الرئيسية | حوار | البروفيسور عبد القادر نويري في حوار مع البصائر: حاوره : حسن خليفة

البروفيسور عبد القادر نويري في حوار مع البصائر: حاوره : حسن خليفة

 

 

 

ـ مشكلتنا الأولى في قطاع التعليم العالي..وفي البحث العلمي تكمن في “ضعف التسيير”…وليس في نقص الإمكانات..

ـ العلم مجال حيوي ولا يمكن فيه تطبيق “منطق الولاء قبل الكفاءة “

 

 

  • نبدأ دكتور عبد القارد بما ينبغي أن نبدأ به، وهو التعرّف عليك .. فنرجو بسط سيرة موجزة، في مسارك العلمي والمهني حتى الآن؟

–  عبد القادر نويري، أستاذ الفيزياء بجامعة أم البواقي منذ 2008، وجامعة قسنطينة من 1989 إلى 2008. تحصل على الشهادات الابتدائية والأهلية (التعليم المتوسط) والبكالوريا، عن طريق الترشح الحر بعد متابعة دراسته عن طريق المراسلة نظرا لعدم وجود مؤسسات تربوية في قريته عند بلوغه سن الدراسة.

حاصل على دكتوراه دولة في الفيزياء سنة 2000 وعلى درجة بروفيسور سنة 2006 ثم على التأهيل الجامعي من طرف المجلس الوطني الفرنسي للجامعات سنة 2009. مارس عدة وظائف إدارية: منها رئيس المجلس العلمي لكلية العلوم بين 2009 و 2012 ثم نائب رئيس جامعة أم البواقي بين 2012 و 2013، بعدها عميد كلية العلوم بين 2016 و 2017، وحاليا مدير النشر العلمي.

منذ 2016 أصبح عضوا في اللجنة القطاعية الدائمة لدى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي. نشر أكثر من 30 مقالة علمية في مجلات عالمية، وحضر أكثر من 40 مؤتمرا علميا وأشرف على العديد من رسائل الدكتوراه والماجستير والماستر.

ومؤخرا في 2018 تم تعيينه كمرجع علمي مكلف بمتابعة مشاريع البحث العلمي لدى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي. أنشأ سنة 2011 في جامعة أم البواقي مجلة علمية محكمة تسمى “مجلة التكنولوجيات الجديدة والمواد” وهي المجلة الأولى في الجزائر التي تمت فهرستها سنة 2015 في قاعدة بيانات تابعة لطومسون رويترز.

  • عادة ما أسأل الأساتذة الكرام، في محاوراتي معهم.. عن البحث العلمي، كيف تنظر كأكاديمي وباحث إلى البحث العلمي في الجزائر، وما سبب تأخرنا ـ قياسا إلى دول كثيرة أخرى ..؟

– البحث العلمي نوعان: أساسي وتطبيقي، الأول وهو البحث العلمي الأساسي الذي يهتم بتطوير النظريات والإشكالات العامة الهادفة لتطوير المعرفة والعلوم بشكل عام، بالنسبة لهذا النوع من البحث نستطيع القول بأننا نواكب إلى حد ما التطور العالمي نظرا لعدد ونوعية المقالات العلمية المنشورة من طرف الأساتذة الباحثين الجزائريين. أما النوع الثاني وهو البحث العلمي التطبيقي، وهو المرتبط مباشرة بالقطاع الاقتصادي والصناعي، ويترجم في شكل براءات الاختراع، واقتراح الحلول لمشاكل معينة في حياة الإنسان، فإننا مازلنا بالنسبة لهذا النوع الثاني بعيدين عن المستوى العالمي. سبب التأخر في هذا النوع الثاني من البحث يرجع لعدة أسباب من أهمها:

  1. قلة المؤسسات الصناعية المنتجة في الجزائر التي تعتمد على البحث العلمي في تحسين نوعية إنتاجها أو اختراع مواد وآلات وطرق جديدة تنافس بها السوق وتحسن بها حياة الإنسان والمجتمع.
  2. المؤسسات الوطنية الموجودة (وهي قليلة) لا تتعامل مع الجامعة، وليس لديها مديريات للبحث والتطوير، فهيّ في معظمها شركات استيراد وفي أحسن الأحوال نجد شركات تعتمد على التركيب فقط.
  3. عدم وجود نصوص قانونية تلزم القطاع الاقتصادي والاجتماعي التعامل مع الجامعة ومؤسسات البحث العلمي في تطوير إنتاجها.
  4. الشركات الكبرى مثل سوناطراك وسونلغاز وغيرهما لها معاهدها الخاصة ومفصولة عن الجامعة ومراكز البحث.
  • ـ هل يعود الأمر إلى الباحثين أنفسهم، أم إلى النظام الأكاديمي والبيئة العلمية الطاردة؟

– في رأيي أن الباحث الجزائري له قدرات عقلية وذهنية مثله مثل بقية الباحثين في العالم، غير أن النظام الأكاديمي الذي يعاني من سوء التسيير وعدم تثمين المجهودات وافتقاره إلى أسلوب التشجيع والتحفيز يجعل منه بيئة علمية طاردة للكفاءات ومثبطة للعزائم، ويجعل الطالب محبَطا ومنهارا نفسيا.

يمكننا أن نطرح هذه الأسئلة: أين المتفوقون في البكالوريا الذين نكرمهم كل سنة؟

أين الذين يحتلون المراتب الأولى كل سنة في سنوات التخرج في طور الليسانس وطور الماستر (أو الماجستير في النظام الكلاسيكي)؟

كلنا يعرف أن المتفوقين في البكالوريا في السنوات الأخيرة يختارون الطب والصيدلة والمدارس العليا للأساتذة من أجل ضمان الوظيفة، هل تم الاعتناء بهؤلاء الطلبة؟ هل فتح لهم الباب لمواصلة الدراسة من أجل الإبداع والابتكار؟ هناك شروط تعجيزية تتعلق بمواصلة الدراسات العليا بالنسبة لخريجي المدارس العليا للأساتذة، حيث يشترط فيهم الاستقالة من الوظيفة وأمور أخرى. الشيء نفسه يمكن أن يقال عن الأطباء والصيادلة، لماذا لا نجد الإبداع في مجال صناعة الأدوية على سبيل المثال؟ أكيد أن المشكل في النظام التعليمي وليس في الأشخاص لأن زبدة البكالوريا تذهب إلى الطب والصيدلة. في رأي أن النظام الأكاديمي يجب أن يعدل بالكيفية التي تسهل على المجتهد والعبقري مواصلة الابتكار والإبداع وأن يعطى له كل الدعم المادي والمعنوي.

  • ـ كيف تُقوّم وتقيّم ضعف الأداء الأكاديمي لدى الطلاب في جامعاتنا؟ وهل يمكن أن نعرف منك كباحث أسباب هذا التدني والضعف في تحصيلنا وفي أبحاثنا وفي قلة اختراعاتنا وبراءاتنا؟

– هناك الكثير من الدراسات التي أجريت حول هذا الموضوع وتم رصد العديد من الأسباب، منها ضعف البرامج التعليمية وضعف التأطير وعدم اهتمام الطالب، يطول الحديث لسردها وشرحها، ولكن رأي كأستاذ وباحث فإن السبب الرئيس يرجع بالدرجة الأولى للطالب نفسه لأن كل الهياكل والوسائل المادية والبشرية متوفرة وكذلك التكنولوجيا الحديثة أصبحت في متناول الجميع ومع ذلك تجد المستوى العلمي للطالب متدنيا، لأن الطالب أصبح لا ينظر إلى الجامعة  كمكان للتحصيل العلمي بل هي مكتب للحصول على ورقة (الديبلوم). طالب اليوم لا يملك محفظة وكراس وقلم، لا يحضر المحاضرات التي لا تسجل فيها الغيابات، طالب اليوم لا يذهب إلى المكتبة ولا يعرف من الأنترنات غير الفيسبوك. هذه الظواهر وغيرها يعرفها الجميع ولكن المشكل يكمن في وصف العلاج، أنا أختلف مع الكثير ممن يتكلمون عن إصلاح البرامج وتكوين الأستاذ وتحسين ظروف الطالب والأستاذ كعلاج وكحل لمشكلة المستوى المتدني، لأنني أستطيع أن أضرب أمثلة من التاريخ على أن صعوبة الظروف لم تكن عائقا أمام النجاح والإبداع، وعليه يجب البحث في العمق لا في السطحيات، بمعنى أن ندخل داخل نفسية الطالب ونفسية الأستاذ ومنها يمكن تشخيص الداء وبالتالي وصف الدواء، لماذا عندما نرسل الطالب (الضعيف عندنا) ليدرس في جامعة أجنبية فإنه يحضر قبل بداية الدرس وبعد نهايته يذهب مباشرة إلى المكتبة ويتعلم اللغة الأجنبية خلال عدة أشهر وفي الأخير يتحصل على نتائج ممتازة رغم أن تلك الجامعة لا تضمن له الوظيفة بل تمنحه شهادة فقط، ونفس الشيء بالنسبة للأستاذ الجزائري إذا تحصل على عقد عمل في جامعة أجنبية فإنه يسهر الليل من أجل تحضير درسه ويتفنن في إلقاء الدروس (باللغة الأجنبية) وبعد انتهاء درسه يذهب إلى مكتبه لاستقبال الطلبة أو إلى مخبره لإجراء التجارب والأبحاث. هذه التساؤلات تحمل في طياتها الأجوبة، بمعنى أن هناك شيء محطم داخل نفسية الطالب ونفسية الأستاذ يجب إصلاحه، أي بمعنى استرجاع الثقة في ذاتنا وهذه مهمة المسيرين في جميع القطاعات وفي جميع المستويات. بخصوص قلة الاختراعات والبراءات هي راجعة كما قلت سابقا لعدم اهتمامنا بالبحث التطبيقي، فطالب الدكتوراه تجده يتكلم فقط عن نشر المقالة العلمية ولا يعرف شيئا عن براءة الاختراع. هنا يبدو لي أن السبب هو عدم الاهتمام بموضوع البحث العلمي من طرف المسئولين في جميع المستويات، ويرجع كذلك إلى أسلوب التسيير المعقد، فعندما تجد مدير مخبر بحث يعمل مجانا (بدون مقابل مادي) ولا يستطيع شراء أبسط الأشياء التي يحتاجها في بحثه إلا بعد المرور على سلسلة من الإجراءات والمكاتب والموظفين، فإنك تفهم عزوف الطالب الباحث أو الأستاذ عن الإبداع.

  • إلى أي حد يمكن أن نطمح في تجاوز الوضع الحالي المربك علميا ومنهاجيا وفكريا ومعرفيا؟ . لقد درّستَ في أكثر من جامعة جزائرية، وعايشت الكثير من الأحداث..كيف ترى الوضع؟

– الطموح مشروع والتفاؤل موجود والإمكانيات متوفرة، فقط بشيء من الإرادة الفردية والجماعية والتخلص من عقلية الأنانية والتحلي بروح التكامل نستطيع تجاوز الوضع الحالي. أنا عملت في عدة جامعات وطنية وزرت عدة جامعات أجنبية ولاحظت أن المشكل يكمن في التسيير، عندهم (في الخارج) أسلوب التسيير بسيط جدا والقائمون على التسيير أناس متمكنون، بينما عندنا الأسلوب معقد والشخص المسير ليس في مكانه المناسب. تجاوز الوضع المربك ليس بالأمر السهل وليس بالأمر المستحيل في نفس الوقت. هناك من يقترح مثلا الاستفادة من عدة تجارب ناجحة في العالم، ولكن رأيي أن استيراد الأنظمة ليس هو الحل إنما الحل يكمن في القيام بإجراءات راديكالية والتي يمكن تلخيصها في عدة نقاط:

  1. يجب مراعاة الكفاءة وليس الولاء فقط عند إسناد المسئوليات في الجامعة وفي المؤسسات البحثية.
  2. إبعاد السياسة والإيديولوجيا عن ميدان العلم والبحث العلمي لأن هناك الكثير من المسئولين يتم تعيينهم نظرا لانتماءاتهم الحزبية وهناك كفاءات عالية يتم إبعادها وتهميشها للسبب نفسه.
  3. إعطاء الاستقلالية المالية الكاملة لمدير المخبر العلمي سواء في الإرادات أو المصاريف وتتكفل الدولة بدور المراقب والمحاسب فقط.
  4. يجب قلب المفهوم السائد الذي يعتبر أن العبقري مكانه في الخارج بل مكانه هنا في الجزائر وذلك عن طريق الإغراء المادي والمعنوي للمتفوقين والعباقرة، ولا تكفي تلك التشجيعات الرمزية والشهادات الشرفية والتصفيقات بل تتعداه إلى أعمق من ذلك وهي المتابعة المستمرة للمتفوق وإعطاءه كل التسهيلات والوسائل اللازمة لتحقيق أحلامه وفي نفس الوقت إنجاز المشاريع المفيدة للدولة.
  5. محاربة الرداءة بكل أشكالها وبكل الوسائل، فلا يعقل على سبيل المثال أن الطالب المتفوق في دراسته يجد في المستقبل زميله الذي كان فاشلا في دراسته مديرا عليه.
  6. تطوير فكرة المشاريع الناشئة (Start-up) وإعطائها الرعاية الكاملة التي تسمح للشباب المبدع بتحويل أفكارهم واختراعاتهم إلى مشاريع حقيقية ثم إلى مؤسسات منتجة.

 

  • أكثر من 50 جامعة ومركز جامعي، ونحو 60 ألف أستاذ ومكون، ونحو مليون 700 ألف طالب..وماذا بعدُ؟ أعني ..كيف نحقق المطلوب من ناحية “الكيف” والجودة، والتميز العلمي والجوائز الكبرى العالمية؟

– الإحصائيات الرسمية هي أكثر من ذلك بكثير من حيث عدد الهياكل البيداغوجية والعلمية وكذا البشرية، حسب المنشور الوزاري الصادر سنة 2018 الخاص بتوجيه وتسجيل حملة البكالوريا الجدد فإنه لدينا في الجزائر 49 جامعة و13 مركز جامعي و31 مدرسة عليا متخصصة و11 مدرسة عليا لتكوين الأساتذة يعني في المجموع 104 مؤسسة جامعية. السؤال البديهي هو لماذا لا ننتج من هذا الكم الهائل من الإمكانيات المادية والبشرية زبدة ترفع رأسنا بين الأمم؟ الجواب البديهي أيضا هو أن الزبدة موجودة فعلا ولكن لا يوجد الفاعل الذي يخرجها أو بالأحرى الفاعل موجود ولكن لا يعرف كيف يخرجها، هنا لا أحب أن أكون متطرفا في حكمي وأقول أن هناك من لا يريد إخراج الزبدة لأنه ليس من أخلاقي تخوين الناس وخصوصا إذا كان مسئولا لأنه يحمل أمانة أمة. خلاصة كلامي هو أن التحدي الأكبر هو “الكيف” وليس “الكم”، الجواب البسيط هو أن نبحث عن العباقرة ونعتني بهم. في الواقع الحالي الذي نعيشه لا يوجد تمييز مفيد وعقلاني بين الجيد والرديء، ابتداء من عملية توجيه حملة البكالوريا الجدد وانتهاء بالمتخرجين من الجامعة في جميع الأطوار. نظام التعليم وأساليب التسيير في الجامعة تجعل كل الطلبة سواسية وكذلك الأساتذة، ليس هناك تشجيع للمجتهدين مما يجعلهم يفكرون في الفرار خارج الوطن لتحقيق أحلامهم. ماذا تريد من طالب أو أستاذ عبقري أن يفعل عندما يرى أشباه الفنانين وأشباه الرياضيين يستقبلهم المسئولون على أعلى المستويات ويحصلون على الامتيازات والهدايا بينما العباقرة في مجال العلم مهمشين.

  • كلمة أخيرة

– أختم بنصيحة وهي أن يتم سن قانون يسمح بإجراء التعاقد مع الأساتذة المتقاعدين ليصبحوا باحثين في مراكز البحث وليس كمدرس في الجامعات كما هو الحال الآن. لأن هناك الكثير من الأساتذة الذين خرجوا أو سيخرجون على التقاعد يملكون خبرة كبيرة ورصيد معرفي هائل يمكنهم فعل الكثير في ميدان البحث العلمي، بشرط كما قلت يتفرغ للبحث العلمي فقط وليس التدريس.

أتمنى لوطني الجزائر التطور والازدهار والأمن والأمان.

عن المحرر

شاهد أيضاً

الدكتور عز الدين بن زغيبة في حوار مع البصائر/ أ. د. حسن خليفة

الدكتور عز الدين بن زغيبة من الطيور الجزائرية المهاجرة؛ حيث يقيم في دولة الإمارات العربية …