الرئيسية | حوار | الرحالة الجزائري، ياسين سليماني في حوار مع جريدة البصائر: حاورته فاطمة طاهي

الرحالة الجزائري، ياسين سليماني في حوار مع جريدة البصائر: حاورته فاطمة طاهي

 

* سياحة التطوع عند شباب الجزائر..تعليم وصحة وإغاثة ودعوة

إذا كانت السياحة هي أن يسافر المرء رفقة عائلته بهدف الترفيه وقضاء العطل والاكتشاف، والتطوع هو العمل الخيري والجهد الذي يبذله الشخص بإرادته خدمة للإنسانية من دون أن ينتظر مقابلا، فإن السياحة التطوعية هو ذلك النشاط الذي يمارسه الشاب الجزائري، ياسين سليماني رفقة أصدقائه في رحلاتهم إلى جزر إفريقيا. استضافته جريدة البصائر الجزائرية ليروي لنا تجربته في الحياة السياحية التطوعية، كيف مزج السياحة بالقيم الإنسانية؟ وكيف يمضي رفقة أصدقائه في فترة سياحتهم بالعمل النافع وترك الأثر الطيب، أينما حلوا وارتحلوا.

* في البداية لو تقدموا للقراء نبذة عن شخصكم الكريم؟

– ياسين سليماني، طالب دكتوراه في كلية العلوم الإسلامية، أعمل أكثر في الإشراف على الحقل التربوي، إضافة إلى الأعمال الاجتماعية التي نشأنا من خلالها منذ الصغر، وباعتباري من ولاية غرداية، تعلمنا منذ الصغر العمل الاجتماعي، ثم قمنا بالانضمام إلى جمعيات وتأسيسها، سواء داخل الوطن أو خارج الوطن، ففي إجازاتنا كنا نقوم بمختلف النشاطات الثقافية على مستوى قرى وادي ميزاب بولاية غرداية، يحييها شباب جامعيون عن طريق برامج ومحاضرات موجهة لكل فئات المجتمع، يعني قاعدة النشاط الاجتماعي كانت في هذه البيئة.

* وأنتم ناشطون ومهتمون بالسياحة التطوعية، ماذا نعني السياحة التطوعية؟ السياحة وحدها هي السفر من أجل الاكتشاف، أما التطوع هو العمل الخيري، فهل السياحة التطوعية هي ربما المزج بين المادي والخيري؟

– أولا السياحة التطوعية ظهرت في أوروبا في الدول الغربية، إذ وجدنا مفهوم السياحة التطوعية كوعي منتشر في الغرب، وبالتالي أردنا أن ننقل هذه السياحة التطوعية إلى بلداننا الإسلامية والعربية، والسياحة التطوعية هي ببساطة أن تكون لك زيارة أو سياحة لبلد ما، من أجل الترفيه والاستجمام أو من أجل الاكتشاف، مع تخصيص وقت لتعطي بما لديك لأهل تلك المنطقة التي قمت بزيارتها، فإن كنت طبيبا، تعطي ما لديك في هذا المجال، وإذا كنت أستاذا تتطوع في التعليم، وإذا كنت تاجرا ففي الجانب الاقتصادي، حتى إن كنت شابا لم تتخصص في الحياة، يمكنك أن تتطوع بما لديك من أفكار، ومن آثار السياحة التطوعية مثلا بناء مدرسة في دول فقيرة، أو تكون لك علاقات مع أهل ذلك البلد، ونحن مثلا متمكنين من اللغة العربية، فيستطيع أي شاب جزائري أن يذهب إلى أمريكا أو إلى أوروبا أو أفريقيا وآسيا، ليعلم المسلمين غير الناطقين باللغة العربية، فهذه أيضا تعتبر سياحة تطوعية، فمن زار مثلا ماليزيا من أجل الراحة والاستجمام، عليه أن يخصص ثلاثة أو خمسة أيام أو إذا أمكن أسبوعا، ليدخل إلى مدارسهم ومساجدهم، وطبعا التنسيق يكون مسبقا، بأنه مستعد لتعليم وتدريس اللغة العربية، كما يمكن أن تكون السياحة التطوعية داخل الجزائر، فالسباحة التطوعية ليست فقط خارج الدولة، إنما تكون خارج وداخل الدولة، والسياحية التطوعية هي أن تنتقل إلى منطقة أو إلى دولة تستكشفها وتخصص وقتا في تلك الفترة وفي تلك السياحة لتعطي ما لديك من رسالة، وبالتالي السياحة التطوعية ستتحول إلى رسالة، هذه الرسالة ستكون مشروعك في هذه الحياة، فمن خلال هذه السياحة زيادة على متعة السفر ستتحصل على متعة التطوع، وخدمة الغير ورسم السعادة على وجوه الناس.

* حدثنا عن بدايتكم في مشروع السياحة التطوعية؟

– في البداية كنا ثلاث طلبة جامعيين، أنا في العلوم الإسلامية وصديقي في كلية الطب وصديقي الآخر في كيمياء الأدوية، جمعتنا النشاطات الطلابية هنا في الجزائر، وقد كان لنا أصدقاء يدرسون معنا في الجامعات الجزائرية من الدول الإفريقية، فلم نرد أن تنتهي هذه الصداقة هنا في الجزائر فقط، فكانوا دائما يطلبون منا زيارتهم في بلدانهم من أجل أن نكتشف بلدانهم، فكانت الفرصة أن نزور أول دولة هي تنزانيا، ليس فقط من أجل السياحة وزيارة الأصدقاء، وإنما للتطوع أيضا بما نستطيع، فكانت رحلاتنا تقريبا بجهودنا الخاصة، وبأموالنا الخاصة، هذه البداية كانت سنة 2013، أما في هذه الأثناء يوجد فريقنا التطوعي في هولندا في المدارس ودور الأيتام وفي المستشفيات كذلك.

* ما هي أهم الخدمات التي تقدمونها في إطار السياحة التطوعية؟

– نحن ننشط في أربع مجالات: التعليم والصحة والإغاثة والدعوة، لكن التعليم هو المحور الأساسي، لأنه بعد زيارتنا نجد أطفالا يقضون وقتهم كاملا في ملأ الماء، إذ يمشون الكيلومترات من أجله، ليعودوا في المساء وبهذا لا تكون لهم الفرصة للدراسة، كما توجد حالات أخرى كبعد المدرسة، وحالات أخرى بالجزر النائية، إذ لا توجد مدرسة أصلا، ورغم أن إفريقيا مليئة بالخيرات ومليئة بالثروات، إلا أنه لا يوجد مستوى علميا ليستغلوا تلك الثروات، ينتظرون دائما من يأتي من الخارج حتى يساعدهم، وبالتالي رأينا أنه قبل أن نعطيهم الأكل والشرب، نحفر لهم بئرا، وقبل أن نبني لهم مسجد إذا كان مسلما ليصلي، فالمدرسة هي أولى من المسجد، لأنه بالعلم يستطيع أن يكتشف كل الأمور الأخرى، وفيما يخص الصحة هي في المرتبة الثانية، إذ لدينا فريق طبي ينتقل إلى المستشفيات وإلى المستوصف وإلى المدارس ودار الأيتام، للقيام بالفحوصات الطبية، وهناك من يتكفل بعمليات جراحية، بالتنسيق مع المستشفى، للقيام بفحوصات طبية، ثم تأتي مرحلة  شراء الأدوية وبعض المستلزمات الطبية، وبعض الآلات البسيطة، التي نأخذها من الجزائر، أما الآلات المعقدة والكبيرة نشتريها من تلك الدولة لتظم إلى المستشفى وإلى المستوصف أو إلى دور الأيتام أو إلى المدرسة، هذه الفحوصات الطبية نجريها خاصة في  القرى والجزر النائية، أما الجانب الإغاثي هو جانب كبير جدا، فيه الفقر والمجاعة والأمية، وعملنا في الجانب الإغاثي من خلال حفر الآبار بعدما وجدنا مشاكل في المياه، وبناء المدارس للتعليم عندما وجدنا سوء أو عدم الدراسة، وإعانة الأساتذة ماديا حتى يواصلوا عملية التعليم، إضافة إلى المشاريع المصغرة كاستحداث محلات، وأما جانب الدعوة فنخدمها بهذه المشاريع، فمن خلال حفرنا للبئر هناك الكثير من يدخلوا الإسلام، فمثلا في جنوب تنزانيا أكثر من 40 شخص دخل الإسلام، وأيضا عندما نقدم فحوصات طبية في المستشفى، الكثير من المرضى يدخلون الإسلام، كما أن نشر الإسلام غير معقد في إفريقيا، لأنهم أناس فطريين، فيهم فطرة كبيرة، لذلك نجد هناك انتشارا للتنصير، من قبل المؤسسات الكبرى التي تدعمها الدول الكبرى في عملية التنصير، لنجد رجال الدين يسكنون قي تلك البيئة الضعيفة من أجل نشر المسيحية، كما توجد جهود من قبل المسلمين لكنها ضعيفة، ولكن الله سبحانه وتعالى يبارك في جهود المسلمين، كما فتحت الإذاعات لنا أبوابها، لنتحدث كمختصين، كما لدينا محاضرات في هذه الإذاعات، لنتحدث عن مواضيع صحية وعن مشاريعنا هناك، وبالتالي استهدفنا الإذاعة من أجل أن ننشر أفكارنا وما نريد أن نصل إليه، لأن الإذاعة لها أثر أكبر من التلفزيون، كما التقينا بالكثير من الجزائريين ينشطون مع جمعيات خيرية كبيرة غير جزائرية، من الكويت وقطر وفرنسا، وبالتالي نفرح بشباب جزائريين ينشطون في هذه الدول، ويقدمون أعمال خيرية، ويستقبلوننا ويقدمون لنا معلومات مهمة جدا، حسب خبرتهم في هذه الدول، وبالتالي نسير تحت جمعيات ومؤسسات معروفة، هناك من يسهل لنا العمل هناك، ونحن ننشط ونعمل في سبعة دول وهي تنزانيا، كينيا، أوغندا، رواندا، براوندي، الموزمبيقي، وملاوي، كل هذه الدول تسمى باتحاد شرق إفريقيا، تقع في الجنوب الشرقي للقارة الإفريقية، وكان تركيزنا على تنزانيا لأنها الدولة المحورية في هذه المنطقة، ولديها موقع استراتيجي في الجانب الاقتصادي وفي جانب العلاقات والاتصال، حتى نروج أن هناك سياحة تطوعية، من بين أهم أهدافنا في هذه الزيارات تصحيح الصورة الخاطئة عن إفريقيا في أذهان الناس، لأن صورة إفريقيا هي الفقر والمجاعة والحروب والفتن الداخلية، لكن عندما ننزل إلى “دار السلام” بتنزانيا نجد كل الجنسيات العالمية من أوروبا وأمريكا وآسيا، ينتقلون إلى هذه الدول من أجل السياحة، لوجود الجزر الجميلة والحيوانات، فهي قطب سياحي لكنها منطقة فقيرة، فأن تجمع بين السياحة والتطوع، هي أن تختار المنطقة التي ستزورها، هذا مهم جدا، وأن تختار منطقة سياحية، والمنطقة التي يكون لك فيها الأثر في الجانب التطوعي.

* كيف يتم التنسيق بينكم وبين الدول، أو كيف تنظمون السياحة التطوعية خارج الجزائر؟

– بدأ التنسيق في سنة 2014 بعد أن اكتشفنا الوضع، كما لدينا منهجية في العمل، وهي الاكتشاف ثم العمل، كما أن الجزائريين لهم حب للعمل الخيري، فلو تعطيه مبلغا من المال، في اليوم الثاني مباشرة يقوم بإنفاقه على المحتاجين، لأنه يتعامل بالعاطفة، ومثلا في اليوم الثالث ينتقل إلى قرية ويجد الناس أكثر فقرا، يتحسر لأنه لم يترك شيئا لهذه القرية، وبالتالي عملنا هو الاكتشاف ومسح جميع المناطق، ثم بعد ذلك نبدأ في العمل التطوعي، لنضع الأموال والجهود في مكانها حسب الأولوية، وحسب منهجية الاكتشاف، ثم العمل التطوعي الذي كان سنة 2013 ثم 2014 ثم 2015، ففي هذه السنوات الثلاث كان فيه تقدم وتوسع، بدأنا بثلاثة أعضاء ووصلنا إلى أكثر من 35 عضو، وكونا جمعية تسمى “سبيلي الخيري” في البداية أسميناها “فريق قل هذه سبيلي”، والاسم مأخوذ من أواخر سورة يوسف، وفي سنة 2018 أصبحت هذه الجمعية مترسمة لدى الدولة الجزائرية، وهي مؤسسة “سبيلي الخيرية”، وإن شاء الله لدينا برنامج لنشاطات داخل وخارج الوطن، كما وفقنا الله والحمد لله أن نزور السفارات الجزائرية خارج هذه الدول التي ننشط فيها، حتى نتعرف عليهم، وحتى يكون فيه تعاون وإضافة للجمعيات الخيرية المحلية

* وأنتم شباب وطلبة، كيف تمولون السياحة التطوعية؟

– الجانب المادي في السنوات الأولى كانت على حسابنا الخاص، وعلى حساب عائلاتنا، أنا آمنت بالفكرة، وصديقي آمن، ووالدي آمن بالفكرة، وبالتالي كان فيه دعم، وبدأنا بالمشروع، ثم تطور وأصبح التجار هم الذين يبحثون علينا ليتبرعوا لنا بعد سماعهم لنا في الإذاعة وفي التلفزيون، أو من خلال المحاضرات في المساجد، حتى يأتي إليك شخص مباشرة، ويقول لك: أنا مستعد أن أتبرع ببئر لأمي، ويطلب أن يسافر معنا، ليرى هذا الوضع، واليوم نحن نحاول أن ننسق أكثر مع الهلال الأحمر الجزائري، ومع وزارة التضامن، ومختلف المؤسسات الرسمية، وذلك من أجل أن تكون بعثات رسمية بين الدول، ونكون سفراء لبلداننا، فالجزائر تحتاج إلى من يعرف بها خارجا، فالكثير في إفريقيا ممن لا يعرف الجزائر، يعرفون الجزائر بعد مونديال 2010  لأنه منتخب إفريقي قوي،  ولكن نحتاج أيضا أن نعرف الجزائر في الجانب الخيري وفي جوانب النشاط الثقافي، والحمد لله هناك شباب كثيرين جزائريين مستعدين لتمثيل الجزائر في هذه الدول أو في الدول الأخرى.

* هل أنتم أول تجربة في الجزائر تنشط السياحة التطوعية خارج الجزائر؟   

– في حدود علمي لا يوجد مؤسسات أو جمعيات، لديها نشاط خارج الجزائر، في ما أعلم أن الهلال الأحمر الجزائري فقط عنده برامج إغاثية خارج الجزائر أما كنشاط شباب خارج الجزائر في حدود علمي لا يوجد إلا ما هو في إطار “الأيزيك” في إطار النشاطات الجامعية والتبادل الثقافي بين الجامعات، أما كمجمعية ومؤسسة شباب جزائري لا يوجد.

* حدثنا عن بعض النماذج من نشاطاتكم التي قمتم بها في إطار السياحة التطوعية؟ 

– هناك قصص كثيرة ونماذج كثيرة، فمنذ 2013 إلى غاية 2019، ونحن نقوم برحلات إلى هذه الدول، تقريبا نستغل فترة الإجازات والعطل، لأن أغلبنا طلبة جامعيين، فنختار فترة الصيف لنذهب إلى هذه المناطق، وبعد توسع المشروع نذهب على طول أيام السنة، ننظم أفواجا صغيرة من ثلاثة أفراد إلى أربعة أفراد، يذهبون إلى منطقة من المناطق الإفريقية، من أجل العمل التطوعي، وهذا العمل التطوعي نقوم به في دار الأيتام وفي المساجد والمدارس وفي المستشفيات، وفئتنا المستهدفة ليس المسلمون فقط وإنما غير المسلمين أيضا، عندنا نماذج كثيرة، وقد كنا في ثلاث السنوات الأولى نقضي 10 أيام الأخيرة في إفريقيا، اخترنا هذه الأيام لأجر رمضان أولا، ولأجر عشرة الأيام الأخيرة، إضافة أردنا أن نعرف كيف يصوم إخواننا المسلمون، فأردنا أن نجرب عيد الفطر هناك في إفريقيا، حتى وجدنا شيئا جميلا جدا، هناك مثلا في تنزانيا في جزيرة زانجبار، لديهم ستة أيام من شوال تقريبا تحسب لديهم مع رمضان، فيوم عيد الفطر تجد الناس يفطرون ويصلون صلاة العيد، ولكن اليوم الثاني للعيد كل سكان الجزيرة تقريبا صائمون، وبالفعل رأينا مظاهر العيد الحقيقية بلباس جديد للأطفال، والناس تتجول في الشارع والزيارات ولكنها تكون بعد ستة أيام من شهر شوال وليس بعد عيد الفطر، وقد عملنا في دار الأيتام في منطقة فوني بزنجبار عملنا فيها فحوصات طبية وحلقات تعليمية، ونقلنا بعض الأيتام إلى المستشفى، وكونا جوا عائليا، وفي اليوم الذي أردنا فيه أن نودع دار الأيتام، جاءت طفلة تدعى “يمنى”  أمسكت باب السيارة، ولم ترد أن نذهب، وتقول بلغتهم الساحلية “ابقوا معنا ولا تذهبوا”، هذه المشاهد التي تقع لنا تبقى وتجعلنا أكثر مسؤولية للعودة في العام القادم، حتى نتابع مشاريعنا، وأيضا في مالي، أحد الأعضاء ذهب إلى باماكو والتقى بشاب له مكانة في قريته، فدخل الإسلام في باماكو والحمد لله، وأثناء عودته إلى قريته وعندما رأوه أهل قريته أنه دخل الإسلام، قالو له ما هو الإسلام فشرح لهم، ليدخل 57 شخصا إلى الإسلام بسبب هذا الشاب، فكانت أول صلاة لهؤلاء، 3 منهم صلوا بالوضوء و54 صلوا بالتيمم، لماذا؟ لأنه لا يوجد ماء، فكان مع صديقي تاجر جزائري سمع بهذه القصة، فأراد أن يتبرع ويحفر لهم بئرا، وطبعا حفر لهم بئرا، وقد تلقينا بعد ذلك أن أغلب سكان تلك القرية قد دخلوا الإسلام، فنستغل هذه المشاريع من أجل نشر هذا الدين، وقصص كثيرة حدثت لنا سواء في الجانب الدعوي أو في الجوانب الأخرى، كجانب الإغاثة التي جعلنا ننتقل إلى هناك، فمثلا وجدنا في إحدى خرجاتنا امرأة عجوزا  75 سنة أو أكثر، جالسة في كوخ بجانب حقل للأرز من الصباح إلى المساء، فعندما لاحظنا ذلك، سألناها ماذا تفعلين؟ قالت: أعمل، إذا أتت طيور لتفسد الأرز فأنهض وأصفق لأرعب هذه الطيور فتطير، ولما سألناها عن المقابل، كانت الأجرة بسيطة وزهيدة جدا، أيضا هناك أرملة لديها أربعة أبناء تعمل لأجلهم، تعصر الفواكه، وتبيع العصير، والعصير هناك في المناطق الاستوائية رخيص جدا لأن كل الناس لديهم الفواكه، وهنا فهمت مقولة عمر ابن الخطاب رضي الله عنه، لما قال:”لو كان الفقر رجلا لقتلته”، والقاعدة التي تعلمناها في إفريقيا هي أنه لا تستطيع أن تعرف أو تعرف حاجة أخوك المسلم إلا إذا انتقلت إليه، لا أستطيع أن أعرف حاجة جاري إلا إذا دخلت داره، فما بالك في الصحراء في خارج الدول، وقصص كثيرة والقاعدة واحدة وهي لا نستطيع أن نعرف حاجة إخواننا المسلمين إلا إذا انتقلنا إليهم.

* أكيد للسياحة التطوعية دور في تبادل الأفكار وتبادل الثقافات مع الدول الأخرى، حدثنا عن هذه النقطة؟

– منذ كنت صغيرا وأنا أحفظ العواصم في العالم، كنت مهتم بالأسفار، كان لي شغف كبير حتى أرقام الولايات هنا في الجزائر حفظتها وأنا في الابتدائي، فالاهتمام بالجغرافيا والسفر، كان منذ صغري، وعندما كبرت سافرت، وأسفاري ليست في إفريقيا فقط، كانت في دول كثيرة من بينها الهند، أين عملت مع متطوعين من جميع دول العالم، مع وزارة الثقافة في الهند، إذ كان لدينا برنامج اسمه “فيرسا بروجاكت”، وجميل جدا أن ننقل تجربته إلى الجزائر، وكما نعرف أن الهنود متمسكون جدا بهوياتهم وبثقافاتهم وبفنونهم، وقد وجدت وزارة الثقافة بأن الشباب اليوم، بدأ يتخلى عن هويته وثقافته بسبب التكنولوجيا ومواقع التواصل الاجتماعي، فأردنا أن نستغل هذه التكنولوجيا من أجل أن نسترجع هذا التراث والهوية، وكان المشروع من خلال أستوديو مركزي في عاصمة نيودلهي، نسجل فيه محاضرات ونسجل فيه أحداث ونشاطات لمختصين وفنانين كبار في الهند، ومع شخصيات مشهورة في الهند، ونصور معهم، ثم ننشر على المباشر هذه الدروس عبر المدارس في الهند، فمثلا في كل مدرسة يتعاقد معها هذا المشروع، يوجد قسم فيه جهاز تلفزيون، لديهم بث مباشر مثلا كل يوم الأربعاء، كمادة دراسية دخلت في المنهج الدراسي يدرسونها ويحاسبون عليها في الامتحان، هدفها الرئيسي هو نشر الثقافة والهوية الهندية، والتراث الهندي مع الأبناء الجدد، فاستغلنا التكنولوجيا في نشر العلم، هذه كانت تجربة وتجارب أخرى كثيرة، يعني كلما ننتقل إلى دولة أهم شيء هو العلاقات، وقد كنت في الكويت تعرفت على جزائريين، كالأستاذ عمار بوبكري من قسنطينة، 20 سنة من التجربة في العمل الخيري، وهو الآن مسؤول على شرق إفريقيا كلها، حوالي سبعة دول إفريقية، كما أن هناك جزائريون كثر ينشطون في هذه الجمعية، وبهذه العلاقات نكتسب خبرة، ونربط علاقات، كما لدي حصة في اليوتوب تدعى “حكايات مسافر” فيها 31 حلقة، بثت في رمضان الماضي، وفي رمضان القادم فيه مفاجآت أكبر إن شاء الله.

* هل فيه إقبال من قبل الشباب على السياحة التطوعية، وكيف تروجون لثقافة السياحة التطوعية؟

– فيه إقبال كبير جدا، فعندما أنهي محاضرة أو عرض سواء في الجامعة أو مركز ثقافي أو في برنامج، فبعد نهاية العرض مباشرة تتهاطل عليا الطلبات، “نريد أن نذهب معكم إلى إفريقيا، وإلى أي منطقة لنتطوع”، وكما نعرف أن أغلب شباب الجزائر خاصة الطلبة الجامعيين جانبهم المادي ضعيف، فما أدعو إليه هو التنسيق بين الهلال الأحمر الجزائري وبين وزارة التضامن ومع وزارة الخارجية من أجل التنسيق مع جمعيات في دول أخرى، وهذا لنعطي الفرصة للكثير من الشباب، ومن جهة أخرى أدعو كل شاب إلى أن يؤسس مشروعه مع أصدقائه، لا ينتظر أي فرصة من أحد، لأن الفرصة موجودة في يدك، وبذرة الخير موجودة في داخلك أنت، يوجد في الدول الأوربية في جامعاتها تخصص “العمل الاجتماعي وهذا يدل على نقص العمل الاجتماعي في مجتمعاتهم، وهذا ما جعلهم يضعون تخصصا، ويدرسونه، أما نحن نتوفر على نماذج كثيرة في العمل الاجتماعي، فعندما أنادي مثلا أي شخص لتوزيع وجبات ساخنة في الليل، سيكون فيه إقبال كبير، وبالتالي الإقبال ليس لدينا إشكال فيه، الإشكال في البرامج، كما أننا لم نر الدعم المادي عائقا، بل كنا نجمع بأموالنا الخاصة وأموال عائلاتنا من أجل مشروع، وأضمن لكم بأنه كلما كان البرنامج قويا يعني الفكرة قوية، فستجد الدعم حتما، لنا الكثير من الأغنياء ورجال الأعمال لديهم حب للتبرع، لكن لم يجدوا أفكارا قوية، مثلا مع احترامي لكل من يقوم بـ”قفة رمضان فكل الجمعيات الجزائرية تقوم بقفة رمضان، فلما لا يكون فيه إبداع أو تجديد في مفهوم التطوع بمشروع بسيط، يمكن  استهداف مثلا فئات كبار السن، أو استهداف فئات ذوي الاحتياجات الخاصة، في أوقات البرد استهداف أصحاب الهضاب العليا، هناك مشاريع كبيرة، بيئتنا الجزائرية بيئة ولادة للمشاريع، فاستغلال البيئة التي تعيش فيها من أجل المشاريع ستجد بإذن الله دعما من رجال الأعمال، خاصة الأفكار فيها إبداع وتجديد.

* هل كانت للجزائر تجربة في السياحة التطوعية من قبل جمعيات أجنبية؟

– فيه نشاطات على مستوى الجامعات، من خلال النشاطات الجامعية فيه نشاط يسمى “بالأيزك” وهو نشاط طلابي جامعي يستقطب كفاءات من الخارج من أجل التطوع في الجزائر، لكن في حدود علمي مازال غير منتشر كثيرا، وبهذا نحتاج إلى جمعيات ومؤسسات تفكر بهذا، إن استقطاب كفاءات من الخارج للتطوع هنا فمثلا، ببساطة أهم أبسط شيء هو تعليم اللغة الإنجليزية والفرنسية في الإجازات، نستطيع أن نستقطب طلبة جامعيين يتقنون اللغة الإنجليزية من جميع أقطاب العالم من أجل أن يتطوعوا هنا لتعليم أبنائنا الجزائئريين.

* السياحة التطوعية ظهرت أولا في الدول الغربية كمفهوم، لكن كمعنى ديننا الحنيف حث على التعاون وعلى العمل الخيري، وبالتالي الإنسان المسلم في أي زمان وفي أي مكان لابد أن يترك أثرا طيبا، أليس كذلك دكتور؟

– المسلم هو خليفة الله في الأرض، وبمفهوم بسيط هو سفير الله في الأرض، إذا كان أثره طيب فهو يقدم صورة إيجابية وناصعة عن الله وعن الإسلام، وإذا كانت تصرفاته سلبية وفيها نقص في تقديم مسؤولياته، فيقدم صورة غير صحيحة عن دينه وعن الإسلام، فكل واحد إذا وعي بمسؤولياته في هذه الحياة، وبأنه في مرحلة عابرة، ويستطيع أن يستغل مجهوداته، كأن لديك مشروعا تطمح إليه، وترى أن اللغة الإنجليزية شرط أساسي في ذلك المشروع، فانطلق من اليوم في تعلمها، ويمكن أن يكون لك مشروع خيري حتى في عائلتك، أنا أعرف عائلات هنا في الجزائر لديهم أوقاف، فمثلا كل العائلة يشتركون لشراء أرض مثلا ليبنوا فيها مركزا بسيطا لعائلاتهم ولأبنائهم، هي فكرة رائجة في دول أخرى، وهنا في الجزائر موجودة كذلك، وفكرة رائعة جدا أن يكون فيه وقف للعائلات، ينشطه شباب، ورسالة الإسلام هي أن يبدأ المسلم بالعمل التطوعي من عائلته الصغيرة ثم المجتمع ثم الوطن، لينتقل إلى دول أخرى إن شاء الله، فالمسلم ببساطة لم يأت إلى هنا ليعيش حياة واحدة، أو أن يبقى في منطقة واحدة، أعمارنا ليست طويلة لنعيش حياة واحدة، وأقصد حياة واحدة، الحياة الثقافية والحياة الاجتماعية وحياة الأسفار وحياة التجارب، لابد أن يحاول المرء أن يبدع، لأن أعمارنا ليست طويلة من أجل أن نبقى في مكان واحد، تقضي 40 سنة في مكان واحد هذا صعب، لابد من السفر حتى إلى ولايات الوطن، فيه أناس لا يعرفون الولايات، تقول له ماذا تعرف عن تامنراست يقول الهقار، ماذا تعرف عن إليزي يقول لك الصحراء، ماذا تعرف عن الطارف لا يجيب، وبالتالي نحتاج إلى من يروج للسياحة الداخلية، أعرف طلبة جامعيون يسافرون إلى الدول الأخرى، ويشاركون في برامج، ينتقلون إلى بولونيا من أجل أن يشاركوا في برنامج للتشهير بالسياحة في ذلك البلد، فلماذا لا نستغل شبابنا، ونعطيهم دعما من أجل أن يشهروا السياحة الوطنية، من مصورين فوتوغرافيين، صناع أفلام، كتاب مقالات ومجالات، وكتاب اللغة الإنجليزية، وكل هذا من أجل أن نروج للسياحة في بلدنا.

* من الشباب من يرغب الخوض في تجربة السياحة التطوعية، كيف يمكنهم التنسيق معكم؟ وبما تنصحوهم؟

– نحن نبحث لمن لديه خبرة وطموح في العمل الاجتماعي، لديه هدف يريد أن يحققه، لكن ما ندعو إليه أكثر ليس الانخراط، إنما تأسيس فرق جديدة، لأنه ببساطة إذا انتقلنا من الجزائر، نذهب مباشرة إلى مشروع من المشاريع، وننجز ما قمنا بتخطيطه مباشرة، ليس لدينا وقت للاكتشاف، إفريقيا اكتشفناها سنوات، لكن إذا كون فريقا مع أصدقائه، سنتكفل بالباقي، ننسق له أين يذهب، وأين يقيم، ما هي الأعمال التي سينجزها، هذا هو الجانب الذي نستطيع أن نساعد به، وأي واحد أراد أن يتطوع في إفريقيا عليه أن يبحث عن أصدقاء له يشاركونه الفكرة والهدف، ويضعون مخططا لبرنامجهم، وينتقلون إلى هذه الدول ونحن نتكفل بما نستطيع إن شاء الله.

* شكرا لكم، كلمة ختامية لقراء جريدة البصائر؟

* ختاما أقول: بأن كل جزائري لديه رصيد سواء في الجانب الاقتصادي، وسواء في الجانب الثقافي، وأي جانب من جوانب خبرته في الحياة، هذا الرصيد يستطيع أن يوصله إلى أي أحد في العالم، لا يقول أنني فرد سلبي لا أستطيع أن أقدم شيء لأحد، وإنما كل واحد يستطيع أن يقدم شيء للناس، فقط أسأل سؤالا واحدا: هل شعرت يوما أن الناس يحتاجون إليك لتجد الكثير من الأمور التي تكتسبها، والنعم التي فضلها الله تعالى عليك، والتي تستطيع بها إقامة مشاريع، لتكون قيمة عطاء للآخر، لأن ببساطة تعلمنا في إفريقيا، أنه كلما تعطي أكثر تسعد أكثر.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

الباحث التونسي في التاريخ الدكتور مصطفى الستيتي في حوار لـ”البصائر”/ حاوره/الكاتب الصحفي جـمال بوزيان

مشكلتنا اليوم ثقافية قبل أن تكون سياسية واقتصادية    نستظيف في هذا الحوار الدكتور مصطفى …