الرئيسية | كلمة حق | هل نستفيد من فكر ابن رشد؟/ أ. د. عمار طالبي

هل نستفيد من فكر ابن رشد؟/ أ. د. عمار طالبي

كتب ابن رشد شرحا لكتاب السياسة لأفلاطون، وقارنه بكتاب الأخلاق لأرسطو، وبين أن الدولة المثلى أو بالاصطلاح اليوناني: المدينة الفاضلة هي الدولة التي تلتزم بالقانون، أي هي دولة القانون، الذي يعبر عنه بالشريعة، وهو الفقيه المسلم والطبيب والفيسوف. وأشار إلى ما يضاد هذه المدينة الفاضلة من سياسات أخرى إما غرضها السلطة، والأموال، واللذة، أو التسلط والغلبة والطغيان الذي لا يراعي قانونا ولا أخلاقا أو غير ذلك من سياسة ملكية قبلية همها القوة، ولو بوسائل غير أخلاقية من النفاق والخداع.

ولم يكن ابن رشد مفكرا عبدا للفكر اليوناني، وإنما اعتبره فكرا نشأ في حضارة وجرب سياسة يمكن النظر فيه للاستفادة مما هو حق ومفيد منه، واستبعاد ما لا يفيد ولا يتفق مع أوضاعنا وحضارتنا، فهو منفتح على الحضارات الأخرى، وليس منغلقا في ثقافته الخاصة لا يتجاوزها للنظر في ثقافة الآخر.

ويرى أن الشريعة الإسلامية التي مقصدها العدل أعلى الشرائع وأسماها، لأنها تصدر من مصدر الوحي وليس معنى ذلك أنها تخالف العقل وتضاده بل تتفق معه وتشهد له، لأن الحق لا يضاد الحق، فالشريعة أخت الحكمة، وصاحبتها بالطبع لا تخالفها.

والسياسة لها صلة بالأخلاق، فالأحكام الشرعية ذات مقصد أخلاقي واضح، وتتشوف إلى الحرية والعدل، بخلاف القانون الوضعي فإن القاعدة القانونية مستقلة عن الأخلاق في أغلب مدارس الفقه الوضعي، ولكن الأخلاق في الشريعة أوسع، تشمل الأخلاق المندوبة إليها كالصدقات وغيرها من مكارم الأخلاق غير الملزمة.

ثم إن ابن رشد أشار إلى التجربة التاريخية في سياسة الدولة في التاريخ الإسلامي، فذكر مقارنة بجمهورية أفلاطون المدينة الفاضلة في العهد النبوي، وعهد الخلفاء الراشدين التي هي دولة الشريعة ومقاصدها الأخلاقية، وأكثر من الإشارة إلى دول نشأت بالمغرب والأندلس، وبين أن دولة المرابطين كانت في أولها دولة القانون والعفة والعدل في عهد يوسف بن تاشفين ومن كان وراء إنشاء هذه الدولة مثل أبو عمران الفاسي الفقيه، وعبد الله بن ياسين المصلح، ثم ما لبثت أن تحولت إلى دولة الفساد في الأموال والحكم، وما إلى ذلك من الانحرافات، واتباع الشهوات.

وكذلك بالنسبة لنشأة دولة الموحدين التي كان وراء نشأتها الفقيه السنوسي محمد بن عبد الله بن تومرت، وعبد المؤمن بن علي الندرومي، فكانت أول أمرها دولة فاضلة قائمة على القانون، وابن رشد كان من أنصارها ويسمي هذه الدولة السياسية الإسلامية بالأمر الغالب، ويدافع عنها، ويشرح المرشدة لابن تومرت في التوحيد، وهو شعار الموحدين الذين قضوا على دولة المرابطين لما أصابها الضعف وانحرفت.

ومع هذا فإن ابن رشد وما أشار إليه من الفساد الذي انقلبت عليه هذه النماذج، لم يأخذ برأيه السياسيون الموحودون، وكان قد انتقد حكم الموحدين نفسه، وهو من جملة كبار موظفي الدولة فكان قاضي القضاة وهو بمنزلة وزير العدل في زماننا هذا.

وربما كان نقده هذا سببا في محنته وإبعاده إلى قرية يهودية قريبة من قرطبة، وأحرقوا كثيرا من مؤلفاته فبقي مدة سجينا، وإن كان قد عفا عنه الخليفة المنصور، وقربه إليه في عاصمة الدولة: مراكش وما لبث أن توفي وحمل جثمانه بعد ذلك إلى قرطبة حيث قبور أجداده وأبيه.

فما هي أهداف المترشحين اليوم في بلادنا وما هي نظرياتهم في قضية الدولة، دولة القانون، والدستور، وما هي قيمة هؤلاء الثقافية والعلمية، والتجربة السياسية، والعفة عن جمع الأموال وعبادة الدينار والدرهم، وحب الرياسة لمجرد الطغيان والتفرد بها، فالنفس البشرية تنزع إلى حب الترأس، والوجاهة، وحب الثروة، فما هو برنامج هؤلاء من الكثرة الكاثرة العجيبة من المترشحين، فهل هذه ظاهرة تبشر بمستقبل لهذا الوطن يقوم على القانون والعدل وتنمية الإنسان بالبحث العلمي، والاكتفاء الذاتي في غذاء الشعب من فلاحة أرضه وفلاحة إنسانه؟

عن المحرر

شاهد أيضاً

حياد الجيش الوطني ضمان للتقدم/ أ.د. عمار طالبي

إن الإعلان عن الحوار الوطني في الجزائر في الخطاب الأخير لرئيس الدولة، وما ورد فيه …