم حديث:” أجرك على قدر نصبك(أي تعبك)”.

وروى الطبراني حديث:” إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفاسفها”.

وقال ابن تيمية:” الأجر على قدر منفعة العمل وفائدته ومصلحته”.

أرأيتم كيف أن التحريم بمجرد الرأي سهل جدا لكنه لا يحلّ للمسلمين أية مشكلة.

فما أقلّ فقه من اشتغلوا بالجدل وتركوا مجال الإنتاج الوفير والجودة العالية لغير المسلمين فكان ذلك فتنة لنا ولغيرنا.

حرّموا – مثلا – التمثيل فبقي الإنتاج السينمائي والمسرحي حكرا على اللادينيين يغزوننا بواسطته.

أين نحن من قوله تعلى {خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ}؟، فهو دليل المؤمنين إلى التديّن الصحيح الذي يبني الحياة الدنيا ويورث الجنة.

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

ويل لأمة لا تقرأ وإن قرأت لا تفهم؟!/ جمال نصر الله

 تاريخنا العربي والذي بقينا نستقي وننهل منه وذلك من كتب التراث، لازال مليئا بالشوائب والدسائس …