الرئيسية | قضايا و آراء | هموم المفكرين والتطلّع للنهوض بواقع الأمة/ د. إبراهيم نويري

هموم المفكرين والتطلّع للنهوض بواقع الأمة/ د. إبراهيم نويري

إن واجب المفكرين اليوم حيال واقع أمتهم واجب خطير وجسيم حقا. وإنني أرى أن الدور الذي ينبغي أن يضطلع به اليوم مفكرو أمتنا الإسلامية الكبيرة، وهو الدور ذاته الذي قام به – في القرون الستة الأولى – الفقهاء والمجتهدون من أصحاب المدارس والمذاهب..فإذا كان العمل الكبير والجبار الذي أنجزه الفقهاء والمجتهدون يتعلق أساسا بالمجال التشريعي، وتأسيس الإطار التنظيمي والتنظيري للمجتمع والدولة، وما تفرّع عن ذلك أيضا من أقضية ومسائل ذات صلة بالتركيبة الداخلية للمجتمع الإسلامي، كمسألة الضبط التشريعي لحقوق وواجبات غير المسلمين في المجتمع الإسلامي، ومسألة المواطنة والحرية الفكرية.. إلخ، أو ذات صلة بعلاقات الدولة الخارجية، فإن عمل المفكرين وجهدهم اليوم ينبغي أن يتركز في المقام الأول حول دائرة رفع التحدي الحضاري الذي يؤرق واقع أمتنا المسلمة..

وليس من شك أن بدء السير في هذا الطريق إنما يكون أولا بمعاينة المرض وتحديد بداية خط الانحراف في مسارنا التاريخي والفكري والحضاري، ولا ريب أنه مع تمثّل الحرقة الشعورية الصادقة، واكتساب آفاق الرغبة الحقيقية في تجاوز عقبات التخلف والانحطاط والتراجع، وشحذ الهمّة والعزيمة من أجل إيقاف نزيف التآكل الذاتي الداخلي، سوف تبدأ النتائج الإيجابية في الظهور التدريجي.

أمر آخر نرى أنه من الأهمية بمكان، والمتمثل في ضرورة استخدام أدوات ومناهج هذا العمل الكبير، إذ لابدّ من التسلح بجملة من الأدوات والمناهج الكفيلة بتحقيق الغايات والأهداف المطلوبة، ذلك أن التراكم في الجهود، أو العمل العشوائي لا يفضي إلى المأمول من النتائج، وهذا ما أثبتته جلُّ تجارب البناء الحضاري ومشروعات التغيير عبر التاريخ.

وفي هذا الخصوص يقول الدكتور عبد الحميد أبو سليمان:”على مفكري الأمة وعلمائها ومثقفيها أن يعلموا أن المسؤولية في وضع الأمة على جادة القدرة والتقدم تقع على عواتقهم قبل سواهم، وأن سواهم في ذلك إنما هو تبع لرؤيتهم ومشورتهم، وإنهم بقدر صمودهم وصبرهم ونجاحهم في تقديم الرؤية والمشورة الصحيحة ووضعها بالأسلوب العلمي السليم المقنع، بقدر نجاحهم في تحريك الأمة لخدمة رسالتها وبناء حياتها.

إن مدى تحرّك الأمة نحو القدرة الإسلامية المبدعة لبناء الحياة هو مقياس نجاحهم في أداء دورهم وأداء واجبهم، وبقدر تقصيرهم في إنجاز هذا الدور، بقدر ما تتعاظم معاناة الأمة ويزداد تخبطها واستعصاؤها على الاهتداء إلى الجادة وبناء الحياة  “.

كيف السبيل ؟

إن تخلف أمتنا وبعدها عن التأثير العالمي ليس قدرا مقدورا لا يمكن صدُّه أو تغييرُه، ولكنه ظاهرة أو مشكلة لها أسبابها الموضوعية، فإن وُضعت تلك الأسباب تحت الدراسة العلمية المعمّقة، أمكننا الوقوف على تفاصيل المشكلة وإدراك جوانبها المختلفة، وبذلك نكون أيضا قد وضعنا جهودنا ووقتنا على عتبات الطريق الصحيح، لأنه من الطبيعي أن يمثل مجرد الإحساس بالمشكلة وعيا متقدما، إذ أنّ الخطر الحقيقي يكمن في استمرار الغيبوبة القائمة على تجاهل (الواقع: المشكلة) والاطمئنان لحالة التكديس والتراكم الناجمة عن إبداع وفعالية الآخر الثقافي والحضاري .

فالعقلية الاستهلاكية المتماهية أو المنسجمة مع إبداعات وعطاءات       ومنجزات الآخرين في شتى المجالات، هي بهذا المعنى جزء أساس من تفصيلات وفروع المشكلة الأم .

وللأمانة نقول: لقد بُذلت في هذا الطريق خلال السنوات والعقود الأخيرة – لاسيما على مستوى التشخيص والتنظير ـــ مجهودات خصبة خيّرة لكثير من المؤسسات والمنظمات، وكذا لبعض الأفراد، ويمكن الإشارة على سبيل المثال لمجهودات وتنظيرات المعهد العالمي للفكر الإسلامي بوصفه أنموذجا رائدا في بذل الجهود والاجتهادات المتلاحقة، المتعلقة بواقع أمتنا ومشكلاتها الكثيرة التي أدت بها إلى ما هي عليه الآن، وكذلك مجهودات رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، وغير ذلك من الجهود والرؤى والاجتهادات النوعية النافعة.

وعلى المستوى الفردي نشير إلى مجهودات مالك بن نبي ومحمد إقبال وسيد قطب والشيخ محمد الغزالي ومحمد عمارة ووحيد الدين خان وطه جابر العلواني وغيرهم .

لعلّ قائلا متشائما يقول: بما أن الجهود تلاحقت عبر القرون والسنين والأيام  وظلّ واقع الأمة لا يسر، بل أحياناً يثير اللوعة والأسى في النفوس، فما الفائدة إذن في مواصلة تلك الجهود المضنية؟

والجواب على ذلك ميسور سهل، وهو أن تجديد الأمم السادرة وبعثها من رقادها وغيبوبتها الطويلة، ليس بالأمر الهيّن، وهو ما أثبته جميعُ مَن درسوا أفكار النهضة والانبعاث الحضاري لدى سائر الأمم.

ولكلّ من أراد التأكّد فليراجع على سبيل المثال الكتب الآتية: شروط النهضة لمالك بن نبي/ قصة الحضارة لويل ديورانت/ سر تأخر العرب والمسلمين للشيخ محمد الغزالي/ السنن النفسية لتطور الأمم لجوستاف لوبون / أسس التقدم عند مفكري الإسلام لفهمي جدعان … إلخ

والله وليّ التوفيق .

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

الديمقراطية تبدأ من الأسرة؟!/ جمال نصر الله

  كثير من الناس يقفز على ألسنتها هذا المصطلح (ديمقراطية) ويتردد حضوريا في الحياة العامة، …