الرئيسية | أقلام القراء | لا يصلح الأمر ويستقيم إلا بالتربية والتعليم…/ بقلم الأستاذ: محمد العلمي السائحي

لا يصلح الأمر ويستقيم إلا بالتربية والتعليم…/ بقلم الأستاذ: محمد العلمي السائحي

 

إن لوزارة التربية والتعليم في البلاد التي تعرف ما “للتربية والتعليم” من دور بالغ الأثر في حياة الأمم وبقائها وتطورها، أهمية لا تقل عن أهمية وزارة الدفاع فيها، لأنها تدرك أنه إن كانت وزارة الدفاع تتولى مهمة حماية الوحدة الترابية وسلامة حدود الوطن، فإن وزارة التربية مسؤولة عن حماية ما هو أهم، حيث تتكفل بحماية الوحدة الوطنية والدفاع عن مقومات الشخصية الوطنية، والانتماء الحضاري للشعب والأمة.

وتستمد وزارة التربية والتعليم أهمية دورها ذلك، من امتلاكها القدرة على التأثير في سلوكيات الفرد والجماعة، بما يجعل ذلك السلوك يرقى إلى أعلى مراتب الرقي الحضاري من حيث سمو المشاعر، ورفعة أساليب التعامل مع الذات والموضوع.

كما تستمد أهمية دورها ذلك من كونها تمتلك القدرة البالغة على ترويج المعارف، وتطوير أساليب التفكير وطرق العمل بما يجعل الفرد قادر على تولي وظيفة تؤمن له دخلا يمكنه من أن يستقل اقتصاديا عن أسرته، ويعول نفسه بنفسه، كما تؤمن للمجتمع إشباع حاجة من حاجاته التي لا تعد ولا تحصى، فتتحقق له أسباب الوجود والديمومة.

فوزارة التربية إذن تؤمن للمجتمع التربية السليمة التي ترتقي بأخلاقه وتسمو بها إلى المراتب العليا من الكمال، بما يجعل الفرد والجماعة تتوحد مشاعرهم، وتلتقي مشاربهم، وتطمح نفوسهم إلى الأحسن والأجمل، وتتعلق بالأمثل والأكمل، فيرق سلوكهم، وتشف أحاسيسهم، فلا تصبو نفوسهم إلا إلى كل جميل، ولا تخفق قلوبهم، إلا إلى العمل الجليل.

وهي أيضا تؤمن للمجتمع المعارف والعلوم والتقنيات التي يحسن به أساليب العيش والحياة، فيضمن لنفسه بها لينه ورفاهه، لأن ما يكفل للمجتمع تطوره الاقتصادي، ورقيه الحضاري من الناحية المادية هو مقدار ما يمتلكه من معارف وتقنيات، لكن حسن توظيف المجتمع لما يمتلكه من المعارف والتقنيات التي لابد له منها لتحسين ظروف حياته، رهن بما يمتلكه من قيم ومبادئ تشكل له إطارا أخلاقيا يضمن له السير على الطريق المستقيم، ويحول بينه وبين الانحراف عن السنن، ويجنبه الوقوع في مراتع السوء، ومزالق الهلاك.

فأهمية التربية لدى وزارة التربية والتعليم تتقدم على أهمية التعليم لأن التربية هي التي تشكل الضمير الإنساني، الذي يضمن لنا السير في الطريق السليم الذي يحمي الفرد من الانحراف والانجراف، ويقي المجتمع من أسباب ودواعي الصراع والخلاف، والضمير الإنساني ما هو في حقيقته، إلا مجموعة الضوابط الدينية والأخلاقية، التي يكتسبها الفرد من محيطه الاجتماعي، والتي تنتقل إليه عن طريق الأسرة والمسجد والمدرسة والمؤثرات الثقافية الأخرى، كالنادي والمسرح والسينما والنت والقنوات اّلإذاعية والتلفزيونية.

وليس هناك من ينكر أن ما يطرأ على المجتمع من آفات، ويلحقه من اختلالات، مرده إلى انحطاط الأخلاق، وتفكك القيم الضابطة للسلوك، فالبيروقراطية الإدارية التي أحالت حياتنا جحيما، سببها عدم احترام الموظف لمواعيد العمل فهو يأتي متأخرا، ويغادر مبكرا، مما يجعل الملفات تتراكم عوض أن تنجز أولا بأول.

وعلة عجز وقصور مستشفياتنا عن تقديم خدمات صحية راقية مرده إلى انعدام روح المسؤولية، أكثر من رجوعه إلى غيبة الوسائل والإمكانيات، مما يجعل الطبيب يتعامل مع المريض تعامله مع شيء مادي مجرد من المشاعر والأحاسيس، ويجعل الممرض يتعامل مع المريض بصلف وجلافة، غير مدرك لضعفه، ولا مقدر لحاجته في وضعيته تلك إلى حسن المعاملة.

وأزمة السكن ترجع هي الأخرى إلى انعدام روح الأمانة، وعدم احترام مواعيد الإنجاز وذلك بسب إسناد المشاريع على أساس المعرفة لا على أساس القدرة على الإنجاز وكفاءة التنفيذ.

إن الانحراف الأخلاقي هو الذي يجر كل المصائب والويلات على المجتمع وهذا ما جعل الشاعر العربي يقول:

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت

فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

ولذلك لا يحسن التدخل في قرارات وزارة التربية والتعليم، خاصة تلك التي ترمي إلى إقرار مبدأ، أو تقويم سلوك، فحين قررت الوزارة حرمان المتأخرين من اجتياز امتحان الباكالوريا، كانت تهدف إلى القضاء على سلوك استحال إلى وصمة تسم المجتمع كله، وهي سمة عدم احترام الوقت ومواعيد العمل، وذلك سلوك فضحنا بين أمم الدنيا وشعوبها، فضلا عن كونه سببا مباشرا لتخلفنا الاقتصادي وتأخرنا العلمي والتقني.

إن كل الآفات الأخلاقية التي بات يشكو منها مجتمعنا ويئن منها، من غش وتزوير، وتدمير للذات وقتل للآخر، وانتهاك للأعراض، ونهب للمال العام والخاص، وعدم احترام للقانون، وسوء تقدير للجماعة، وجرأة على الدين، وكفر بالرحم، وعقوق للأبوين، مرجعه ومرده إلى غفلتنا عن تقويم أخلاق أبنائنا، وتخلينا عن حسن توجيههم، إذن قد آن الأوان لأن تحزم وزارة التربية أمرها وتأخذ المسألة الأخلاقية في المجتمع مأخذ الجد، وأن تتخذ التدابير الضرورية التي تراها مناسبة لتصحيح الوضع وإصلاح الخلل.

نعم قد نختلف مع الوزير إيديولوجيا، ولا نتفق معها في الكثير من الأمور، ولكن ذلك لا يمنعنا من تأييدها فيما تتبناه من رغبة في ضرورة استرجاع هيبة المدرسة ومكانة العلم والمعلم، لأن ذلك يصب في مشرع الصالح العام ويخدم المجتمع والوطن…

ونحن نتفهم تفاجأ الوزيرة بما أعلنه رئيس الحكومة من كون رئيس الجمهورية قد أمر بإجراء دورة ثانية للباكالوريا هذا العام، لأن ذلك القرار ينسف من الأساس ما كانت ترمي إليه من إصلاح، وترمي إليه من تقويم…

والحقيقة إن هذا القرار وإن كان ظاهره الرحمة، فإن باطنه من قبله العذاب، حيث أن ظاهره هو منح فرصة ثانية للمتخلفين لأسباب وجيهة لاجتياز عقبة الباكالوريا، فإنه من جانب آخر سيحمل التلاميذ على استمراء هذا السلوك والثبات عليه، مما يجبر الدولة على ترسيم هذه الدورة الثانية، وفي ذلك ما فيه من الأعباء المالية والمادية التي يعي بأعبائها المجتمع برمته، فضلا عن كونه يرسخ سلوك التسيب واللامبالاة في المجتمع…

علينا إذن أن نأخذ مسألة التربية والتعليم بحزم وجدية، لأنها هي الأساس لاستقامة الأمر، وصلاح الأمة، وعلو الهمة، في هذه البلاد أو سواها…

 

 

 

 

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

رمضان…والإيحاء بروح التضامن الاجتماعي/ د. إبراهيم نويري

الحياة التي نحياها مُترعة بالابتلاءات والنقائص والهِنات، فهي لا تخلو من تقصير في حق إخوة …