الرئيسية | في رحاب السنة | الإيمان والعمران في دعوة أولي العزم (4)/ أ. د. ليلى محمد بلخير

الإيمان والعمران في دعوة أولي العزم (4)/ أ. د. ليلى محمد بلخير

تعرض قصص أولي العزم الإيمان بالله تعالى في سورة استجابة واعية مسؤولة لدعوة الرسل عليهم السلام، برغم صروف المعارضة وضغوطات المكذبين، إلا أن ثبات موقف المؤمنين دليل على اقتناع كامل وبرهان واف بتبعات الاختيار من منطلق التأثير الوجداني والاقتناع العقلي ومعناه تلازم الجنة والنار كمحفز نفسي بارز في دعوة الأنبياء والمرسلين الجنة سعادة والنار شقاء.

 

وكما تتبعنا في سير قصص أولي العزم في سورة الأنبياء فالأمر لم يسر بنفس الوتيرة من نوح -عليه السلام- إلى محمد -صلى الله عليه وسلم- بل تتدرج في واقعه، فالأقوام الأوائل نظرا لبدائيتها، وتلبد الضلالات عليها محتاجة إلى قرع الأذان بالمعجزات الحسية، التي انتفت تماما ولم يشر إليها النص السردي إطلاقا مع الرسالة الخاتمة، هل معنى ذلك أن الدعوة بدأت بالإكراه والعنت مع الأقوام الأولى في تاريخ الإنسانية؟!.

وكيف يتفق أن تكون الحرية من مقتضيات الإيمان الصحي، ويكون إهلاك الأقوام الكافرة قانونا سننيا عاما، لا ينقض الحرية في اختيار الكفر بدل الإيمان؟!

تتعرض المنظومة القصصية في سورة الأنبياء لإهلاك الأقوام الكافرة، في صورة موجزة بإشارة سريعة {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ}[الأنبياء:77]  وفي قصة نوح عليه السلام متناسبة مع جو السورة، وأيضا متناسبة مع جمالية عرض التناسق السنني في المنظومة القصصية.

وبما أن الوصاية الفكرية تتنافى مع مقتضيات الإيمان الصحيح ومنه إهلاك الأقوام الكافرة، ليس ضربا من ضروب الإكراه بأي سبيل، وأن إزالة جذور الكفر، ورواسب الضلال المتراكمة صار حتميا كقانون تتحكم في ظهوره شروط معينة، وأسباب ظاهرة.

نجملها في أنّ قانون الإزالة لا يطبق على قوم إلا بعد اجترائهم على عرقلة قافلة الإيمان وتضييقهم لمنافذ النور، وفقدهم لكل مبررات الوجود بحيث يصبح قانون الإهلاك شيئا ضروريا ويعتبر بمثابة التطهير وهو درس قائم بذاته للأمم التي تليها، يختلف الأمر بالنسبة للرسالة الخاتمة فلا معجزات حسية ولا تهديد بعذاب مادي وهذه الخصوصية تعزز شمولية هذه الرسالة وقد جاءت لبلورة الصياغة الكاملة لدعوة الرسل، بإقرار الحوار مبدأ للإيمان ووسيلة للاقتناع والتصديق.

وبالتالي إن تدرج المعجزات والخوارق وفق مراحل النضج الإنساني، تجسد الفعل الإلهي المباشر في صور خارقة للقوانين، وفي ذلك أكبر بيان على أن إهلاك الأقوام الكافرة، بعد مراحل الإنذار والتحذير من باب إقامة الحجة وتحمل مسؤولية الفعل سلبا أم إيجابيا، تترتب عليه النتيجة الفاصلة بالنجاة أو الهلاك في إطار العدل الإلهي وسنن العقاب والثواب.

ومن ذلك ارتباط قصص أولي العزم بسنن وقوانين شاملة، واكبت تطور المجتمع

الإنساني بقيادة الأنبياء الرواد وفي  القرآن نقرأ سنن الله في الحياة، إنها عنصر في سلسلة النظام الكوني القائم على التناسق بين عناصر الكائنات الوجودية، تناسقا كبيرا بين علاقة الفرد بربه وعلاقاته بمن حوله  في إطار منظم ومنسجم مادام الدين من عند الله، فشؤون الحياة وقضايا العلم من قوانينه وتسييره، ومن هنا يتجلى البعد الرسالي في حركة الأنبياء عليهم السلام مع أقوامهم، وإرساء مبدأ الإيمان لتعمير الأرض وهي بمثابة درس تطبيقي متنوع يمدنا بالقوة والعزم والحكمة في مواجهة المتغيرات الاجتماعية فالقرآن معجزة خالدة، يأتي بقصص الأولين لتنهض بكل قضايا الواقع.

ما الحكمة من إرسال الرسل على طبيعة البشر؟ هم مثلنا في التكوين البيولوجي، حتى نصير مثلهم في الارتقاء الروحي والصفاء الايماني، لو كانوا على طبيعة خاصة لما كان التفاهم والاقتناع وما استطعنا السير على خطواتهم والاقتداء بمنهجهم، وتبقى رسالة الأنبياء عليهم السلام الرسالة الخالدة المتجددة والدعوة التامة والدائمة، ويبقى القرآن للحياة مادامت هذه الحياة، وحتى يرث الله الأرض ومن عليها.

عن المحرر

شاهد أيضاً

الحوار في السنة المطهرة ودلالته الدعوية/ د. إبراهيم نويري

مما لا ريب فيه أنّ السنة النبوية الشريفة المطهّرة كنزٌ جليل القيمة، وبحرٌ خِضمٌ مترعٌ …