الرئيسية | وراء الأحداث | جمال خاشقجي… جريمة ثابتة، وروايات متناقضة !/ عبد الحميد عبدوس

جمال خاشقجي… جريمة ثابتة، وروايات متناقضة !/ عبد الحميد عبدوس

أن تستطيع قضية اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي أن تتصدر الساحة الإعلامية في العالم على مدى أكثر من ثلاثة أسابيع، رغم زحمة الأحداث الدولية، فذلك أمر معبر عن أهمية الكاتب الراحل في الوسط الإعلامي العربي والإسلامي والدولي من جهة، وعن بشاعة الجريمة التي هزت الضمير العالمي، من جهة أخرى.

ومع تطور التحقيق في ملابسات الجريمة، تدرجت الرواية السعودية عن اغتيال خاشقجي من الإنكار إلى التضليل إلى التوقف عند نصف الحقيقة بالكشف عن القتلة، وإخفاء هوية الآمر بالقتل.

وكلما استمعت إلى ترهات المرتزقة من كتيبة النفاق الإعلامي للدفاع عن الرواية السعودية، تذكرت النكتة التي رواها لي الدكتور عمار طالبي ـ حفظه الله ـ عن ذلك “العالم” الذي كان يحاضر في ملتقى علمي في الرياض، وتعمد الاستشهاد في محاضرته بحديث ضعيف عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وعندما سئل عما دفعه لذلك، قال: صحيح رويت حديثا ضعيفا، ولكن قواه الدولار !

ولكن ما يثير القرف وليس الضحك، هو ما قاله “الداعية” السعودي صالح المغامسي على شاشة قناة “العربية” بعد صدور الرواية السعودية محاولا تبرير تنصل القيادة السعودية من مسؤوليتها على جريمة اغتيال جمال خاشقجي، مستشهدا بالحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه من حديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال:” بعث النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى بني جذيمة فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا فجعلوا يقولوا صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتل منهم ويأسر، ودفع إلى كل رجل منا أسيره، حتى إذا كان يوم أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره فقلت: والله لا أقتل أسيري ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره، حتى قدمنا على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فذكرناه، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه فقال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد مرتين.”

وهكذا تعمد الشيخ المغامسي المقارنة بين العمل الإجرامي الذي قام به فريق الاغتيال في القنصلية السعودية، وما ما قام به الصحابي الجليل  سيف الله المسلول خالد بن الوليدـ رضي الله عنه ـ  لنشر دين الله، غير أن رسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يعاقب خالداً لأنه كان مجتهداً، وليس من طلب الحق فأخطأه، كمن طلب الباطل فأدركه.

والعجيب في تعامل السعودية مع قضية قتل خاشقجي أن عادل الجبير وزير خارجية السعودية امتنع عن التعليق لما يقارب 20 يوما على جريمة وقعت في قنصلية السعودية باسطنبول، وهي جهة تقع تحت مسؤوليته وضمن قطاعه الوزاري، بينما تطوع لإبداء الرأي في حيثياتها شيوخ السعودية على وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي وحتى على منبر المسجد الحرام، كما فعل الشيخ عبد العزيز آل الشيخ مفتي السعودية، والشيخ عبد الرحمن السديس الرئيس العام لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، وإمام الحرم المكي الشريف، والدعاة المشهورين مثل الشيخ عائض القرني، والشيخ محمد العريفي، وكذلك أعضاء هيئة كبار العلماء. كل هؤلاء الشيوخ لم يتورعوا عن تمريغ سمعة الإسلام في وحل السياسة السعودية بينما هم يلجأون في العادة إلى تشديد النكير على من يتهمونهم  بممارسة الإسلام السياسي، أو إدخال الدين في أمور السياسة، فهم كمن يبصر القذى في عين أخيه ويدع الجذع في عينه.

فجر السبت 20 أكتوبر 2018- أي بعد 18 يوما من اغتيال جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في اسطنبول بتركيا ـ  أصدر النائب العام السعودي بيانا قال فيه:” أظهرت التحقيقات الأولية التي أجرتها النيابة العامة في موضوع اختفاء المواطن/جمال بن أحمد خاشقجي أن المناقشات التي تمت بينه وبين الأشخاص الذين قابلوه أثناء تواجده في قنصلية المملكة في إسطنبول أدت إلى حدوث شجار واشتباك بالأيدي مع المواطن/ جمال خاشقجي مما أدى إلى وفاته – رحمه الله – .”

أن تصدر الرواية السعودية في الساعات الأولى من فجر السبت فهذا له دلالات خاصة في الوعي العربي، لأن توقيت الفجر عند السلطات العربية لا يرتبط في الغالب بالعبادة والصلاة ولكنه يرتبط بالاختطاف والتعذيب وقد اشتهرت عبارة “زوار الفجر” في مصر في عهد حكم جمال عبد الناصر والتي تعني اختطاف المعارضين وتغييبهم في السجون. ولولا خطورة الأمر ومأساويته المرعبة لقلنا أن البيان هو مجرد نكتة سخيفة، أو فصل من فصول مسرح اللا معقول كتب على عجل، لكن السعودية لم تكن تهتم بتخريج رواية مقنعة لأنها تعودت الاستهتار بعقول مواطنيها، وحاولت تسويق هذه الرواية المضللة لجميع العالم ولكنها كانت تتوجه بالدرجة الأولى إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي أعطى لحكام السعودية فترة زمنية محدودة لصياغة رواية تعترف فيها بمقتل جمال خاشقجي، وفور صدور الرواية السعودية المهلهلة التي كانت أكثر غباء من طريقة تنفيذ الجريمة، سارع دونالد ترامب في البداية إلى الإعلان عن وثوقه بالرواية التي وصفها رغم ذلك بـ” الوحشية” و”الحمقاء الفاشلة” والواضح أن ترامب لم يكن مهتما على الإطلاق بصدقية الرواية بقدر اهتمامه بكمية الدولارات التي يبتزها من السعودية، للتغطية على جريمة القتل وإنقاذ رأس ولي العهد الأمير محمد بن سلمان صديق صهره جاريد كوشنر وحليف إسرائيل في تسويق صفقة القرن، حيث قال صراحة:” نحن نحمي دول غنية كالسعودية وعليها أن تدفع  الثمن”.

كان جميع المتابعين لقضية اغتيال الصحفي جمال خاشقجي يترقبون ما سيقوله الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في خطابه الذي وعد فيه أن يقول الحقيقة بطريقة مختلفة، ولكن سقف التوقعات ربما كان مرتفعا لتصريح أردوغان الذي فضل المداراة الدبلوماسية وإبقاء الكثير من الحقائق والمعلومات التي كانت بحوزته في الظل، حتى أن البعض شعر بالخيبة مما كشف عنه خطاب أردوغان لأن الكثير مما قاله كان عبارة عن معلومات إعلامية متداولة ومعروفة عن قضية اغتيال الصحفي جمال خاشقجي، ولم يقدم الكثير من المعلومات الأمنية الجديدة باستثناء المعلومة المتعلقة بوصول فريق سعودي لاستطلاع المكان، قبل وصول فريق الاغتيال الذي قام بنزع القرص الصلب من  كاميرات التصوير بالقنصلية مما يدل على تخطيط مسبق لتنفيذ جريمة القتل وليس مجرد قتل وقع بالخطأ نتيجة شجار خرج عن السيطرة داخل القنصلية من طرف الفريق الذي أرسل للتحقيق مع جمال خاشقجي وإقناعه بالعودة إلى بلاده حسب الرواية الرسمية السعودية. ومع ذلك فقد أرسل الرئيس أردوغان في خطابه ليوم الثلاثاء 23 أكتوبر 2018 الكثير من الرسائل السياسية إلى حكام السعودية وهي الرسائل التي اعتبرها دونالد ترامب “قاسية”.

وبعد يومين من خطاب الرئيس أردوغان، وبعد خمسة أيام من صدور بيان النائب العام السعودي عن سبب “وفاة ” جمال خاشقجي خلال شجار، أعلن مكتب النائب العام يوم الخميس 25 أكتوبر 2018 أن المشتبه بهم في قتل خاشقجي أقدموا على فعلتهم بنية مسبقة. وهي خطوة جديدة في السير نحو الحقيقة، إلا أن التغير المستمر في الرواية السعودية يطرح عدة احتمالات: إما أن هناك صراع نفوذ في هرم السلطة السعودية بين أعضاء الأسرة المالكة، وإما أن الحكم في السعودية دخل مرحلة من الوهن والميوعة حتى أصبح بإمكان أي أحد أن يفعل ما يشاء دون الرجوع إلى الحاكم، وإما أن الحكم هو بالفعل متماسك ومستبد إلى درجة تجعل الأسرة الحاكمة تتواطأ على الكذب لإبعاد مسؤولية اغتيال خاشقجي عن ولي العهد، رجل الحكم القوي الأمير محمد بن سلمان. حتى وإن أصبح الاختيار مطروحا  بين سمعة السعودية كدولة، أو منصب ولي العهد محمد بن سلمان، وإلى حد الآن وفي ظل عدم ظهور جثة الفقيد جمال خاشقجي يبدو أن السعودية تريد الحفاظ عليهما معا، رغم أن الأمر يبدو في غاية الصعوبة.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

هل أصبحت أمريكا معرضة للبيع؟ !/عبد الحميد عبدوس

لا شيء استطاع أن ينافس كذب الروايات السعودية وتناقضاتها بشأن مقتل الصحفي جمال خاشقجي سوى …

تعليق واحد

  1. جمال خاشقجي جريمة ثابتة بنية مبيتة دلائلها واضحة بينة يحكم بادانتها القاصي والداني من القضاة
    جمال خاشقجي هذا الصحف الذي صدح بالحق وابتعد عن محترفي الاجرام
    كان من السهل على جمال ان ينال رضوان الحكام بان يعيش اصما أخرسا كما يصنع أصحاب البطون الممتلئة
    جمال خاشقجي يكفيه شرفا ان كفته رجحت كفة آل سعود عملاء امريكا
    ترامب يصرح ويقول نحمي دولا غنية مقابل دفع المال
    تحميها؟ لتضطهد اصحاب الفكر
    تحميها؟ لتجويع ابنائها
    تحميها؟ لتدر اليمن وتعادي ايران
    الم تر ياشيخ سديس ما يصنهه ولي عهدكم؟