الرئيسية | قضايا و آراء | الصراع العربي، العربي، إلى أين؟ هل العلماء الدعاة مسئولون عن الهوان العربي/ أ. محمد مكركب

الصراع العربي، العربي، إلى أين؟ هل العلماء الدعاة مسئولون عن الهوان العربي/ أ. محمد مكركب

      

إلى أي مدى هي مسئولية العلماء الدعاة، فيما يجري على الساحة العربية خاصة؟ والساحة الإسلامية، والعالمية عامة؟ هذا الصراع الغابي، والنزاع الحرابي، بين الإخوة الأشقاء؟. فليس من منطق العقل أن نعتبر تفاقم الخلاف بين الشعوب العربية أمرا عاديا. نعم هو من قبيل الابتلاء، ولكن إذا كنا نرضى بالمرض كبلاء، وأن الصبر عليه من الإيمان، فإننا أمرنا بالعلاج، والاستشفاء ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ وعلاج النزاع الحرابي بين المسلمين واجب، فالله أمرنا بإصلاح ذات البين، وأن نتعاون على البر والتقوى، وأن لا نتعاون على الإثم والعدوان. ومن البر والتقوى الأخوة والتسامح والتناصر بين المسلمين، أما التقاتل، والعدوان، بالرشاشات، والدبابات، والطائرات، وقطع العلاقات، وفتح الأبواب لشياطين الإنس والجن، كل هذا ليس من الإيمان، يا عباد الرحمن.

إن الاستمرار في العداوة والتقاطع، أو التقاتل بين المسلمين بعد سماع النصيحة من كتاب الله، جل جلاله، ومن هدي رسول الله، عليه الصلاة والسلام، يعتبر إجراما، وعصيانا، وذلك دليل من فاعليه على عدم الاستحياء من الله تبارك وتعالى. نعم إن الإصرار على تكريس، وتوريث العداوة بين أبناء شعب مسلم، أو بين شعبين أو أكثر، هو عمل شيطاني، فإذا كان الذين يبذرون المال والثروات والأوقات هم إخوان الشياطين، فبماذا نسمي من يمزق المسلمين، ويبذر ويبدد قوة المسلمين وطاقتهم بنزاعهم، ويجعلهم عرضة للهوان أمام أعداء الله تعالى؟ لست أدري ماذا أقول لإخوتي في سوريا واليمن والعراق وسائر البلدان التي تعيش الصراع العربي، العربي، بأيد عربية في الظاهر، والله يعلم السرائر. قال الله تعالى:﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ؟] قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: [دَعُوهَا، فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ] (مسلم. كتاب البر، والصلة) قولوا لي بالله عليكم، أيها المتصارعون لصالح أعداء الدين، هل قرأتم هذا الحديث: [لَا يُشِيرُ أَحَدُكُمْ إِلَى أَخِيهِ بِالسِّلَاحِ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَحَدُكُمْ لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ فَيَقَعُ فِي حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ] (مسلم.كتاب البر والصلة والأدب)  وفي حديث آخر: [مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَلْعَنُهُ، حَتَّى يَدَعَهُ وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ] (مسلم.كتاب البر والصلة والأدب)

فأين عقل الذين يحملون السلاح على إخوانهم، مهما كان السبب. ألا يخافون أن يكبهم الله في النار؟ والمتقابلان بالسلاح كلاهما هالك، مغضوب عليه، فالقاتل والمقتول في النار؟ كيف لا؟ والملائكة تلعن من أشار إلى أخيه بـحديدة، اسمعوا أيها المتصارعون، هذا جزاء من يشير إلى أخيه بـحديدة، مجرد الإشارة بـحديدة، فالملائكة تلعنه، فكيف بالذي يشتري السلاح من الكفار، بسبق الإصرار والترصد، من جل أن يقتل أخاه؟ عيب كبير أيها المحارب، عيب كبير أيها الخارج على المسلمين بالسلاح، عيب كبير أن تعطوا المال لأعدائكم، وتأتوا بالسلاح لقتل إخوانكم.

إنني أكتب لكم هذه الكلمات، وأذكركم بهذه الأحاديث، والآيات، من باب واجب النصح، الذي كان الصحابة يبايعون الرسول صلى الله عليه وسلم عليه. بعد أن كتبت رسالة كاملة في كتاب [سياسة الائتلاف لإقامة وحدة المسلمين واتحادهم] سنة:2010م  ووزع الكتاب مجانا، في الجزائر وخارج الجزائر، ونشر عنه بيان في البصائر، وقنوات الإعلام، وأرسلت عشر نسخ إلى إخواننا بفلسطين ليتحدوا، أرسلت النسخ عن طريق سفارة فلسطين بالجزائر. وجاء الكتاب في الطبعة الثانية، في (380 صفحة) بنفس العنوان:[سياسة الائتلاف لإقامة وحدة الشعوب واتحد الدول] سنة: (2014م).

ومع هذا مازال العرب يتقاتلون، ـ أقول مع هذا، يعني بعد بيان القرآن والسنة ـ مازالوا  في عداوة جاهلية، وسذاجة صبيانية. أستطيع أن أقول: بأننا في جمعية العلماء الجزائريين، أدينا ما علينا من النصح والتبيان، والدعوة إلى إصلاح ذات البين، بين الشعوب العربية الإسلامية، خاصة، والإسلامية العالمية عامة. وجاء في تصدير الكتاب:[كتاب سياسة الائتلاف لإقامة وحدة المسلمين واتحادهم] [أنه منهاج كامل، يتضمن البيان الشامل، للدعوة إلى التعارف والتآلف والتعاون، لنعيش جميعا في ظلال الأمن والحرية والإخاء، بما يحتويه من الحلول].

ندعو في هذا المقال من على منبر البصائر، لمن يهتدون بالبصائر﴿قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ ندعو كل أهل الكلمة الحكيمة، والقرار السياسي، كل الذين يهمهم مصير الإسلام، والمسلمين، والسلم في العالم. إن وضعية الشعوب العربية تنذر بخطر عظيم، يعود على سكان الكرة الأرضية كلها بالشقاء، إن رضينا وسكتنا على ما يجري من البلاء.

أيها العرب إذا كان الوضع السياسي، وما يتبعه من الضعف والهوان، على صعيد كل الجبهات الحسية والمعنوية ينبئ بترد وانزلاق وانكسار، شبيه بصورة اليائس المقبل على الانتحار، فما بالكم وفرص النجاة والتمكن لا تزال بأيديكم، هلموا إلى ما يجمع شملكم، ويقوي عضدكم، تعالوا إلى عز الخلافة التي أضعتموها بالخلاف، وإلى رحمة الكتاب، كتاب العزيز الوهاب، الذي أعرضتم عنه بسبب الغلاب والحراب.

هل تظنون أن الصراع القبلي، والمذهبي، والسياسي، أمر عاد؟ إنه الانتحار الجنوني. هل من المنطق أن نقول بأن النزاع بين أبناء كل شعب هو شأن داخلي، نترك أمره لأهله؟ هل من المنطق أن يظل العرب لعبة في يد القوة الأجنبية، وهم راضون بهوانهم هذا؟ أين الجامعة العربية؟ ما محلها من الإعراب؟ هل هي جامعة العرب، أم هي جامعة الأعراب؟ أما يكفي أهل الأهواء السياسية ذلك الرفض المغلوب، واللعب بمصير الشعوب؟

لقد نشرنا في المقال: (39) تحت عنوان :[فلسطين وسوريا في الامتحان المصيري] قلنا فيه:” ندعو إخواننا في سوريا، والعراق، وليبيا، كما دعونا إخواننا في اليمن، إلى التوقف عن التقاتل استجابة لأمر الله تعالى، ورد قضايا التنازع والخصومات إلى ما أمر الله تعالى به، إلى كتاب الله عز وجل، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ ومن لم يستجب لأمر الله فقد عصى الله تعالى. عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[ أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ ثَلَاثَةٌ: مُلْحِدٌ فِي الْحَرَمِ، وَمُبْتَغٍ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَمُطَّلِبُ دَمِ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ، لِيُهَرِيقَ دَمَهُ] (رواه البخاري في كتاب الديات، رقم:6782) إن كل فتنة تَقَاتُلٍ بين المسلمين إضعافٌ لهم، وإهدارٌ لطاقتهم، وأموالهم، وتشتيت لجهودهم، وإفشال لمشاريعهم وتقوية لشوكة الأعداء. ومهما كان الطرف المنتصر على أخيه في الحروب الأهلية، فإنه منهزم في النهاية. فعلى المتنازعين أن يخرجوا من أنانيتهم، وأن يُخَلِّصُوا أنفسهم من قيود الحساسية، والحقد، ووساوس الانتقام، إلى رحاب التسامح، والتصالح، والتناصح”.

وخلاصة المقال، فيما يجب أن يقال: على العلماء الدعاة أن يجتمعوا، كما جمع النبي محمد صلى الله عليه وسلم، المهاجرين والأنصار على الإيمان، والأخوة، ووحدة المنهج، والمقصد، وأن يجتهدوا في أمر الأمة. وعلى الساسة الحكام أن يتخلصوا من عقدة الأنانية، وأن يجمعوا العلماء، كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ويتوب الله  على من تاب. والحمد لله رب العالمين.

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

أسير ولا كل الأسرى!/ علي حليتيم

كان محكوما عليه بالإعدام ومسجونا في جناح السجناء الذين يشكلون خطرا على أمن إسرائيل وهو …