الرئيسية | في رحاب السنة | دراسات في السيرة النبوية أحداث وقعت في مكة قبل البعثة النبوية/ خير الدين هني

دراسات في السيرة النبوية أحداث وقعت في مكة قبل البعثة النبوية/ خير الدين هني

طمي بئر زمزم:

حينما علم مضاض بن عمر الخزاعي فساد قومه واستخفافهم بحق البيت، واستحلالهم أموال الناس وبغيهم في الأرض بغير حق، وعلم أنهم مغلوبون على ولاية مكة، وأنهم سيجلون عنها كما أجليت من قبلهم العماليق الذين حينما أغناهم الله أكثروا فيها الفساد، واستحلوا حرمة البيت، فنهض فخطب فيهم واعظا ومحذرا العواقب، فاستخفوا به وقال قائلهم ومن ذا الذي يخرجنا ونحن أقوى العرب وأشدهم بأسا، فلما رأى بغي قومه وتجاوزهم الحد عمد إلى كنوز الكعبة، وهي غزالان من الذهب وأسياف وأدراع طمرهم في بئر زمزم ليلا على أن يعود في يوم ما إذا أتيح له شيء من قوة ومنعة.

وكانت جرهم حين طال عليها الأمد على ولاية مكة، وأغناها الله بخير كثير استخفوا بحرمة البيت وارتكبوا فيه أمورا عظاما، وأحدثوا فيه أحداثا قبيحة، كالذي فعله خمسة منهم فاجتمعوا على سرقة كنوز الكعبة التي كانت في خزانة الكعبة، وهي بئر في جوفها وكانت البيت غير مسقوفة، فقام أربعة منهم كل واحد على زاوية من زوايا البيت، واعتلى خامسهم السور فأسقطه الله على رأسه، فخر صريعا وهرب الآخرون، وكالذي فعله إساف بن بغي ونائلة بنت وائل، وكانا عشيقين فدخلا البيت وفجرا فيه فمسخهما الله حجرين، فأخرجا من البيت ليعتبر بهما من يعتبر. فعن عائشة أنها كانت تقول :”مازلنا نسمع أن إسافا ونائلة كانا رجلا وامرأة من جرهم أحدثا في الكعبة فمسخهما الله عز وجل حجرين.”  لم تسند الحديث إلى النبي، وإنما ذكرت ما هو شائع وذائع بين الناس.

تأليه إساف ونائلة:

فلما طال الأمد ونسي الناس أمرهما في عهد خزاعة، حولهما عمر بن لحي بن كلاب الخزاعي إلى قبالة البيت عند موضع زمزم، واتخذا مقاما لتنحر عندهما القرابين، ومنذ ذلك الحين اتخذهما الناس إلهين مقدسين، وعمر بن لحي هذا هو الذي أتى بهبل من البلقاء بالشام وأدخله إلى الكعبة، وهو الذي غير دين إبراهيم بنشر الوثنية في بلاد العرب، وهو الذي رآه النبي صلى الله عليه وسلم في النار يجرجر أمعاءه، ويشبه عمر بن لحي هذا كل جبار أحيا العادات الجاهلية وحولها إلى نصب وأعياد تقدس من دون الله سبحانه.

الاحتفاء بالعادات الجاهلية نوع من الشرك:

فالعادات الجاهلية كانت تعتقد الخير واليمن والبركة والنماء في قوى الطبيعة، كالشمس والقمر والرياح والجبال والأمطار والأنهار والنار والأيام، وارتباط ذلك كله ببعض ما أنجزه عظماء الناس وفراعنتهم من نصر وبطولات وأمجاد، فاتخذت انتصاراتهم أعيادا تعظم في طقوس شبيهة بما كان يفعله الوثنيون، من تمجيد وتعظيم بإبراز مظاهر الأبهة والفرح والسرور والابتهاج وتقديم القرابين والنحور إلى الناس لا يُصد عنها أحد، فالروح الوثنية الحقة هي التي تبرز في مظاهر التقديس والتبجيل لغير الله، فكل مالا يقصد به وجه الله فهو وثني، لقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الحارث النجراني، قال:”سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمسٍ وهو يقول: ألا وإنَّ من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك”، وعن عائشة وابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حضرته الوفاة جعل يلقي على وجهه طرف خميصة له (ثوبٌ أسْوَدُ أو أحمرُ له أعْلامٌ )، فإذا اغتم كشفها عن وجهه وهو يقول:” لعنة الله على اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) تقول عائشة: ((يُحذِّر مثل الذي صنعوا. فالحديث –هنا- يحرم كل مظهر وثني ولو كان في شكل بناء بارز على قبر نبي أو رجل صالح. أما مظاهر الاحتفال بتمجيد أيام الجاهلية على نحو ما يفعل اليوم في البلدان العربية والإسلامية، بإحياء هذه الأيام ورجالاتها فهو أمعن في التحريم والنهي.

حفر زمزم:

وكان عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم، رجلا موسرا وسيدا من سادات مكة وشيخا من شيوخا، وقد آلت إليه رئاسة قومه فلم يختلف عليه الناس، وكانوا له سامعين طائعين، وكان قائما على خدمة البيت والحجيج، وقد أضناه التعب في المواسم، لأنه كان يتجشم مشقة جلب الماء للحجيج من ينابيع بضواحي مكة، ولم يكن له -يومئذ – ولد سوى الحارث، وفيما هو نائم ذات يوم رأى في المنام أن رجلا أمره بحفر زمزم ووصف له المكان، فامتثل للأمر وأخذ في الحفر يعينه ابنه الحارث، حتّى بلغ الطمي (الطمي هو الحجارة التي طوي بها البئر). وفي رواية لابن إسحاق، أنه لمّا بلغ به الحفر إلى وجود الغزالتين من الذهب وأسياف وأدراع، علمت قريش أن  عبد المطلب فاز وحده بهذه البئر، وأنه سينال شرف حفرها وحده، فنازعته الأمر ودعته إلى مشاركته في الحفر؛ لأنها ميراث جدهم إسماعيل، فامتنع لأنه كان يرى بأنه حُوبي من الآلهة بشرف حفرها وحده.

فلما أصرّت قريش على المشاركة، وكانت من قبل كلما مرت به سخرت منه لعلمها أن البئر قد غُوّرت ومكانها غير معلوم، وقد اشتد النزاع بينهما فاحتكما إلى كاهنة بني سعد التي كانت تنزل على مشارف الشام، وفيما هم في الطريق وقد أصاب عبد المطلب وأهله ممن خرجوا معه العطش وكادوا يهلكون، لأن الماء نفد منهم دون من خرج معه من قبائل قريش، فلما استنهض عبد المطلب راحلته انفجر من تحت حافرها الماء فشربوا حتى ارتووا وأخذوا حاجتهم، فلما رأت قريش ذلك قالت:”والله لقد قُضِي إليك يا عبد المطلب”، ثم رجعوا إلى مكة. وفي رواية أخرى  لابن إسحاق:” قال لهم: لا، ولكن هَلُمَّ نضرب عليها بالقداح. قالوا وكيف نصنع؟ قال: نجعل للكعبة قدحين، ولي قدحين، ولكم قدحين، فمن خرج قدحاه على شيء كان له، ومن تخلف قدحاه فلا شيء له. قالوا: أنصفت، فجعل قدحين أصفرين للكعبة، وقدحين أسودين لعبد المطلب، وقدحين أبيضين لقريش، ثمّ أعطوا القدّاح ليضرب بها عند هبل، فخرج الأصفران على الغزالتين للكعبة، وخرج الأسودان على الأسياف والأدراع لعبد المطلب، وتخلف قدحا قريش؛ فضرب عبد المطلب الأسياف بابا للكعبة، وضرب في الباب الغزالتين من ذهب”.

إذا أمعنا النظر –نحن أبناء هذا العصر- في هذا الأمر ورأينا التنافس فيه شديدا، وقد شاع وذاع في مكة وبلاد العرب قاطبة، وكيف كان الأسياد وأهل الترف منهم ممن كانوا سادة القبائل وأشرافها، يسرفون على أنفسهم في التنازع على أمور قد تبدو لنا –نحن اليوم- وبمعاييرنا التي نحتكم إليها في قياس الأشياء، أنها أمور تافهة ولا تستحق هذا التنافس ولا هذا النزاع والعناء، ذلك لأننا لا نعيش ظروف عصورهم، ولا نستسيغ معايير أحكامهم، لأنها معايير استوحوها من بيئاتهم القاسية التي كانت تفرض عليهم طقوسا تبدو لنا غريبة، ولكنها مستعذبة لديهم فيجدون أنفسهم مجبرين على اتباعها، كيما يتحقق لهم التوازن في حياتهم التي كانوا راضين عنها. وكان هذا الذي يبدو لنا غريبا غير مألوف، يمتعهم ويسعدهم ويجعلهم فرحين مرحين جذلين.

فنحن –اليوم-لا يسعدنا هذا التنافس ولا هذا التسابق، ولا يدخل ضمن اهتماماتنا، لأنه ليس نابعا من صلب انشغالاتنا ولا يلائم احتياجاتنا وظروف بيئاتنا، فحركة الأحداث التي تحكم عصرنا قد اختلفت فيها معايير الحكم في قياس الوقائع، فالحركة -دوما- ترتبط بالحدث مقرونا بالزمن ضمن تخلقات جديدة، وتتباين تباينا كليا في أنساق الفعل الزماني والمكاني، وتباعد الحركة زمنيا تجعل الأحداث تتراكم ديناميكيا في تخلقات غير متبعضة في أنساقها وديمومتها، لأن الفعل –أي فعل- له ارتباط وثيق بالحركة، فهما متلازمان تلازما كليا ولا ينفكان عن بعضهما، فالمكان والزمان ليسا خلفية ثابتة للأحداث، وإنما هما مساهمان نشيطان نشاطا متساوقا.

وميزة الحركة أنها متغيرة في اطراد متسارع وغير مستقر في  الفعل، ونظم الحياة بتشعباتها وألوانها وضروب عاداتها وتقاليدها وأخلاقها، هي نظم متخلقة في أطوار جديدة، تخلقا بعد تخلق حتى إذا طَفرت صار لها عنان يتسابق إليه الناس لجدته، ونظم القبيلة بعاداتها البسيطة ليست هي نظم الدولة الحديثة بتعقيداتها وتراكم تجاربها، فالدولة الحديثة بخصائصها المتميزة ونظمها المتشابكة، هي طفرة متوثبة جعلت الناس فيها سواسية تندمج فيها الأعراق وتتساوى فيها الأجناس، ولا فرق فيها بين الناس بما يسمونه اليوم  بحق المواطنة، حيث لا فرق فيها بين الأعراق وبين الأشراف وبين من هم دونهم قدرا ومنزلة.

والانتصار في حياتنا اليوم جسدته ديناميكية الحركة ضمن أبعاد جديدة، لم تكن معروفة من قبل ولم يألفها عرب ما قبل البعثة النبوية في أعراف حياتهم، وقد تحول فيها المراد فأصبح الحق كل الحق يمنح للفرد في أن يستمتع وحده بحرية الحركة والفعل والتنعم بفضائل المكارم، وليس لأحد مهما شرف أن يعلو على حق غيره مهما بلغ شرفه. والتفاخر والتباهي والتعاظم بالأنساب، وفعل المكارم هي أفعال كانت تميز الناس عن بعضهم وتجعلهم أشرافا فوق أشراف، وهذه السمات والخلال هي التي كانت تشكل الصبغة الاجتماعية التي ظلت تحكم مجتمعات البدو في غابر العصور، ليس في بلاد العرب فحسب، وإنما في أصقاع المعمورة كلها.

وتعرف الحياة البدوية في عمومها بالنزعة الفردية المتسلطة التي تنزع نحو إشباع الميول وتضخيم الأنا ومركزية الذات، وعادة ما يغذي هذه النزعة حب التميز والظهور والأثرة والتعصب للقبيلة والعشيرة، أما نحن –اليوم- فقد تحولت لدينا النزعة من الفردانية والقبيلة والعشيرة إلى النزعة الوطنية والقومية، الجامعة لكل أفراد الجماعة المنضوية تحت لواء الدولة المركزية.فأصبحت الخلال تعظم في أطر تنظمها الروابط الوطنية والقومية، ولم يصبح المتميزون يفاخرون بمواهبهم أمام غيرهم من نظرائهم أو ممن هم دونهم، وإنما أصبح التميز علامة وطنية أو قومية تتنافس عليها الأمم.

وعرب ما قبل البعثة النبوية، كانوا يعيشون في قبائل مستقلة عن بعضها، فكان النظام القبلي هو الذي يشكل الروابط بين أفراد القبيلة، ولذلك كان الانتصار للقبيلة والعشيرة، ولذلك كان الفخر بالحسب والنسب والتنافس على البطولات وفعل المكرمات هو  الذي يطبع الحياة القبلية برمتها في مكة وسائر بلاد العرب، ويميزها عن بعضها في علو المرتبة والشرف.ولذلك كان حفر زمزم والظفر بمائها المقدس الذي له صبغة تاريخية متميزة، سيزيد من تشريف من حظي بحفرها. ولما كانت قريش بقبائلها المختلفة محكومة بهذه الطقوس والعادات، وحياتها كلها قائمة على التنافس بين السادة والأشراف، لإثبات الأنا الفردي والقبلي، لذلك كان لابد أن يقع هذا الاختلاف، وتشتد بينهم هذه الخصومة، ويقطعوا المسافات الطويلة ليحتكموا إلى حكمائهم في أطراف الأرض من أجل الفوز بهذا التشريف.

النذر بذبح الابن:

ولما كان قانون القوة هو الذي يحكم حياة عرب ما قبل البعثة النبوية، وكان عبد المطلب يشعر بالضعف بولده الوحيد الذي لم يجد من يناصره غيره، وكانت الخصومة قد استفحل أمرها بينه وبين قريش حينما تنازعا في أمر زمزم، ولم يجد ما يشفي غليله أمام صلف قريش إلا أن أنذر ذبح أحد أبنائه إن توافى عددهم عشرا وبلغوا أن يدفعوا عنه، وكانت قريش حين سمعته ينذر نذره ذاك الغريب الذي لم تسمع العرب له مثيلا، كشحت له بالإعراض ولم تبد له اهتماما، لأنها خالته نزوة غضب انتابته حين خاصمه قومه، ولم يكن يدر في خلدها أن أبا طالب كان رجلا من غير طينة قومه، فهو حازم عازم قوي الشكيمة سديد  الرأي، يحمل في صلبه خصائص البذرة النبوة الخاتمة، وكان مرتبطا بآلهته ارتباطا قويا، وكان يظن أن الآلهة نصرته على قومه حين استجابت له وأمدته بعشر بنين وهذا موعد النذر قد حان أوانه، فلزم أن يبر بنذره.

وحين أخذته النشوة بنصرة الآلهة أقرع بين أبنائه العشرة ليقضي نذره، وكان الأمر قد وقع على عبد الله أصغر أبنائه، وحين أخذه إلى موقع إساف حيث تنحر القرابين، اعترضت قريش على فعله وجادلته وحاججته، فأصر على فعله ولم تثنه لجاجة قومه، فلما اشتد الخطب وخشيت قريش من أن يتحول فعله إلى سنة يتبعها الناس، اقترحوا عليه الاحتكام إلى أحد حكماء العرب، وقضت العرافة بأن يفدي عبد الله بعشرة من الإبل، فإن خرج السهم على عبد الله زادوا عشرا واستمر الأمر إلى أن بلغت الفدية مائة، فنحرت وتركت لا يصد عنها أحد، ومنذ ذلك اليوم تحولت فدية القتيل من عشرة إبل إلى مائة كاملة لا ينقص منها بعير.

الزواج المبارك:

الزواج سنة أبدية ورثها الإنسان منذ أن وطئت أقدامه هذه المعمورة، ليحفظ نوعه ويشبع نهمه ويتبلغ به مراقي عواليه، وكان الفتية من قريش يتطررون ليظهروا أمام الناس أنيق ملبسهم  وحسن مظهرهم، كيما يشتغل بذكرهم الذاكرون حين يغدون إلى أنديتهم ليتلهون ويسمرون، فتذاع أخبارهم بين الخلال والقيان، وكان السادة حين يبلغ فتيانهم سن القران يتخيرون لهم من البيوت شريفات العواتق ممن طاب ذكرهن وعلا نسبهن، وكانت المصاهرة إحدى الروابط التي كان يسعى إليها الأشراف كيما يوثقون وشائج القربى، ويعضدون صلات المودة، وكم كان يغتبط بذلك كبراء القوم  وعليّة الناس فيهم.

وكان عبد الله صغير أبناء عبد المطلب، شابا من شباب قريش وفتى من فتيانها، وكان  شابا وسيما حسن الطلعة ميمون القسمات، تهفو نفس كل فتاة إليه وقد بلغ  خمسا وعشرين من عمره حين عزم أبوه على زواجه، وكانت الفتيات في مكة يتجملن ويتنافسن على نيل رضاه، وكم كن يردن المواقع ليظهرن بعض محاسنهن والتكسر أمامه وهو يرنو إليهن؛ إلا أن أباه كان قد اختار آمنة بنت وهب، ابن عبد مناف، ابن زهرة سيّد قومه وشريفهم، فخطبها، ولم يجد أبوها بدا من أن يقبل هذه الخطبة، ويرضى بهذه المصاهرة التي لابد أنها ستزيد من توثيق القرابة وتأصيل العلاقة بينهما، ولا عجب إذا ابتهجت آمنة بخطبته حين تقدم إليها عبد الله، ولا عجب إذا اغتبط أبوها بهذه المصاهرة حين علم بها، ولعل الذي زاد من علو شأن عبد الله في مكة، بل في جميع قبائل العرب، أنه افتدي بمائة من الإبل، وهو عدد يساوي فدية عشرة رجال، وأمر مثل هذا كان له صداه الواسع في مكة، جعل عبد الله ينظر إليه بإكبار وإجلال، ولعل الناس قد تنبأوا له بمستقبل بهيج فيه الكثير من المظاهر الحافلة بالخوارق، والمعجزات والكرامات”( في رحاب السيرة النبوية).

وفاة عبد الله:

     كان عبد الله فتى نشطا يحب الحياة ويبتغي إليها سبيلا. ويحب المال ويسعى إلى جمعه؛ لأنه عماد الحياة وقوامها، وكانت مكة أرضا جبلية لا تنبت زرعا ولا تدر ضرعا، فكان أهلها يعيشون على التجارة في رحلتين دائمتين، إحداهما في الشتاء، والأخرى في الصيف؛ لذلك أخذ عبد الله يوطّن نفسه على مزاولتها حتى يمتلك فنونها وأساليبها، فتدرّ عليه الربح الوفير.

وحين حل الموعد خرج في رحلة تجارية إلى غزة بأرض الشام، في قافلة قومه مع الذين خرجوا ليسعوا في طلب الرزق والثراء، ولاشك أنّه كان يتحدّث إلى نفسه، كما يتحدّث أي شاب في مثل سنه، يتطلّع إلى مستقبل زاهر، وإلى حياة أنعم، فكانت أحلام الشباب تراود نفسه الهادئة المطمئنة، وتمنيه بأن يكون في يوم ما تاجرا من تجار قريش، وثريا من أثريائها، وسيدا من سادتها، يحظى بعلو المكانة وحسن التقدير في مكة؛ بل في جميع أحياء العرب، وماذا ينقصه سوى المال والثراء وهو عماد الحياة، والسؤدد والشرف في مكة وما يتصل بها من قبائل العرب.

والعرب كانت كلفة بحب الجاه وشرف المكانة، لذلك كانت تسعى إليهما سعيا حثيثا، وتبذل جهدها وطاقتها ولا تدخر وسعا، وتركب من أجل ذلك الخطوب، وتضرب أكباد الإبل من أجل نيلهما في الأرض البعيدة.

“قضى مدة يسيرة في رحلته تلك، ورأى عوالم أخرى فيها عادات وتقاليد ومناظر تختلف اختلافا كبيرا عمّا ألفه في مكة، ولا ريب أنه استفاد من رحلته استفادة غير يسيرة، وعاد إلى مكة في العير التي خرج فيها، وهو يحدث نفسه بأنه سيعيد الخروج مع القوافل التجارية كلما سنحت له سانحة، وكانت القافلة تسير سيرا حثيثا نحو مكة؛ فلمّا كانت في طريقها مما يحاذي يثرب حدثته نفسه بأن يعرّج على أخواله بني عدي بن النجار بيثرب، ليستريح من عناء السفر، ويستعيد قوته ونشاطه وحيويته؛ غير أن أجله كان قد سبقه؛ فما إن دخل يثرب حتى أصيب بمرض مفاجئ، ثم توفي ودفن بها، وعادت القافلة التي كان فيها إلى مكة، وأخبرت أباه الشيخ بمرض ابنه عبد الله، ولم يلبث عبد المطلب أن بعث ابنه الأكبر الحارث إلى يثرب ليحضر أخاه العليل؛ ولكنّ خبر وفاته كان قد سبقه، وأحسّ بحزن عميق يسري في أعماقه على فقدان أخيه الأبدي.

وعاد إلى مكة يحمل حزنه وأساه ونعاه إلى أبيه، وأحسّ الشيخ بحزن عميق على وفاة ابنه الذي فداه بفدية لم تسمع العرب بمثلها؛ ولكنّه عزى نفسه على هذا المصاب  الجلل، بالتسلي والصبر حتى يكون شيخا من شيوخ قريش، يتّصف بالقـوة والجلـد وتحمّل الشدائد والمصائب، من غير أناة ولا شكاة.

وكانت آمنة تنتظر زوجها بشغف كبير، وكأن شيئا ما قد أنبأها بإحساس غريب، لا تريد كتمانه ولكنها لا تريد البوح به حين تضيق به، خصوصا وأن الطريق إلى الشام محفوفة بالمكاره والأخطار، فكانت تارة تسلي نفسها وتحثّها على مغازلة الأحلام اللطيفة والآمال العريضة، وتارة أخرى تحس بأمر ما كان يختلج في نفسها ويوسوس لها بسوء طالع هذه الرحلة، وبأن شيئا ما سيقع لزوجها، فلم تكن في هذه الرحلة هادئة البال، ولا مطمئنة النفس. ظلت على ذلك تنتظر عودة عبد الله، وما هي إلا أيام قليلة حتى وصلها نعي عبد الله فحزنت لذلك حزنا عميقا!!

تبدّدت أحلامها في صبا زواجها، وتلاشت من أعماقها تلك الإشراقة الواعدة التي كانت تبعث في نفسها الأمل بالحياة الناعمة، لقد أصبحت منذ ذلك اليوم أرملة، ففقدت السعادة ولذة الحياة الهادئة الناعمة في كنف زوج كان يحيطها بوافر عطفه، وبشمائل خلقه.

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

المعجزات الحسية/ خير الدين هني

فالمعجزة القرآنية متفق عليها بالإجماع قديما وحديثا، والذي يرتاب فيها ممن استغلق عقله فما عليه …