الرئيسية | على بصيرة | نحن والعام الجديد/ الأستاذ الدكتور عبد الرزاق قسوم

نحن والعام الجديد/ الأستاذ الدكتور عبد الرزاق قسوم

عندما غربت شمس آخر يوم من أيام العام المنصرم، حوْقلنا، وحمدنا الله، وتلونا الفاتحة على ذكراه؛ فقد كان عام 2018م، عاما مليئا بالمآسي والأحزان، ثقلت أيامه بالدماء والدموع، واحلولكت لياليه بالفواجع وترويع الربوع.

فهل لنا، في ظل ما عشناه، أن نتسلح، كرد فعل، بالأمل، ونحن نستقبل العام القادم الجديد؟

هل يمكن أن نؤاسي أنفسنا ببارقة أمل، في أن يكشف الله عنا الغمة، ويخرج من الظلمات إلى النور، واقع هذه الأمة؟

فهل تشرق شمس الاستقرار، بالإصلاح والمصالحة، على شعب سوريا الشقيق، بعد كل الذي عاشه، من ضيق وتضييق، فيعود النازحون إلى ديارهم ويفرّج عن المسجونين، فيلتحقون، بخيامهم، وترمم الديار، وتجبر الخواطر من عواقب التشريد والاندثار، ويشاع في البلاد، نظام حكم يقوم على الحرية والاختيار.

هل تُمسح دموع الأرامل، والثكالى، والعذارى فيشفى الجميع، من ذل الاغتصاب والانكسار، ويسود العفو، والتسامح، والتعايش، ونسيان كل الذي صار؟

وهل يعود اليمن الشقيق بأبنائه وأشقائه إلى عهد اليمن السعيد، فيعيد الصلة بمجده الخالد التليد، بعدما عاث فيه المفسدون، من دمار، وهدم، وتشريد؟

لهفي على اليمن واليمنية، هل ينزعون سيوفهم من الخصر، ويقتلعون، من حدائقهم، شجر “القات”، ويُنبتون بدله الورد والزهر، ويتناسون الطائفية المقيتة، والمذهبية المميتة، التي طالما قصمت منهم الظهر؟

هل يعي الجار، الذي جار، حق تمتع اليمن بسيادته، وحق اختياره لعبادته، وحرية انتخابه لقيادته؟ فقد جنى عليهم سلاح الأشقاء، وشماتة الأعداء، وخيانة العملاء من الأبناء، من الحمى يا ابن اليمن، إن لم تذد عنه فمن؟

وهل تشهد مصر الكنانة، في عهد العام الجديد، الخروج من كيد الخيانة، والعمل على حسن أداء الأمانة، ففي مصر الآلاف من المصريين الذين تغص بهم السجون، وهم في زنزاناتهم لا يحيون، ولا يموتون.

وخارج مصر، مشردون، مبعدون، ولا ذنب لهم إلا أنهم مصريون، مؤمنون، فمتى يعي أبناء مصر العزيزة أن بلدهم لا يضيق بالشرفاء من أبنائه، ولا يلفظ الصالحين من علمائه، ولا يأتيه الأذى –أبدا- من أحراره ونبلائه؟

متى تُجسد مصر شعارها القرآني النبيل الذي تستقبل به ضيوفها المسافرين:﴿… ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ [سورة يوسف، الآية: 99].

وفي غمرة التفاؤل الذي يغمرنا ونحن نستقبل العام الجديد، يتراءى لنا شعب عزيز عريق، يطل علينا كل يوم بالعنف الدامي، والجرح النازف النامي، فيذكرنا بمكانته في خارطة الأمة، ويسائلنا، إن كان لا يزال فينا، نحوه –بقية من همة. إنّ أيادي ليبيا البيضاء على الوطن العربي والأمة الإسلامية لا تنسى، فحرام علينا أن نترك هذا الشعب في غمرة الأسى، وهو الذي يتخبط في مأساته كل صبح ومساء.

إنّ الذي نعلمه عن شعب ليبيا، أنه شعب عربي مسلم، يملك كل مقومات الحياة، أعطاه الله بسطة في المال، وزاده وفرة في الخلُق، وميزه، بكل مقومات الطيبة، فكيف حاد عن كل هذه النعم، وخان ما لديه من الذمم، وسقط في مأزق مستنقعات الفُرقة، وعفونة القُمم؟

حرام -والله- على ليبيا، الوديعة، الطيبة الطبيعة، أن تذهب ضحية الكيد، والتآمر والخديعة

إننا كلما أردنا أن نتفاءل بالعام الجديد، كذّبتنا وقائع الواقع، المحكومة بالوعيد وقبضة الحديد.

ففي كل باقي بلاد العرب، والمسلمين، أعراض تأزم، نعيش نتائجها، ولا ندرك ملامحها، إنها ككتاب الأدغال، الذي يضم كل أنواع الحيوانات المتصارعة، ولا نستطيع أن نمسك بنوع، لنقضي على الصراع.

أو هي كالبحر، الذي ترقص الأمواج فوقه وفي باطنه صراع بين الأسماك الصغيرة والحوت الكبير، كما قال إيليا أبو ماضي:

يرقص الموج، وفي قاعك حرب لن تزولا

تخلق الأسماك لكن تخلف الحوت الأكولا

ليت شعري، أنت مهد أم ضريح؟

لست أدري!

كذلك هو الشأن في العراق، وفي السعودية، وفي تونس، وفي الجزائر، وفي المغرب، وفي موريتانيا، إنها، بحار كلها تعاني صراع الأسماك والحيتان.

فهل يستسلم اليأس، أمام كل هذه الأعراض الخطيرة التي تطبع سطح وطننا، وواقع أمتنا؟

ألا نعلق نوعا من التفاؤل، على هذا العام الجديد، وقد أطل علينا بشمسه الذهبية اللامعة، ليبدد بعض ما عانيناه من سحب العام المنصرم الدكناء؟

وأنّى لنا ذلك، إذا كنا نستقبل العام الجديد من أول يوم، وقد امتزجت فيه –في رحاب الحرم النبوي الشريف، أصوات المؤذن الندية، وهي تمتزج بأصوات الفنانين والفنانات المؤذية، فهل يجوز مزج صوت المقرئ الشيخ الحذيفي، الرخيم، بصوت ماجدة الرومي الرجيم؟

لقد انهزم –للأسف الشديد التفاؤل أمام اليأس، وهذه صورة لذلك نقتنيها من شاعر المنفى، أحمد مطر في تحيته للعام الجديد، بقصيدة عنوانها تفاؤل:

دق بابي كائن يحمل أغلال العبيد

بشع

في فمه عدوى

وفي كفه نعيٌ

وبعينيه وعيد

رأسه ما بين رجليه

ورجلاه دماء

وذراعاه صديد

قال: عندي لك بشرى

قلت: خيراً؟!

قال: سجِّلْ

حزنك الماضي سيغدو محض ذكرى

سوف يستبدل بالقهر الشديد!

إن تكن تسكن بالأجر

فلن تدفع بعد اليوم أجرا

سوف يعطونك بيتا

فيه قضبان حديد!

لم يعد محتملا قتلك غدرا

قوة الإيمان فيكم ستزيد

سوف تنجون من النار

فلا يدخل في النار شهيد!

ابتهج

حشر مع الخرفان عيد

قلت ما هذا الكلام؟

إن أعوام الأسى ولت، وهذا خير عام

إنه عام السلام

عـفط الكائن في لحيته

قال: بليد

وماذا يا ترى مني تريد؟

قال: لا شيء بتاتاً…

إنني العام الجديد!

 

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

المخاض الجزائري العسير، وضبابية المصير/أ. د. عبد الرزاق قسوم

    أمنا الجزائر الحبيبة، وقد دخلت غرفة العمليات، ووُضعت على طاولة مشرحة التحليلات، ودشنت …