الرئيسية | شعاع | المفكر الصغير …وتكوين المفكر/ حسن خليفة

المفكر الصغير …وتكوين المفكر/ حسن خليفة

 

إنهما ـ في الأصل ـ عنوانان منفصلان، الجامع بينهما هو كلمة “المفكر” وما يتعلق بها من فكر، وتفكير، وإبداع، وخصوصية، وتميز، وانخراط في أفق تحسين مستمر دائم للقدرات والإمكانات.

فأما الأول (المفكر الصغير) فيتعلق ببرنامج تعليمي، في صيغة مقاربة تربوية أنيقة، اعتمدتها وتعتمدها بعض النوادي التربوية في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في نسق خاص من التعليم والمتابعة تستحق التقدير والإشادة، وقد وقفت على ذلك شخصيا في مرات عديدة، وتابعتُ الأمر باهتمام مع بعض المحاضن التربوية بالسؤال والزيارة والاستفسار عن التقدم المحقّق بين فترة وأخرى، ومن تلك المحاضن (بحكم القرب الجغرافي) المحضن التربوي، في فرع إحسان النسوي بحي دقسي عبد السلام بقسنطينة.

ما المقصود بالمفكر الصغير…؟

إنه صف تعليم تحضيري للأطفال ما قبل التمدرس، يتم الاهتمام بهم بشكل خاص ونوعي، يُركز في تعليمهم على مجموعة من المعارف والعلوم  مثل (الحساب ـ الفلك ـ الجغرافيا ـ ومعارف أخرى، إلى جانب ما يتصل بالتعليم القرآني والأخلاق والتربية الإسلامية، مما هو قاسم مشترك في نوادي الجمعية ومدارسها، على اختلاف في وسائل التعليم وطرائقه).

وبطيبعة الحال فإن ما يتم في صف “المفكر الصغير” إنما يتمّ على نحو مخصوص قدر الإمكان، وبمراعاة سنّهم وقدراتهم على الاستيعاب، وأيضا بالتركيز الجيد على ما كل ما ينبغي لإيقاظ ما لديهم من قُدرات وإمكانات، ومع متابعة ومرافقة تسمح بمعرفة ما تحقّق لديهم من تحسّن وتطوّر..وذلك بعض من الأهداف في هذا القسم ( أو الفوج المتخصص) أي البحث عن نتائج غير عادية من التعليم المقدّم.

وعند استفساري عن أصل الفكرة جاء الجواب: إن الأصل في الفكرة، ثم تجسيدها في أرض الواقع انطلق من جملة مسائل:

  • الاختلاف في القدرات والتفاوت في الإمكانات، ولو كان ضئيلا، أي مراعاة الفوارق إذا أمكن التعبير عن ذلك، فالأطفال ليسوا سواء في قدراتهم واستعداداتهم الذهنية، وهذا عامل جعل سيدات الفرع يولين اهتماما غير عادي لنوعية الأطفال وما يمكن أن يكون لديهم من استعدادات، ومن خلال التواصل الجيد مع الأولياء يمكن اقتراح “فوج المفكر الصغير” للعصفور أو العصفورة المتقدّمين إلى نادي الجمعية التعليمي.
  • أن الملاحظة المستمرة والمتابعة الجادة، على مدار السنوات الماضيات، كما تقول المشرفات على الفرع، سمحت بتكوين فكرة عن ضرورة ارتفاع أداء الجمعية في نواديها ومدارسها إلى أفق آخر، يتسم بالرقيّ والنوعية والجودة، ومن ثم جاء التفكير في استحداث أفواج يُعطى لها التعليم على نحو أكثر خصوصية وأقرب إلى التميز.
  • أن متابعة ما يجري في العالم في مجال التربية يسجل ذلك الاهتمام المتزايد لدى الأمم في “التعليم النوعي” وفي الاستفادة ـ قدر الإمكان ـ مما وصلت إليه علوم التربية والتعليم، ومن الضروري أن نستفيد ـ كمسلمين ـ من هذه المعطيات ونعمل على مقاربات تطبيقية ميدانية مناسبة لها.
  • النظرة الصائبة إلى الأطفال التي يجب أن تُصحح، والتي تؤكد على أن الأطفال هم “كنوز” لابد من العمل على اكتشافها وتنميتها وتطويرها وتحسين أدائها، وأن شخصية الطفل تتشكل في السنوات الأولى الخمس أو الست، ومن ثم وجب أن يكون اهتمامنا كجمعية تربوية دعوية أكبر بهذا المجال، ونعمل على تنشئة الأطفال تنشئة مميزة، وفق الأساليب التربوية السليمة.
  • لاحظت السيدات والأخوات المشرفات تغيرا في سلوك الأطفال ـ ذكورا وبنات ـ من خلال الاهتمام، وتنويع المواد المقدّمة لهم في التعليم، وكيف ينعكس ذلك إيجابا على تحسّن استيعابهم وتيقّظ قدراتهم بسرعة وتجاوبهم المذهل مع الأساليب غير العادية في التوصيل؛ خاصة عندما يكون الفوج بعناصر قليلة أو متوسطة، أي دون اكتظاظ.
  • ثمة أيضا ملاحظات الأولياء الذين يسجلون ما يحققه أبناؤهم وبناتهم من تقدم وتحسّن في السلوك وفي التواصل وفي استعراض المعلومات التي تعلّموها في مجالات عدة؛ حتى إن بعض الأولياء يحرصون على تسجيل أبنائهم وبناتهم (الأكبر سنا قليلا) في صف” المفكر الصغير” رغبة في أن يكتسبوا ما اكتسبها إخوتهم وأخواتهم..ويمكن النظر إلى هذا الأمر كشكل من أشكال الدعاية الإيجابية لهذا النمط من الأداء التعليمي.

ثمة دون ريب أمور أخرى، لا يسمح مقام هذه المقالة المختصرة باستعراضها، ولكن لابد من التأكيد على حقائق بذاتها في هذا الشأن:

أولا: من الواجب الديني والخُلقي أن تحرص محاضن الجمعية ونواديها ومدارسها على “إعداد ” جيد لكل الأبناء والبنات الوافدين إليها، في مختلف المسؤوليات، طلبا لرضوان الله تعالى أولا، وهو الأساس، وتقديما لنموذج متميز للتربية والتعليم، وهو ما تفخر به الجمعية على مدار تاريخها الطويل الناصع.

ثانيا: الاهتمام بتنويع أساليب التربية والتعليم، واستحداث أفواج يتم تعهّدهم كـ “موهوبين ” و”موهوبات” أمر مهم للغاية، لأن هذا أمر تجتهد فيه المجتمعات في مختلف أطوار التعليم، من الابتدائي إلى التعليم العالي وما بعده. وصناع النخبة العلمية لا يمكن أن يتم دون مراعاة هذه الأمور.

ثالثا: استحضار الطرائق الجيدة والجديدة في التعليميات، واستمزاج “الإبداع” في التربية والتعليم والتكوين أمر في غاية الأهمية؛ من حيث إنه يختصر الوقت والأدوات ويحقق أقصى وأجمل النتائج فوجب ـ حينئذ ـ أن يراعي أخواننا وأخواتنا في المحاضن التربوية للجمعية كل ذلك…ويهتموا به كل الاهتمام. وربّما يكون من الجميل إيلاء هذا الأمر الأهمية اللازمة من حيث : اختيار المشرفين، والمدرسين والمدرسات، تعظيم وتعزيز تكوين المكوّنين في الدورات والورشات، الطموح إلى تأسيس روضات ومدارس ومحاضن متكاملة تكون نموذجا حيا لما ينبغي أن يكون عليه التعليم على مشارف منتصف القرن الحادي والعشرين.

إنه جهد طيب مميز..قد لا تكفي هذه السطور في بيان كل تفاصيله وخلفياته..وإنما هي إشارات أرجو أن تفتح الباب للتواصل والتحاور والتعاون بين شعب الجمعية..أما عن تكوين المفكر فلنا حديث آخر عنه.

عن المحرر

شاهد أيضاً

كيف ننجز…بالكلمات ؟ دعوة للتكوين والتدريب/حسن خليفة

تتقاطع جملة من العلوم الإنسانية في مجال “اللسان” بصفة عامة، أي كل ماله صلة بالخطاب …