الرئيسية | حديث في السياسة | مسألة النقاب فقهية أم سياسية؟/ التهامي مجوري

مسألة النقاب فقهية أم سياسية؟/ التهامي مجوري

كل من له أدنى معرفة بالفقه الإسلامي، يعرف أن قضية نقاب المرأة مسألة فقهية، وهي مسألة خلافية بين الفقهاء منذ مئات السنين، إذ منهم من يرى بوجوب ستر الوجه خوف الفتنة، ومنهم من يرى إباحة الكشف عنه على اعتبار أن الوجه ليس بعورة.

ولكن عندما نرى بعث هذه المسألة من مرقدها، في زمن ما من غير مبررات موضوعية، فإن الزمن يصبح هو المقصود وليس المسألة لذاتها..وإلا لماذا تثار هذه المسألة في هذا الوقت بالذات؟ ولماذا تثار بتعليمة تأتي إلى بعض المؤسسات الرسمية مصدرها الوظيف العمومي؟ وهل انتهينا من حل كل مشكلات الموظفين ولم يبق إلا نقاب المرأة؟ وهل من صلاحيات الوظيف العمومي البت في المسائل الفقهية؟

كل هذه التساؤلات تفرض على المرء أن هناك شيئا آخر دخل على الخط غير الفقه، الذي من مهامه الأساسية البحث في الحلال والحرام، وعلاقة المسلمين بدينهم وصلتهم بربهم سبحانه.

فمن حيث المبدأ ليس من مهام الوظيف العمومي الخوض في المسائل الفقهية المتعلقة بسلوك الموظفين، وحتى إذا كانت من انشغالاته لابد من أن يعود إلى أهل الاختصاص، وزارة الشؤون الدينية والأوقاف والمجلس الإسلامي الأعلى وجمعية العلماء والزوايا…كل ذلك لم نسمع عنه، وإنما ما وصل إلى الجمهور هو أن الوظيف العمومي هو الذي حسم في الموضوع بتعليمته إلى القطاعات العمومية.

ثم ما هي نسبة المنقبات في المجتمع الجزائري؟ وما هي نسبة المنقبات التي لها علاقة بالوظيف العمومي من منقبات الجزائر؟ وهل هذه النسبة تستحق هذا القرار الذي يوحي “بالموقف المؤدلج” من المنقبات؟

على كل حال ما يصل إليه العاقل بعد تقليب الأمور في هذا الموضوع، أنه لا علاقة له بحقائق الأمور ولا بحماية المجتمع ولا بالحرص على الاستقرار الاجتماعي، وإنما هي إثارة “لموضوع بايت”، يريد باعثه من ورائه –وقد يكون الوظيف العمومي ضحية هو الآخر- أن يشغل الناس بما لا جدوى من إثارته؛ بل إن إثارته توصلنا في النهاية إلى نتيجة أن المسألة خلافية ولا يمكن فرضها على المجتمع بقرار فوقي وإلا اعتبر الأمر تدخل غير مشروع في الحريات والخيارات الشخصية.

وحتى إذا فرضنا جدلا أن الموضوع من انشغال المجتمع، فلابد من النظر في الانشغالات وفق رزنامة أولويات، لأن هناك من  يشتكي من عري النساء اللائي لا يحترمن الذوق العام ولا يراعين العرف الاجتماعي، وهناك من يرفض ألبسة معينة من الألبسة التي لا تليق بالإدارات العمومية، وهناك سلوكات لا أخلاقية في الإدارة العمومية مرفوضة وهناك معاناة يومية للمواطن في تعامله مع الإدارة..وهناك..وهناك..

ومع ذلك إذا كان هناك أهمية لإثارة الموضوع وجدية في تناوله، لابد من عرضه في أطره الطبيعية الرسمية والشعبية، لأن هذه المسألة لها بعد ديني، وآخر اجتماعي لعلاقته بالعرف، وآخر يمس بالحريات الشخصية..وهلم جرا.

لكن يبدو أن هذه المسألة كغيرها من المسائل التي يراد لها أن تشغل الرأي العام عن المسائل الجادة وصرفها إلى مشكلات وهمية لا تقدم ولا تؤخر، لاسيما وأن الكثير من قضايا المرأة مثارة اليوم عند جيراننا، مثل مسألة الميراث وغيرها من قضايا المرأة، مثل الطلاق، تعدد الزوجات…إلخ.

الغاية من إثارة هذا الموضوع في تقديري ليست بريئة؛ لأن الموضوع لا يمكن فصله عما يدور هذه الأيام وقبلها فيما يتعلق بالأحوال الشخصية عموما والمرأة والأسرة وكل ما يمت بصلة للمسائل التقليدية الاجتماعية..وكما قال الرئيس التونسي منصف المرزوقي، إن ما يثار حول مسألة الميراث في تونس أنه عبارة عن لفت انتباه التونسيين عن همومهم الحقيقية.

عن المحرر

شاهد أيضاً

عن المولد أحدثكم/ التهامي مجوري

في مثل هذه الأيام من كل عام، يتحدث الناس عن المولد النبوي الشريف، وعن مدى …