الرئيسية | في رحاب السنة | دار الندوة هي برلمان قريش/ خير الدين هني

دار الندوة هي برلمان قريش/ خير الدين هني

وكانت قريش قد اتخذت دار قصي برلمانا لعقد المشاورة في الأمور الطارئة التي تتعلق بالحرب أو المنازعات والخصومات بين الأحياء والقبائل، وكانت دار قصي دارا واسعة رحبة تقع في الشمال من الكعبة غير بعيد، وهي اليوم تقع في صحن المطاف، وقد أدخلت في التوسعة وكانت في العصر الأموي قد اشتراها معاوية وجعلها دارا للإمارة..وكان لهذه الدار شأن كبير في عصر النبوة، حيث كانت قريش تعقد اجتماعاتها للنظر في أمر النبي، صلى الله عليه وسلم، وفيما صارت إليه أحوال قريش. وكل المؤامرات التي حيكت ضد النبي كانت في دار الندوة، وقد أفل نجم هذه الدار بعد فتح مكة وكذا في زمن الخلافة الراشدة. ونستطيع القول: إن قريشا كانت عرفت نظام البرلمان الذي كان عند الدول المنظمة، إلا أن هذا البرلمان لم يكن يحظى بتشريع القوانين واللوائح على نحو ما كان عند الرومان والإغريق، ولم يكن مخولا بتنصيب سلطة أو عزلها أو مراقبة عمل حكومة معينة، كما لم يكن يتمتع بالسلطة الإلزامية، فقراراته اختيارية، لأنه لا توجد حكومة مركزية تتمتع بالشرعية والمشروعية  والسلطة التنفيذية، ولم يكن يتمتع بالشارات والتشريفات والامتيازات ومظاهر العظمة والأبهة…

فالحكومة القرشية كانت حكومة قبلية، تخضع لنظام مشيخة، يسودهم شيخ من ساداتهم عرفيا، وكانوا لا يقبلون الشباب ولا اليافعين في مجالسهم، ولا يدخل دار الندوة إلا من تجاوز الأربعين من عمره، وكان عبد المطلب سيدا من سادة قريش وشريفا من أشرافها، وكان رجلا جسيما طوالا وسيما مهيبا عليه علامة الإجلال والاحترام والوقار، محمود المنقبة والسيرة ومسموع الكلمة لا يرد له طلب وأمره نافذ، ولا يختلف عليه الناس في كل الأمور، وكان ذا سعة ويسار..ومن ملك المال والمتاع علا نجمه وشأنه وشرف مقامه وساد قومه، وكان أبرهة عند هجومه على مكة قد أخذ من إبله مائتين، وهي ثروة كبيرة تعادل قيمها بعملة الدينار الجزائري ما يتجاوز مليارا ونصفا سنتيما، وهذه ثروة لها قدرها الكبير في زمنهم وبلدهم الذي كان يعاني أهله من العوز والفاقة. وكان ذا رأي وعزم وسداد، وإذا قطع على نفسه عهدا أقدم على تنفيذه مهما كان بالغ الخطورة، وقصته مع ابنه عبد الله الذي كان قد أنذر ذبح أحد أبنائه عند آلهته إن رزقه الله عشرة بنين وبلغوا أن يدفعوا عنه الشر والأذى. هي آية قوة شكيمته ومضاء عزيمته. ولم تستطع قريش رده إلا باقتراح الذهاب إلى عرافة كانوا يلتجئون إليها حينما يشتد عليهم البلاء.

لذلك كانت قريش في عهده قوية الجانب منيعة القوة، وكانت العرب تدرك ذلك ولا تتجاوز مع قريش حدود المسموح به. ولذلك كانت حقوق الناس آمنة مصونة في مكة، ولم يكن يجرؤ أي معتد على ضعيف أو غريب أو مستجير…وكانت الحياة هادئة ناعمة مستقرة، فلما توفي عبد المطلب تفرقت كلمة قريش وأخذت تتنازع فيما بينها على مراكز السيادة والقيادة والنفوذ، وأخذ بعضهم يأكل أموال الناس أو يماطل في دفع ثمن ما يأخذه من بضائع، وكان أبو جهل والعاص بن وائل ممن يفعلون ذلك، فالعاص امتنع عن دفع ثمن سيف صنعه له خباب بن الأرت، وأبو جهل امتنع عن دفع قيمة بضاعة ابتاعها من أعرابي، وامتنعت قريش عن إرغام أبي جهل على قضاء الثمن لمكانته ووجاهته وشدة مراسه، فلما أقدم الرجل على القوم وهم جلوس حول البيت يتوسل إليهم التوسط عند أبي جهل، استهزأوا به قائلين اذهب إلى ذلك الرجل الجالس وحده، في إشارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهم لا يرومون إلى السخرية لعلمهم بمقدار العداوة الكبيرة بين النبي وأبي جهل.

وأبو طالب رغم  فضله وشرفه ونبله ومروءته، وقد آلت إلية رئاسة مشيخة بني هاشم، لم يكن في مثل حزم أبيه لأنه كان هادئ الطبع، كثير العيال معسرا مقترا عليه، والعباس بن عبد المطلب كان رجلا ثريا وذا وجاهة، ولكنه كان رجلا وديعا مسالما لا يرضى أن يقحم نفسه في مشكلات قومه، فضلا عن   صرف كل أوقاته في إنماء تجارته والزيادة في التربح. وأبو لهب ذلك الأحول كان ثريا غنيا ووجيها من وجهاء بني هاشم، وكان مشرق الوجه وضيئه، وكان يمكن له أن يكون هاديا ساعيا إلى الخير، ولكنه كان عربيدا أحمق أرعن خفيف العقل والحركة نابي السلوك، وكان مترفا منعما يقضي أوقات فراغه في الاختلاف إلى أندية اللهو والمجون يطلب اللذة والمتعة، ومعاقرة الخمر المعتقة ومغازلة الحسان والاستماع إلى شذا الأصوات والألحان وعزف القيان، ليكون فتى من فتيان قريش وسيدا من ساداتها ومترفا من مترفيها، لأن السادة وعلية القوم في قريش وغيرها هم وحدهم من كان يحق لهم الاستمتاع بما طاب ولذ من الحياة الناعمة، أما ما سواهم من البؤساء والأشقياء وغمرة الناس ممن يضيق بهم عسر الحال، فليس لهم إلا أن يستحنَّ بعضهم إلى بعض يستعذبون تشمم ريح الحانية، والتسلي بفذلكة الحديث والتفكه به متلذذين بترديد الكلام  في ليالي سمرهم، في حانيات النوادي وهم يختلسون النظر إلى ترنح أحد السادة أو تمايله، أو هزه لرأسه أو رجله وقد استبدت به النشوة من فرط الابتهاج، أو بما ما فعله أو بالغ فيه من الإنفاق والبذل والعطاء أحد المترفين المنعمين في ليلة من ليالي لهوه ومجونه مع إحدى الحسان، أو مع قينة من القيان اللائي كن يردن أندية اللهو، ليعزفن الألحان ويرقصن وهن متكشفات الثياب شبه عاريات، يبعن الهوى والمتعة لمن يطلبهما من هؤلاء السادة الأثرياء، أو مما كسبه هذا السيد أو ذاك من أموال وفيرة من لعبة النرد والميسر، أو من الرهان والشحان، أو ما خسره في هذه المقامرة والمراهنة.

وكم كان هؤلاء البؤساء المعدمون يتلاحون باللجج ويبالغون في اللجاجة، لأنهم اختلفوا على من كان أكثر هؤلاء السادة طرة وبذلا وعطاء، وأكثرهم أريحية ونشوة ولذة. خصوصا إذا كان هذا السيد مجيرا أو حاميا أو كان مولى له.

وكم كان يبهج السادة سماع الناس أخبارهم، وهم يتحدثون عن ليالي سمرهم في أنديتهم، وعن عطائهم وبذلهم، وعما كانوا يظهرون فيه من حسن الهيئة والمظهر، وعما لبسوه من نفائس الثياب التي جلبت إليهم من أطراف الأرض وكبريات الحواضر، وعن فواح عطرهم، وعمن كانت له صولة وجولة وتميز في تلك الليلة الغانية، ويزدادون بهجة ونشوة إذا تلقف تلك الأخبار فحول الشعراء فيدبجون بها قصائد خالدة يتحف بها الناس أذواقهم، ويتغنون بها في المواسم والأسواق والأندية وفي الأسفار والترحال، وتعزفه ألحانا قيان الليل في مجالس اللهو، وتلهج بذكره الحسان والعواتق وربات الأخدان.

هذه إحدى صور الحياة التي كانت تعج بها مكة قبل البعثة النبوية، فكانت صورة صادقة لما آلت إليه أخلاق قريش خادمة البيت والقائمة على خدمة الحجيج. لقد انحلت السلطة، وتساوت فيها مراكز القوة بين السادة، وتنافسوا فيها تنافسا شديدا، ولاسيما بين بني هاشم وبني أمية وبني مخزوم، فأصبحت الفوضى وعدم الأمن والاستقرار يسود الحياة في مكة كلها، فاستحلت أموال الناس وأصبحوا لا يأمنون على أنفسهم وأموالهم، ولذلك وقعت حرب الفجار ووقع حلف الفضول، دعا إليه نفر من سادة قريش وأشرافها من ذوي الفضل والرأي، ليردوا الهيبة إلى حرم الله والهدوء والطمأنينة إلى قلوب الناس.

وهذه الجوانب المظلمة التي سادت الحياة في مكة وغيرها في بلاد العرب قبيل البعثة النبوية، صورت لنا مقدار الرذيلة الذي علا منسوبه إلى مستويات لم تعد تطاق عند أفاضل الناس، ولو تأخر عهد النبوة إلى مدى قليل لا انتهي أمر قريش ولوقع لها ما وقع لغيرها من قبائل جرهم وخزاعة حين بغوا واستحلوا أموال الناس من قبل، ولكن إرادة السماء كانت قد قضت في علم الأزل أن هذه الفوضى في العقيدة والعبادة والأخلاق والتجارة التي استحدثتها قريش بغيا وبطرا، ستكون لها نهاية سعيدة على يد نبي كريم يخرج من أصلابهم، بعد أن يتبعوا دينه وهديه ويعملوا برشده. وستكتب لقريش حياة جديدة يعلو فيها شأنها وتسود الدنيا بدينها الذي أعزها وجعل نسلها ملوكا إلى آخر الزمان.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

الحوار في السنة المطهرة ودلالته الدعوية/ د. إبراهيم نويري

مما لا ريب فيه أنّ السنة النبوية الشريفة المطهّرة كنزٌ جليل القيمة، وبحرٌ خِضمٌ مترعٌ …