الرئيسية | على بصيرة | الخامس من يوليو: بين حرية الإرادة، وتجسيد السيادة/بقلم الأستاذ الدكتور عبد الرزاق قسوم

الخامس من يوليو: بين حرية الإرادة، وتجسيد السيادة/بقلم الأستاذ الدكتور عبد الرزاق قسوم

 

 

عندما أذّن مؤذن الخامس من يوليو عام 1962م، بميلاد فجر جديد، أذّن معه مؤذن آخر، بميلاد دولة، بعد قرن وربع من ليل طويل، محلولك الفصول والحلقات، دامي الملاحم والصدامات.

أُذِّن – ) إذن(- للذين يقاتلون بأنهم ظلموا، فكُلّل جهادهم بالنصر المبين، وعدوان أعدائهم، بالخسران المشين.

عادت الدولة الجزائرية، إلى الظهور من جديد، مستأنفة دورها السياسي، بعلَم مرفوع، وجيش متبوع، وحكم مسموع، ورئيس مطبوع، مما يتطلب حرية إرادة، وإسلاس قيادة، وتجسيد سيادة.. وقدسية معتقد، وثقافة وعبادة.

واليوم، وبعد انقضاء ما يزيد على ستة عقود من الحدث التاريخي المشهود، ألا يحق لنا، أن نُخضع، ما تلاه من محطات ومراحل، لتأمل غير معهود؟

تواجهنا في هذه التأملات، أسئلة عديدة، تسائل ضمائرنا، وتقضّ مضاجعنا، وتوخز مشاعرنا، فتجعلنا نسائل أنفسنا!

ماذا حققنا، من إنجازات ما وعدنا به علماءنا، وشهداءنا، وزعماءنا؟

هل وفّينا، لأسلافنا، بتحقيق عهد السيادة، وتعميق حرية الإرادة، والقضاء على كل معالم الغزو، والانسلاب في ثقلفتنا، وفي اقتصادنا، وفي كل معالم المعتقد، والعبادة؟

هل محونا معالم القبح الثقافي من مُحيطنا، ومظاهر الانسلاب، من ألسنتنا والكتابة الغربية من مَخيطنا؟

ماذا فعلنا بالطفل الجزائري البريء، لتجميل سُحنته، وترشيد شُحنته، والقضاء على محنة هويته، ومحنته؟

إنه ليحزننا –أن نلاحظ- أنه لا شيء من هذا قد تحقق، فليس الاستقلال علَما، وحكومة، وجيشا، وعُملة، تتداول في المحافل والأسواق، ولكن الاستقلال الوطني الحقيقي، هو ترجمان للأشواق، وتحكّم في سمو الفكر، وسلامة الأذواق، وإنه، أي الاستقلال، بناء للمواطن الواعي والراعي لقيم الثقافة، ونبل الأعراق، كي نمكّن لبعدنا الحضاري من البزوغ والإشراق.

فطالما لم، ننجح في بلورة المعْلـَم الجزائري الصحيح، في حسن التعبير، وترشيد التسيير، وإشاعة السلوك الوطني، في التعامل ووضع المصير، والنأي بهذا المواطن، عن كل مظاهر العنف، وسوء التبذير، لطالما نحن لم ننجح في كل ذلك، فكبّر علينا وداع التكبير، وهيئ لنا التبن والبرسيم والشعير.

سيُطل علينا الشهداء بأرواحهم الطاهرة، من علو سمائهم، لينظروا ماذا نحن فاعلون بعهدهم، ومجدهم في التربية والتعليم، وفي الاقتصاد والتصميم، وفي البناء المعنوي، والترميم، وفي التخطيط والتقويم.

فلا تزال البطالة في جميع المستويات، تضرب بأشباحها في أعماق مجتمعنا، ونحن أمّة النفط والفلاحة، والمناجم، والمعْلم الجميل.

فكيف، ضيّعنا هذه الكنوز الثمينة؟ وعبثنا بما تدره علينا ثرواتنا من ملايير ومعادن دفينة؟ وقضينا على احتياطنا من العملة المحلية، والعملة الصعبة الرزينة؟ وها نحن نلقى بشبابنا إلى أتون المغامرات، في الجبال، وفي البحار، وعبر السواحل الغربية الهجينة، بواسطة القوارب، والشاذ من السفن المليئة بالمفاجآت الحزينة.

يطل علينا، عيد الاستقلال السياسي –إذن- فيلهب مشاعرنا، بهذه التأملات المقترحة المليئة، بالأشجان والأحزان، إنه موعد ينبغي أن يكون رادعاً لكل حاكم واع، ولكل محكوم ساع، ليتساءل معنا إلى أين؟ ومتى يحين الحين، لتتجاوز كل هذه المحطات، المزروعة بالأشواك، المشكلة من قيود الإذلال والتهديد بصندوق النقد والدَّيْن؟

فويل لأمة كثر أباطرتها، وازداد سماسرتها، وتضاءل مثقفوها ودكاترتها؟

وويل لوطن، كبله الغلاء، وطوقه الوباءـ واستبد به الغباء، فضعف فيه الإبداع والنماء، وجفت فيه الأرض والسماء، فندر الدواء، والكساء، والغذاء، والغطاء!

نقول هذا، في جزائر العلماء، والشهداء، والأدباء، والحكماء، ولكنهم تحولوا جميعاً إلى نوع من الغثاء، لا يملكون إلا الدعاء، كي ينقذ الله الوطن مما يحيط به من البلاء.

فهل يتنادى الجميع، إلى هبّة نوفمبرية تعيد الأمل لليائسين البؤساء؟ وهل يبزغ شعاع الأمل في نفوس الوطنيين المخلصين، من المجاهدين، والعاملين، كي يعيدوا القطار إلى الخط الصحيح، بمنهاج وطني صريح، وبلسان عربي فصيح، بعيداً عن الرمزية والتلميح؟

إننا قوم نؤمن بأن الجزائر، تحتوي على أنواع شتى من الكنوز، وأن الخبر فيها من الصبي إلى العجوز، ومن أرض منتجة إلى الأرض “الجروز”.

فإذا كان تشخيص الداء، هو نصف الدواء، فإن الوعي بما نعانيه، من فتن وأزمات تجعلنا نقدم على تجاوز المحن والنكبات لنصنع المستقبل السعيد، لما هو آت.

وإننا لواثقون من أن المستحيل ليس من مفردات قاموسنا، بل إن الممكن هو الذي يفتح أمامنا، بصيص النور، وشعاع الأمل. ونعتقد أن هذا الممكن لن يصبح قابلاً للتحقيق إلا إذا أحبط بضمانات عديدة، لعل أبرزها:

  • عقد الحزم والجزم، بعد فقد العزم على إحداث القطيعة مع ممارساتنا السابقة على جميع الأصعدة، وفي كل الميادين.
  • الإعلان عن التغيير الشامل بكامل أنواع منظوماتنا السياسية والاقتصادية، والثقافية، والاجتماعية، كي يفسح المجال، أمام الكفاءات حتى وإن اختلقنا معها، ومع حرية التغيير، والاقتراع، حتى وإن آلمتنا وأوجعتنا.
  • تشجيع المبادرات الاقتصادية، بفتح المجال أمام رأس المال الوطني الخاص، والضرب بأيد قانونية من حديد على كل المضاربين، والمتلاعبين، بالعملة المحلية، والعملة الصعبة، وفتح مكاتب شرعية للتعامل بكل شفافية أمام الله، وأمام العباد.
  • حماية المجتمع، ولا سيما الشباب من كل أنواع العنف المادي والمعنوي، بتشجيع الشباب، بعيداً عن المغامرات والمناورات الملتوية، وتمكينه من العمل، بتشجيع إبداعه، والقضاء على آلامه وأوجاعه.
  • إعادة النظر في منظومتنا التربوية بتعميق منهجها، وتأصيل مبدئها، وتمكينها من صنع جيل، جزائري الانتماء، إسلامي الاقتداء، عربي الأسلوب والأداء، ليبني المستقبل الأفضل بالمواطن الفاضل، المؤمن، الواعي، الصادق الإيمان والوعي والوطنية.

إن هذه العوامل، لو أتيح لها أن تتحقق، وأن تتعمق في مستويات أجهزتنا، لكفيلة من أن تحدث التغيير المنشود، الذي رسمته لنا ثورة نوفمبرية، وجهاد النوفمبريين، وإننا لواثقون، من أن المستقبل الأفضل يمكن أن يتحقق بدون عناء.

يومها –فقط- يمكن أن نحتفل بعيد الخامس من يوليو، وعيد الفاتح من نوفمبر، وكل الأعياد الوطنية والدينية، بعقل مطمئن، وقلب آمن، وإرادة حرة لتعميق معنى السيادة، وتجسيد معنى حرية الإرادة، وضمان مفهوم ومدلول القيادة، فتتكامل الحرية السياسية، مع السيادة الوطنية، وذلك هو الحلم الذي كان يراود الشهداء، ويهفو له اليوم المخلصون من الأبناء، وهو يومئذ يفرح المؤمنون ينصر الله ينصره من يشاء.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

القول المدروس في تهافت دعاوى الشيخ فركوس/أ.د. عبد الرزاق قسوم

ما كنت أحسبني، أحيا إلى زمن، أُظطر فيه إلى التردي في هذا الدرك الأسفل من …