الرئيسية | كلمة حق | أمة لا تقرأ هي أمة لا تتقدم!/ أ. د. عمار طالبي

أمة لا تقرأ هي أمة لا تتقدم!/ أ. د. عمار طالبي

كتبت في الكلمة قبل هذه عن القراءة من الناحية التربوية التعليمية حسب الأبحاث المعاصرة التي قام اللسانيون بها من حيث بنية اللغة الداخلية بما فيها من أصوات وحروف وكلمات وجمل ودلالات من حيث وظائفها من تبليغ وتأثير وما إلى ذلك.

فإذا كانت الشعوب القديمة عنيت باختراع الحروف والرموز والأشكال ابتداء من السومريين إلى الفراعنة إلى الفينيقيين الذي اخترعوا لنا الحروف، وعدلوا عن الصور والأشكال التي استعملها المصريون القدماء، فإن هذا العمل وما صاحبه من أصوات خطوة حضارية متميزة، فدونت العلوم والمعارف البشرية وحفظتها وتناقلتها الأجيال والأمم كاليونان وغيرهم.

وهذا ناشئ عن تعليم الله تعالى آدم الأسماء، أي جعل له قدرة على وضع الأسماء للأشياء وهي الخطوة الأولى في العلم، ثم إدراك حقائق هذه الأشياء وخصائصها، ومنافعها، وهذا سبيل الاكتشاف العلمي في حياة الأمم، والبحث قاطرة التقدم ورقي الأمم، ونحن الآن نعاني من العزوف عن القراءة، والاقتناع بوسائل الاتصال، والاشتغال بها آليا حتى يصبح الشاب آلة من أجهزتها مدمنا على ذلك ملغيا فكره وتأمله، خاضعا لما يملى عليه ويشاهده.

لا نربي أبناءنا على حب القراءة والشغف بها وتأمل الأشياء التي تحيط بهم لمعرفة خصائصها، وندربه على المشاهدة والتجربة والبحث.

إنني أحسب أن حسن القراءة في الابتدائي وما بعده والدربة على إخراج الحروف من مخارجها بطريقة صحيحة من أولى الأولويات، وهي مفتاح لكل العلوم الأخرى، ونشعر اليوم فيما نسمعه من أدوات الاتصال بالهمهمة في أغلبها، إلا من رحم ربك، فلا يكاد هؤلاء الذين نسمعهم يعبرون تعبيرا سليما فضلا عن كونه صحيحا مبينا، والمسؤول عن هذا هو المعلم الذي لا يقرأ أمام التلاميذ قراءة نموذجية يقتدون به في دربتهم وتداولهم للقراءة وتصحيح النطق، كما يفعل أصحاب علم تجويد القرآن في مراقبة مخارج الحروف والنطق بها نطقا صحيحا.

إن غرس حب القراءة والشغف بها لا سبيل إليه إلا طريقة المعلم في إلقائه وتلقينه.

تجد أمم أوروبا التي سافرنا إليها تقرأ في كل ظرف متاح في القطار، في المترو، في الحافلة، في المطعم، في المقهى، في المكتبة العامة، في الطائرة، في الحدائق العامة، في البيوت، ولو استطاع الشخص أن يقرأ وهو يمشي في الشارع لفعل ذلك.

فكم كتاب يقرأ أحدنا في الشهر مثلا، بل كم من صفحات يطالعها، تجد المكتبات التي تبيع الكتب مثلا في الولايات المتحدة تهيئ لك مقاعد وطاولات لتيسر لك القراءة لأي كتاب تأخذه بنفسك من الرفوف، بل تجده قريبا منك إذا أردت تناول قهوة أو تناول طعام.

تجد في المكتبة إعداد لذلك فلا تحتاج أن تغادر المكتبة إلى مكان آخر ليضيع منك الوقت الثمين، إذا أردنا إصلاح التعليم فالبداية إنما هي إعداد المعلم إعدادا جيدا، وتدريبه على الطرق العلمية السليمة في التربية والتعليم، ثم تأتي جودة الكتاب، وغرس الاستعداد في نفوس التلاميذ، وتدريبهم على التفكير، وعدم الاقتصار على الحفظ وحشو الذاكرة، الأمر الذي يؤدي إلى انغلاق الفكر، وتعلب الذاكرة، فلا يتدرب على التنبه إلى خصائص الأشياء ليكتشف بنفسه ويمضي قدما في هذا السبيل الذي يؤدي إلى الإبداع واستغلال الفكرة حتى لا يكون مجرد مستهلك للأفكار، وهذا ما ينبغي أن ينبه إليه المسؤولون عن شأن تكوين العقول المبدعة التي تسير في طريق البحث الذي هو كما قلت قاطرة التقدم والتنمية.

فليست المشكلة في عدد الأيام التي يقضيها الطالب في امتحان الباكالوريا، كأن ذلك يؤدي إلى جودة التعليم، فإن تجنيد بعض المؤسسات لحفظ الأمن وتهويل أولياء التلاميذ أمر هذا الاختبار ينبغي أن ينتهي، ويتعود الناس على أنه امتحان عادي كغيره.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

ما هو أساس السياسة؟/ أ. د. عمار طالبي

إن التاريخ السياسي للأمم يشير إلى أن الثقة بين الحاكم والمحكوم هي أوثق الموازين في …