الرئيسية | قضايا و آراء | السفينة والطوفان3  / أ. د. ليلى محمد بلخير

السفينة والطوفان3  / أ. د. ليلى محمد بلخير

المتتبع لما جاء في قصة نوح عليه السلام، يستشعر قيمة القصة القرآنية في تثبيت العقيدة بالمنطق الوجداني، وفي معترك الحياة، وأن التناسق السنني بين زمن الطوفان وأحداثه الحقيقية إغراق الكفار، ونجاة المؤمنين في سفينة الإنقاذ الوحيدة من نوعها في تلك الأيام، وبين ما نعيشه في هذا الزمان من تناقضات ومفارقات وخلخلة في منظومة القيم، وهشاشة العلاقات الأسرية وبطر ثقافي واجتماعي كبير، وها هو الطوفان يحضر من جديد، وفي صور جديدة، وتحضر معه السفينة كتمثيل رمزي للأمان، فتتوق الروح لهذه الرحلة شغفا وحبا في دار الإيمان، وفي امتثال نوح عليه السلام لأمر الله بإدخال بذور الحياة الجديدة من كل زوجين اثنين، تنويه بضرورة الرفع من شأن الأواصر بين الأفراد داخل الأسرة، بما أنهم في سفينة واحدة، وخاصة الزوجين في مشروعهما الرسالي، وهو توجيه لطيف للأزواج على ضرورة التآزر في الحق، ومخاصمة الباطل والتمسك بأسباب الاستقرار ونبذ التفكك، ولا عداوة لزوج يعبد الله، ولا بغض لزوجة تقييم حدوده بحب وقناعة، والأمر ينتقل للحياة العامة، حيث تكثر الشحناء والبغضاء بين ذوي الأرحام، وتفشي العداوة بشكل وبائي قاتل، بين الأزواج، بين الإخوة والأهل وزملاء العمل والنشطاء في السياسة وفي كل الأنحاء، إنه طوفان جارف ولا بد لنا من سفينة نركبها، لنحتمي من البغض والحقد والضغينة.
من يركب السفينة؟ المؤمن حقا، من هو المؤمن حقا؟ الذي يفهم إيمانه بشكل جوهري وحقيقي، يخالط الناس، ويصبر على أذاهم، الذي يبذل من نفسه وماله ووقته من أجل إيمانه، يركب سفينة الإيمان؟ من يملك الحب شراعا واسعا يحتوي كل من معه بصدق، المؤمن حقا هو الذي يحب في الله ويعادي في الله، ولا يسقط الحق، ويعلي الباطل، ولا يتبع هواه يزين له البغضاء والعداوة، وكأنها وقاية حتى يسلم من أذى إخوانه،يبادر بالشرورو المفاسد، كيف يركب السفينة؟ وهو متردد لم يحسم أمره،.يبطن جرمه بوهم الإحسان، ولايكشف وجهه الكذوب حتى تسقط تباعا كل الأقنعة ،ضاعت أحلامه في النجاة، مادام قد اختار ما في يد الناس ونفر من يد الله الممدودة، ويد الله فوق أيديهم.
هكذا تؤسس سفينة الإيمان مشروعا حضاريا كبيرا، وما فيها من الانتقال من مكان إلى مكان، أي إرساء مبدأ التغيير كمحرك للارتقاء بالنفس وتزكيتها دائما وفي كل حين حتى تشهد من الداخل قبل الخارج، حركة الانتقال من دار الكفر إلى دار الإيمان، هناك تلتقي القلوب المطمئنة الناجية من الطوفان العتيد على مسار واحد، هو عبادة الله وحده، ونبذ كل الطواغيت والدجالين، وفي لقاء الثلة المؤمنة حياة متجددة بالبهجة والأنس والسعادة، إني أسمع أصواتهم تنادينا، هيا أحباب الإيمان، فلنركب السفينة …

ملاحظة

وقع خطأ في ترتيب الأجزاء الثلاثة من المقال «السفينة والطوفان» للدكتورة ليلى محمد بلخير، حيث أعيد نشر الجزء الأول بدل الجزء الحالي، وإليكم الجزء الثالث والأخير، فمعذرة للدكتورة وللقراء الكرام وشكرا.

عن المحرر

شاهد أيضاً

خذوا العبرة من بلماضي/ جمال نصر الله

  ليس سرا أن نقول بأن ما حققه بلماضي للجزائر والجزائريين يعتبر درسا تاريخيا لجميع …