الرئيسية | على بصيرة | كلمة رئيس الجمعية في افتتاح الجمعية العامة الخامسة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين/ أ.د. عبد الرزاق قسوم

كلمة رئيس الجمعية في افتتاح الجمعية العامة الخامسة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين/ أ.د. عبد الرزاق قسوم

 

المنعقدة بزرالدة بتاريخ: 13 ربيع الثاني 1440هـ/ 20 ديسمبر 2018م

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على حبيبنا محمد بن عبد الله، الذي ميزه الله واصطفاه، وعلى آله وأصحابه، وكل الأوفياء لنهجه، العاملين بسنته، المقتدين بقدوته.

أصحاب الفضيلة والمعالي والسعادة، كل باسمه وجميل وسمه، مع حفظ الألقاب.

أبناء وبنات جمعية العلماء الأصلاء الأوفياء، العاملين بإخلاص وصفاء، من أجل “إعلاء البناء، وتأصيل الأداء”.

سلام عليكم جميعا، وأهلا وسهلا بكم في رحاب الجمعية العامة الخامسة لجمعية العلماء.

أبدأ خطابي هذا إليكم، بالوقوف لحظة وفاء أمام ذكريات صفوة من إخوان، كانوا نجوما مضيئة في سماء العلم والعلماء، وكانوا يشعون بعلمهم وعملهم على هذا الفضاء، فغيبهم الموت وهو قضاء من أمثال الشيوخ عمار مطاطلة، ومحمد الأكحل شرفاء، وعبد الوهاب حمودة، والزبير طوالبي الثعالبي، ونوار جدواني، وغيرهم، فلا نملك اليوم إلا أن نرفع أكف الدعاء بأن يجعلهم الله في عليين مع النبيين، والصديقين والشهداء، والمصلحين والصلحاء.

أيها الإخوة، أيتها الأخوات؛

إن خطابي إليكم –اليوم- يكتسي طابعا خاصا، فهو أشبه ما يكون بخطبة الوداع، فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا.

وإن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، التي هي أم الجمعيات كما نعلم، فمن مبادئها ومنهجها، وخطابها الإصلاحي المعتدل، استلهمت جمعيات عديدة خطها وخطتها، وحيث إن جمعية العلماء، هي ملك لكم جميعاً، فمن حقكم عليها، أن تقدم لكم حصاد السنين، ومن واجبنا –كمسؤولين عنها- أن نطلعكم على واقعها، وتطلعاتها، وآفاق مستقبلها، بكل موضوعية ومنهج أمين.

لقد كانت جمعية العلماء، منذ نشأتها على يد الإمام عبد الحميد بن باديس، والذين معه، كانت ولا تزال –إن شاء الله- تتميز بالخطاب الإسلامي الوطني الملتزم بقضايا الإسلام بفهم دقيق، وسلوك عميق، وبقضايا الوطن، بتشخيص سليم وعلاج قويم، وبقضايا الأمة العربية الإسلامية بمنهج أخوي تضامني صادق، وبموقف إيجابي إصلاحي فائق.

ففي هذا السياق، يجب أن يندرج عمل جمعية العلماء.

وفي عودة الجمعية إلى الميدان على يد عالمنا الجليل، أحمد حماني، وثلة من إخوانه منهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا. منذ ذلك الحين والجمعية تعمل جاهدة في سبيل المساهمة في النهوض بالوطن، في ضوء منهج إسلامي إصلاحي، أصيل، يعمق معنى المرجعية، ويسمو بمعنى الوطن والوطنية.

وقد خَلف شيخَنا أحمد حماني، شيخنا الجليل عبد الرحمن شيبان، الذي عمل على تثبيت قيم ومبادئ الجمعية في كل ميدان. وعندما استلمتُ منه الجمعية، بتزكية  منكم عملتُ بمساعدتكم، وتشجيعكم على تعميق المعاني النبيلة للجمعية، بتثبيت بنود منهجها، والتمكين لإشعاع خطابها.

وبتوفيق من الله، وتجنيد من أبناء وبنات الجمعية، وتشجيع من شعبنا، استطعنا أن نجلّي وجه الجمعية في ما يميزها، وهو التربية والتعليم، فواصلنا بناء المدارس والمعاهد، التي أصبحت –والحمد لله- موجودة في كل ولاية، وأكاد أقول في كل بلدية، وذلك محاولة منا، ملأ عقل الطفل في بلادنا، بالعلم النافع القائم على القرآن، وبالسلوك الإسلامي، الذي به تبنى الأوطان، فأحدثنا في شخصية أبنائنا التوازن المفقود، والوعي الوطني المنشود، ويمكن القول بأننا لدينا اليوم هذا الجيل الصاعد الوفي للعلماء الأماجد، والشهداء الخوالد.

كما يمكننا القول بأن جمعيتنا قد استكملت هيكلة تنظيمها في جميع الولايات، وهذا المشهد الجميل والجليل الذي تصنعونه اليوم، خير دليل على ذلك.

إن جمعيتنا تملأ الساحة بخطابها الإسلامي المعتدل، في الجامع وفي الجامعة، وتملأ الإعلام المتزن في القنوات والصحف، والمجلات.

وسيقدم إليكم، المختصون في كل ميدان، وبالتفاصيل والإحصائيات كل أنشطة الجمعية، ماديا ومعنويا، لإخضاعها للنقاش والمحاسبة.

وحسبنا أن نذكر على سبيل المثال بعض الإنجازات مثل، الملتقيات الوطنية، والدولية التي عقدت في مختلف أنحاء وطننا، وفي مقدمتها العاصمة، والبرج، وتلمسان، وها نحن نستعد لعقده -إن شاء الله- في بجاية، مدينة الحضارة والعلم. كذلك تنقل المكتب الوطني إلى الولايات المختلفة للاحتكاك بالواقع الشعبي من خلال المساجد والأعيان، والأجيال الصاعدة، وحتى الملاعب بتقديم خطاب إسلامي متميز، يطبعه التسامح والاعتدال، والانفتاح على المخالف، بمقاومة الغلو والتطرف والتشدد، والعنف بجميع أشكاله، وقد آتت هذه التجربة نتائجها الإيجابية والحمد لله، ويكفي أن نشير هنا إلى الحملات التحسيسية التي تظمنتها بعض الشُعب، كقسنطينة، وسطيف، لمقاومة العنف في الملاعب، ومحاربة القول الفاحش في المحيط، وقد جلبت هذه العملية التوعوية أيضا نتائج عظيمة.

وبالرغم من أن جمعية العلماء ما فتئت تعلن عن نفسها بأنها لا تنتمي للحزبية، ولا للسياسة بمعناها المتحزب، إلا أنها كانت حاضرة في كل القضايا الوطنية، تدلي بدلوها بالنصح والتوجيه، والنقد البناء بما يعود على الوطن، وعلى الأمة بالخير العميم، ذلك كان شأنها في التنديد بالفساد والمفسدين، وفي التنبيه إلى أي خلل في منهج التكوين، بواسطة ما قامت به صفحتنا ومجلاتنا؛ كالبصائر، والشاب المسلم، والتبيان، والمقدمة، والصفحة الفيسبوكية، وكلها كانت محطات للتواصل مع كل فئات  شعبنا، ولاسيما الشباب، فقد تصدينا إلى بعض القضايا التي حاول البعض إشغالنا بها كقضية العامية بدل الفصحى، وقضية حذف البسملة، وقضية النقاب، وقضية المساواة بين الجنسين في الميراث، وقضية الأمازيغية.

وكان موقفنا في كل هذا هو أن شعبنا لديه ما هو أهم من النقاب، والحجاب، والميراث.

كما أننا بينا أن الأمازيغية، مكون أساسي من مكونات هويتنا وشخصيتنا، فلا يجب أن تتخذ الأمازيغية كقميص عثمان، فالعناية بها تبدأ من تخليصها من الباحثين الأجانب، وتوحيد لهجاتها من الأكاديميين، وكتابتها بالحرف العربي، الذي يوحّد كل الجزائريين.

على أن نشاط الجمعية لم يبق حبيس العمل داخل الموجود، ولا ظل اهتمامنا ضيقا داخل الحدود، بل كان اهتمامنا بواقع الأمة العربية الإسلامية في محنتها، ومعاناة شعوبها، وما تلاقيه من تقاتل وتصادم وتنازع وتنابز، فلم تَأْلُ جهدا في الدعوة إلى التعقل والحكمة، والمصالحة بين الإخوة المتنازعين، بل وذهبنا إلى أبعد من ذلك، بإعلان استعدادنا إلى بذل الوساطة، بجمع وفود من علماء الأمة لإصلاح ذات البين، داخل الأمة الواحدة.

ولم يقتصر عملنا على النداءات، بل ساهم علماء الجمعية في الملتقيات التي كانت تعقد هنا وهناك، لتشخيص الداء ووصف الدواء.

وإيمانا منا بأن بعض قضايا أمتنا، قد تجاوز مستوى الأقوال إلى الأفعال، كقضية فلسطين، فقد قامت جمعية العلماء بتجهيز قوافل إغاثة حملت الدواء، والكساء، والغطاء، والدواء، ووسائل الشفاء، ومعظمها وصل إلى مستحقيها من أبناء فلسطين، وفي غزة بالذات.

ولكن كبا بنا الجواد في آخر قافلة، فمنعنا من إدخال القافلة وفيها أجهزة العتاد الطبي، وهو إسعاف إنساني يحتاج إليه المستضعفون، ومع ذلك فإن هذا لن يثنينا عن مواصلة الجهد التضامني، سواء مع فلسطين أو مع إخواننا الروهينغيا المضطهدين بسبب عقيدتهم، والذين أوصلت إليهم الجمعية قافلة من الإعانات النقدية والغذائية والطبية، وكذلك إسعاف إخواننا الصحراويين في مخيمات تندوف.

وكل هذا الذي تم إنما تم بفضل سخاء المحسنين من أبناء شعبنا، الذين لم يبخلوا بتقديم كل أنواع العون بكل سخاء وعطاء.

أيها الإخوة، أيتها الأخوات!

قد تعجبون عندما تعلمون، بأن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وهي تقوم بهذا العمل العلمي العالمي العظيم، لا تملك ميزانية من الدولة، أسوة بباقي الهيآت، ولا تملك المقر اللائق بها، وهي التي قدمت أملاكا وقفية كثيرة للدولة.

فقد بحت أصواتنا، وجفت أقلامنا من شدة المطالبة بإنصافنا كأهم جمعية في هذا الوطن، بإعادة أملاكنا الوقفية على الأقل وتمكيننا من مكان يليق بقيمة الجمعية، وما استثنينا من مطالبنا هذه أي مستوى من مستويات الدولة، بدءا بالبلدية، وانتهاء بالرئاسة.

وسنظل نطالب بهذا الحق، الذي نعتقد بأنه من أولويات حقوقنا في وطن ينعم –والحمد لله- بكل الإمكانيات.

ولم تسلم جمعية العلماء وهي تخوض جهادها بالكلمة من التصنيفات الدنيئة، والاتهامات السخيفة للجمعية ولعلمائها، من تلفيق قصص الإفك والأكاذيب، ولقد كفتنا وقائع التاريخ بإفحام الكاذبين، والمرجفين في المدينة، وتقول لهؤلاء لقد بان الصبح لكل ذي عينين، “طلع الصباح فأطفئوا القنديلا”.

أيها الإخوة أيتها الأخوات!

إن جمعية العلماء وهي تعقد جمعيتها العامة الخامسة اليوم، تستند في حصيلتها إلى الأعمال لا إلى الأقوال، ففي كل ولاية وفي كل بلدية وفي كل بيت وفي كل مسجد وفي كل معلم علمي، وفي كل معلم عالمي، شاهد أو شواهد على وجود جمعية العلماء، وتقول للجميع هذه أعمالنا وتلك أقوالهم.

على أن الأمانة تقتضينا أن نقول، بأن جمعية العلماء رغم ما حققت من إنجازات على مختلف الأصعدة، لا تزال تتوق إلى تحقيق المزيد من الإنجازات.

فهي في حاجة إلى إعلاء البناء الهيكلي للجمعية، وتحصينه بالوعي، والعزم، والحزم، وهي في حاجة إلى استقطاب الكفاءات العلمية لأنها جمعية لا تقوم إلا بالعلم والعلماء، وهي تطمح إلى فتح قناة فضائية ملتزمة بقضايا الوطن، والأمة، والإنسانية، وإلى فتح معاهد متخصصة، وجامعة تسمو بالبحث العلمي، إلى المستوى العلمي العالمي المطلوب، وإن هذا لن يتحقق إلا إذا تجندت حول الجمعية كفاءات علمية واعية، وإمكانيات مالية كافية، وإرادة فولاذية عالية تطبع ذلك كله، ثقافة تنظيم، وتنسيق أداء، ومنهج انضباط، وما ذلك على الله، وعلى شعبنا ببعيد.

فيا أبناء وبنات جمعية العلماء!

إن الجمعية أمانة الله في أعناقكم، وعهد ابن باديس في ذمتكم، فاحفظوا الأمانة واسموا بها نحو إعلاء البناء وتأصيل الأداء.

وإلى القائمين على الشأن الوطني في بلادنا نقول لهم أن الجزائر أمانة المجاهدين والشهداء والعلماء في أعناقكم، فصونوها من الفساد والمفسدين، وضعوها في أيدي الوطنيين المخلصين، الملتزمين، وحصنوها، بالعلم والخلق المتين، وخلصوها من أيدي العابثين والانتهازيين.

وإلى قادة الأمة الإسلامية، نقول بأن الأيام صحائف، وإن الخلود للمصاحف، فخلدوا جميل الذكر، في هذه الصحائف بالاقتداء بأحكام المصاحف.

كفى شتاتا! كفا صداما! كفى تقاتلا! إن المسلم ضعيف بنفسه، قوي بإخوانه، وإن هذا الشتات والضعف، قد أطمع فينا الأعداء، وزهد فينا الحلفاء.

فليس العيب أن نخطئ، وإنما العيب أن نبقى مصرين على الخطأ.

إن الأمانة أمانة ثقيلة فصونوها، وحصنوها.

هذا لكم عهدي به، اللهم إني قد بلغت… فاللهم فاشهد.

سدد الله خطاكم، وحقق آمالكم ومبتغاكم.

والسلام عليكم.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

تأملات بصائرية في الانتخابات الجزائرية/ أ. د. عبد الرزاق قسوم

يُقدم الجزائريون والجزائريات على موعد الاستحقاقات الرئاسية القادمة، وفي أجسادهم رعشة، وفي عقولهم دهشة، فهم …