الرئيسية | وراء الأحداث | جمال خاشقجي القلم الذي هز عرش مملكة !/عبد الحميد عبدوس

جمال خاشقجي القلم الذي هز عرش مملكة !/عبد الحميد عبدوس

بموازاة مأساة الصحفي المغدور جمال خاشقجي بدأت تنسج خيوط دراما شخصية لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان المشتبه الرئيسي في مسؤوليته عن تصفية خاشقجي. فقبل 2 أكتوبر 2018 كان الطريق يبدو معبدا أمام وصول الأمير محمد إلى كرسي العرش في السعودية، ولكن إحاطة الشبهات بالأمير محمد بن سلمان في قضية خاشقجي جعلته يستقطب كل الاتهامات على مدى أكثر من أسبوعين، ووضعته في عين الإعصار، إلى حد جعل وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو خلال زيارته الأخيرة للسعودية  التي اعتبرها نائب مساعد وزير الدفاع الأمريكي السابق ديفيد سيدني أن هدفها هو مساعدة السعودية في الخروج بطريقة ملائمة من ورطتها، يصارح محمد بن سلمان بأن مصيره كملك أصبح على المحك. وكل هذا يوحي بأن ورقة محمد بن سلمان قد احترقت بمجرد اشتعال شرارة اغتيال خاشقجي، والأكثر من ذلك فإن احتفاظ محمد بن سلمان بمنصب ولي العهد لم يعد مضمونا بعد اجتماع هيئة البيعة في السعودية حسب صحيفة لوفيغارو الفرنسية. كما ذكرت وكالة “رويتز” أن العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز بعد اطلاعه على حقيقة ما جرى داخل القنصلية السعودية في اسطنبول بدأ يعيد تقييم صلاحيات ولي عهده تمهيدا لنقل ولاية العهد إلى أخيه خالد بن سلمان سفير السعودية بالولايات المتحدة الأمريكية.

لقد صدم مصير الصحفي السعودي البارز جمال خاشقجي الرأي العام العالمي، حيث تحولت قضيته من دراما إنسانية إلى قضية سياسية عالمية إلى مسلسل تركي سعودي مثقل بالتفاصيل ومفعم بالتسريبات المتتابعة التي  تعمد الأمن التركي توصيلها إلى وسائل الإعلام بما يشبه الرش بالتقطير، وكأن الهدف من هذه الطريقة في الكشف عن مراحل التحقيق هو تدويل قضية اغتيال جمال خاشقجي مع تسويقها للرأي العام دون إلحاق أضرار كبيرة بالعلاقات الدبلوماسية والاقتصادية بين تركيا والسعودية، ولكن العامل الأهم في تأخير الإعلان عن نتيجة التحقيق الجنائي في اغتيال خاشقجي يعود إلى موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي ظل متمسكا بإيجاد رواية مقنعة لإبعاد تحميل المسؤولية في القضية إلى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وكان ترامب الذي تراوحت مواقفه بين التهجم على السعودية ومساندة روايتها يطبق حرفيا توجيهات صهره جاريد كوشنر الذي نصحه بـ ” التحرك ببطء وحذر وعدم اتخاذ قرار سريع تحت الضغط من الخطابات الساخنة للمشرعين الأمريكيين، فيما يتعلق بقضية خاشقجي”.

ولكن بالإضافة إلى آلاف المقالات والتحليلات والتغريدات ونشرات الأخبار المطالبة بمحاسبة المسؤولين الفعليين عن اغتيال خاشقجي مهما كانت مواقعهم وحجم ثرواتهم، مارس الكونغرس والشخصيات البارزة في أمريكا والعالم ضغوطا قوية على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لدفعه إلى التصرف كرئيس دولة عظمى وليس كمفاوض تجاري، ولعل أقوى تصريح في هذا الاتجاه جاء من السيناتور الجمهوري الأمريكي القوي ليندسي غرهام الذي قال لقناة فوكس نيوز يوم 16 أكتوبر2018:” لا شيء يحدث في السعودية دون علم ولي العهد محمد بن سلمان”.

وهو ما أكده  مدير الاستخبارات الأمريكية الأسبق جون برينان الذي قال:” الزعم بأن مقيما بالولايات المتحدة، يكتب لصحيفة واشنطن بوست، تعرض لما تعرض له على أرض أجنبية وفي بعثة دبلوماسية، دون علم صانع القرار اليومي بالسعودية، أمرا غير متصور.”

كما أكد خالد بن سلمان سفير السعودية في الولايات المتحدة في 9 أكتوبر 2018 أي بعد أسبوع من اختفاء جمال خاشقجي داخل قنصلية السعودية في اسطنبول يوم 2 أكتوبر2018 أنه “من المستحيل أن يرتكب موظفون جريمة داخل القنصلية السعودية دون علم المسؤولين السعوديين عنها.”

كما ساهمت وسائل الإعلام الأمريكية المؤثرة  مثل:” الواشنطن بوست” و”نيويورك تايمز” و” سي. أن. أن” في تسليط الأضواء على القضية وإبقاء الاهتمام بها متيقظا بشكل يومي في أوساط الرأي العام من خلال ضخ كم هائل من التسريبات، والآراء، والتخمينات، والشبهات، والتكهنات في الساحة الإعلامية إلى حد جعل قناة “العربية” السعودية تدعي:” إنه لولا الإعلام الأمريكي لما اتخذت قضية خاشقجي أي بعد دولي”.

ورغم توفر كم كبير من القرائن القوية الدالة على وقوع جريمة بشعة ومروعة داخل مبنى القنصلية السعودية في اسطنبول التركية ذهب ضحيتها الصحفي البارز، إلا أن الإعلام السعودي ظل يمارس التعتيم والإنكار حول قضية خاشقجي ويعتبر ها مؤامرة “تركية قطرية إخوانية” للإساءة إلى سمعة المملكة العربية السعودية.

مع أن حجج السعودية في التنصل من مسؤوليتها عن اختفاء الصحفي جمال خاشقجي كانت أوهى من بيت العنكبوت، إلا أن دولة الاحتلال الإسرائيلي اعتبرت قضية خاشقجي بمثابة مصيبة لمصالحها، وأكدت أنها تثق في رواية السعودية عن اختفاء خاشقجي أكثر مما تثق في كلام تركيا، كما تأسفت وسائل إعلامها من عدم استفادة السعودية من خبرة إسرائيل في تنفيذ الاغتيالات، رغم وجود تعاون استخباراتي بين إسرائيل والسعودية، حسب المصدر الإسرائيلي .

والمفارقة أن المؤسسات العربية والإسلامية التزمت صمتا مذهلا طوال أيام عديدة حول اختفاء الصحفي جمال خاشقجي رغم تحرك معظم بلدان العالم، إلا أن رد فعل منظمة التعاون الإسلامي جاء يوم 14 أكتوبر 2018  على لسان الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي الذي قال:” إن مكانة المملكة العربية السعودية ومحوريتها في العلاقات الدولية تجعلها فوق الشبهات التي يروج لها الإعلام المغرض الذي يستهدف أمنها واستقرارها ومنجزاتها ومسيرتها الإصلاحية”.

وكما صدر رد فعل جامعة الدول العربية متزامنا مع بيان منظمة المؤتمر الإسلامي، وقال بيان جامعة الدول العربية:” فيما يخص مسألة اختفاء جمال خاشقجي، فإن السلطات السعودية أعلنت بوضوح تام تعاونها في إطار التحقيقات الجارية في هذا الصدد، وهو ما يستلزم عدم الانجرار للتجني على المملكة من خلال توجيه تهديدات إليها أو ممارسة الضغوط عليها”. وهكذا لم يقتصر مسؤولو الهيئات الدينية والمؤسسات الرسمية الإسلامية والعربية على تجاهل مصير الصحفي المغتال جمال خاشقجي ومساندة موقف الحكومة السعودية ولكنها تعمدت توريط الإسلام في هذا التصرف الهمجي والعملية الإرهابية الخطيرة.

والأدهى أن المراجع الدينية في المملكة العربية السعودية حاولت تبرير جريمة اغتيال الصحفي جمال خاشقجي بغطاء من الخطاب الإسلامي والفتوة الدينية.

فلم يتردد مفتي المملكة السعودية الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ، في تغريدة كتبها على موقع الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء في اعتبار القضية دعاية مضللة حيث قال:”هذا البلد محسود على دينه، محسود على أمنه، محسود على قيادته، محسود على رخائه وخيراته، محسود على اجتماع كلمته، محسود على تآلف صفه، فعياذاً بالله من الدعايات المضللة”.

كما أكدت هيئة كبار العلماء في العربية السعودية أن” هذه الدولة المباركة ستظل (بعون الله) رائدة في العالمين العربي والإسلامي، وذات دور بارز في استقرار ورخاء المنطقة والعالم، عزيزة بالله مهما كانت الظروف والضغوط”.

وقال الشيخ عبد الرحمن سديس الرئيس العام لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، وإمام الحرم المكي الشريف في خطبة الجمعة بالحرم المكي يوم 10صفر 1440هـ ” بأن مسيرة التجديد في هذه البلاد المباركة (السعودية) برعايةٍ من ولاة أمرها، وحرصٍ واهتمامٍ من الشاب الطَّمُوح المُحَدِّث المُلْهَم وَلِيّ عهد هذه البلاد المحروسة ماضية، رغم التهديدات والضغوطات، وإن أَيَّ محاولات للتهديد وإجهاض التجديد محاولات يائسة، وستنعكس سَلْبًا على الأمن والسلام والاستقرار، وبلادنا المباركة ستظل رائدةً شامخةً… والنَّيْلُ منها استفزازٌ لمشاعر أكثر من مليار مسلم، هي قِبْلَتُهُم ومَحِلُّ مناسكهم، ومَهْدُ رسالتهم، ومهوى أفئدتهم” .

ألم يتذكر هؤلاء الشيوخ الكبار في السعودية أن الله تعالى حرم قتل المؤمن وقال في الآية 93 من سورة النساء:{وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا}

وأن رسولنا  الكريم، صلى الله عليه وسلم قال:” لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم.”

ولم يكن  الصحفي المغدور جمال خاشقجي معاديا لوطنه ولا خارجا عن دينه، وذلك بشهادة الأمير خالد بن سلمان سفير السعودية في واشنطن  الذي قال يوم 9 أكتوبر:” إن خاشقجي مواطن سعودي، خرج من السعودية واختار خطاً سياسياً ليس متوافقاً معها، ولكن ظلّت له علاقات مع بعض المسؤولين السعوديين”، وأكد ” أن خاشقجي كان يزور السفارة السعودية في واشنطن إبان إقامته هناك، وهو لا يُعدّ معارضاً سياسياً؛ والسعودية تدافع عنه كأي مواطنٍ سعودي وتفتش عن مصيره.”

فهل يجوز قتل رجل هذه مواصفاته وتبرير اغتياله داخل مكان هو في العادة رمز الأمان والاطمئنان؟

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

هل أصبحت أمريكا معرضة للبيع؟ !/عبد الحميد عبدوس

لا شيء استطاع أن ينافس كذب الروايات السعودية وتناقضاتها بشأن مقتل الصحفي جمال خاشقجي سوى …