الرئيسية | حوار | الفيلسوف والـمفكر التونسي الدكتور أبو يَعرُب الـمَرزوقي في حوار لصحيفة “البصائر”

الفيلسوف والـمفكر التونسي الدكتور أبو يَعرُب الـمَرزوقي في حوار لصحيفة “البصائر”

الاعتماد على القرآن وَحده دون العقل وَهْمٌ، واستعمال العقل وَحده وَهْمٌ

شعور الآخر بعودة الإسلام لدوره التاريخي رغم أن المسلمين اليوم غير معنيين بغزو أوروبا كما يزعم أصحاب “الإسلاموفوبيا”

والشعور أيضا ببداية استرداد المسلمين سيادتهم والتحرر من دُمَى مرحلة الانتقال من الاستدمار المباشر إلى الاستدمار غير المباشر

معركة التحرير ما تزال منقوصة ولن تكتمل دون معركة التحرر في كل بلاد المسلمين والعرب

ليست كل شعوب أوروبا وأمريكا معادية للإسلام. اليمين مُعادٍ للإسلام لكن علماءنا التقليديين مُعادُون أيضا لغير المسلمين. أما المعادون حقا للإسلام فهم أدعياء الحداثة من المنتسبين لحضارتنا عربا وعجما

العرب نكصوا إلى الجاهلية، و”إسرائيل” وإيران استفادتا من هذا النكوص والهزال

الأزمة في العالَم حاليا نظرية وعملية، ولا يمكن الفصل بينهما

قِيم الإسلام تدعو إلى الأُخوة البشرية، لكن تَبَنِّي الشعوب المسلمة فكرة “الدولة الوطنية بالمعنى الغربي” والعودة إلى العرقيات والطائفيات بدا كأنه عامل عدم استقرار

شرط السِّلم في الآية 60 من سورة الأنفال، لما أهمل المسلمون هذا المبدأ صاروا مستدمرات.

الإسلام قادر على سد البعد الروحي إذا عرف المسلمون كيف يجمعون بين شَرطي السيادة الفعلية، القُدرة على الرعاية والحماية الذاتيتين

تأثير الأيديولوجيا سلبي ما لم تكن في خدمة استراتيجية وضعها الفكر العِلمي بأدوات صنعها الفكر العِلمي والتربية الخلقية

إسلامية المعرفة خرافة، المعرفة كونية أو لا تكون

لا يوجد في القرآن أو في الفلسفة ما يُخرِج الإنسان من الشك الوجودي

مسار الباحث يسمو إلى الوعي تدريجيا، يبدأ عديم التحديد ويمر بتجارب مترددة وغير واثقة

 منظومة القِيم واحدة سالبها وموجبها وإن تغير أسلوب وشكل التعبير عنها، قيمة الإرادة هي الحرية والعبودية، وقيمة المعرفة هي الحقيقة والباطل، وقيمة القُدرة هي الخير والشر، وقيمة الحياة هي الـجَمال والقبح، وقيمة الوجود هي الجلال والذل

 

حاوره / الكاتب الصحفي جمال بوزيان

  

أَستضيفُ اليومَ فيلسوفًا ومُفكِّرًا نهل مِنَ الفكر الإسلاميّ والفلسفة الغربيّة في آنٍ… تَرجم مجموعة مِنَ الـمَراجِع الفلسفيّة؛ أثرى المكتبة العربيّة بمؤلفات في الفلسفة والفكر.

يُعَدُّ مِنَ الفلاسفة العرب الّذين يَمتلكون ناصية الحسِّ النَّقديِّ الرَّصين دون مُجامَلات؛ وبذلك هو ذو رؤية واضحة المَعالم؛ تَرفض التَّقليد الأعمى الّذي جثم على الأُمّة؛ ولا يَزال يَنخر جسمها المُنهَك من جراح أهلها ومن جراح أعدائها. فيلسوف ذو فكر حر  في إطار الفكر الإنساني وإنْ يستظل تحت فِكر إسلاميّ فضفاض؛ حيث يَنتقل كالنَّحلة باحثًا عنِ السَّعة لا الضِّيق؛ عنِ الحركةِ لا الـجُمودِ؛ عنِ الـمُرونةِ لا الصَّلابة؛ عنِ الجماعيّة لا الفرديّة… يَسعَى في منهجه الـمَزيج بيْن “الفكر الإسلاميّ والفلسفة الغربيّة” إلى تنشيط العقل والتّفكير الحرّ بعيدًا عنِ الوساطة والوصاية لأجل بِناء حضاريّ متماسك دون الاستسلام للأحداث الّتي تلتهم الأفكار في كُلّ مُنعرَج تاريخيّ؛ وتُحدِثُ زلازل وبراكين لا تَهدأ… يُحيطُ الفيلسوف الـمُفكِّر بحيثيات الصّراع الحضاريّ بيْن الشّعوب والأُمم والدّول والمجتمعات… ويَعرف جيّدًا مَوازين القُوّة في العالَم المترامي الأطراف؛ وأسباب تلك القُوّة… ويُدرِكُ أيّما إدراك بيئة المجتمع العربيّ والإسلاميّ بمختلف ألوانها؛ وعوامل الضّعف فيها؛ وسُبُل تحويل الانكسار إلى انتصار.

اختِيرَ عضوًا في المجلس الانتقاليّ بعْد ثورة الشّعب التّونسيّ الّتي اندلعت شرارتها الأُولَى في سيدي بوزيد يوم الجمعة 17 ديسمبر 2010م؛ لكنّه اختار الاستقالة لاحقًا؛ أُفقه واسع يَقبل الامتداد المعرفيّ؛ ولا يَرفض الآخر؛ لكنّه يَحرص –حِرصًا شديدًا- على نشر الوعي الـمُنتِج؛ له أُطروحات لا تَزال بِكرًا؛ تَنتظر قيادات جديدة تَستثمرها أيّما استثمار.

سألتُ الفيلسوف الـمُفكِّر عن بداية مَساره الفكريّ؛ والعلاقة بيْن العقل والـمَعرِفة؛ والاختلاف بيْن الّذين يَعتمدون على “النّصّ القرآنيّ” وَحده والّذين يَعتمدون على العقل فقط؛ والّذين يُفكِّرون خارج “النّصّ القرآنيّ”؛ وسألتُه عن أجوبة تَزرع اليقين لأصحاب أسئلة الشّكّ في القرآن الكريم؛ و”الـمَدنيّة الـمادّيّة”؛ وحاجة البِناء الحضاريّ العالَميّ بيْن ألوان الثّقافات للسِّلمِ أَمْ للحروب؟ وعنِ العنفِ؛ وهلْ هو وليد للفكر أَمْ هو الابن الشّرعيّ للظّلم بكُلّ أنواعه؟… وأسئلة أُخرى.

تَنشُر أُسبوعيّة “البصائر” حِواري الصّحفيّ مع الفيلسوف والـمُفكِّر التّونسيّ الدّكتور أبي يَعرُب الـمَرزوقيّ.

 

* مَرحبًا بكَ.

– أهلا وسهلا.

* هلْ يُمْكِن الحديث عن بداية مَساركَ الفكريّ؟

من العسير تحديد بداية أي مسار، أولا لأنه يسمو إلى الوعي بالتدريج وغالبا ما يكون عديم التحديد قبل المرور بعدة تجارب مترددة وغير واثقة من الطريق التي سلكها الباحث، لكن إذا اعتبرت أولى الكتابات هي بداية المسار فقد كان أول ما كتبتُ بالفرنسية حول “الشك في ظاهراتية الروحي لهيجل”. ثم تلتها محاولتي حول “مفهوم السببية عند الغزالي” ثم “منزلة الرياضيات في العِلم الأرسطي” وكل ذلك كان بالفرنسية، وبقية الأعمال منشورة ومؤرخة ولَم أَكتب بعد ذلك باللغات الأجنبية إلا المقالات أما الكتب فهي بالعربية.

* ما العلاقة بيْن العقل والـمَعرِفة؟

– إذا قُصِدَ بالعقل كل ما ليس بدنيا من الإنسان فلا فرق بينهما إلا بمعنى الفرق بين الفاعلية والثمرة، فالعقل حينئذٍ هو فاعلية المعرفة بكل مستوياتها وبدايتها الوعي بالذات وبما حولها خلال الإدراك الحسي المباشر أو الإدراك العقلي الحاصل من ثمرات هذا الإدراك الحسي المباشر مع ما يستمده مما يمكنه منه الترميز الناقل من إدراك الأعيان إلى إدراك الكليات.

لكن العقل يمكن أن يكون مصدرا لنوع من أنواع المعرفة وهو ما يسمى بالمعرفة العقلية أي المعرفة التي يمكن اعتبارها أصل النظر أو “الديانويا” أي المعرفة غير المباشرة بتوسط الاستدلال من أدنى درجاته الاستقرائية إلى أسمى درجاته الاستنتاجية، وهو حينئذٍ يقابل أنواع المعرفة الأخرى مثل المعرفة الحدسية والفطرية أو الضرورية ومثل الوحي لمن يؤمن به أو الإلهام الذي من جنس إلهام المبدعين في الفنون والعلوم.

* كيْف تَرَى الاختلاف بيْن الّذين يَعتمدون على “النّصّ القرآنيّ” وَحده؛ والّذين يَعتمدون على العقل فقط؛ والّذين يُفكِّرون خارج “النّصّ القرآنيّ”؟

– لا يمكن الاكتفاء بأي منهما، فمن يتوهم الاعتماد على القرآن لا يمكن أن يعتمده من دون العقل على الأقل من حيث استعمال العلوم المساعدة أو علوم الأداة مثل المنطق وعلوم اللسان، والذي يتوهم استعمال العقل وحده ينبغي أن يدعي التخلص نهائيا من ثقافته التي تلقاها في حضارته وهي مليئة بالمعاني القرآنية حتى لو كانت غير واعية لديه.

* هلْ توجد في القرآن الكريم أجوبة تَزرع اليقين لأصحاب أسئلة الشّكّ؟

الشك درجات، ولا يوجد شيء في القرآن أو في الفلسفة ما يُخرِج الإنسان من الشك الوجودي، الخروج الوحيد يكون من النوع الذي وصفه الغزالي في المنقذ:” نور يقذفه الله في القلب تعود به الثقة في العقل والاطمئنان للإيمان”.

* هلِ الصّفوة “النُّخبة” تَختلف مِن أُمّة إلى أُخرى مِثل ما تَختلف منظومة القِيَم لدى الأُمم؟ ومتى تَنجح الصّفوة في القيادة؟

– لا أعتقد أن النخب تختلف من جماعة إلى جماعة ومن أُمّة إلى أُمّة، وقد صنفت النخب إلى خمسة أصناف بحسب ما يغلب على أعضائها “الأفراد” من مقومات كيان الإنسان عامة وهي مقومات كونية يشترك فيها جميع البشر سواء أكانوا من النخبة أم لم يكونوا منها.

الصنف الأول هو “صنف نخبة الإرادة” أي من يغلب عليهم قوة الإرادة وغالبا ما يكونون ميالين للعمل السياسي وادّعاء تمثيل إرادة الجماعة.

الصنف الثاني هو “صنف نخبة المعرفة” أي من يغلب عليهم قوة العقل وغالبا ما يكونون ميالين للبحث العلمي وتمثيل علماء الجماعة.

الصنف الثالث هو “صنف نخبة القُدرة” أي من يغلب عليهم الميل إلى إنتاج ما يسد الحاجات المادية (الاقتصاد) أو إلى إنتاج ما يسد الحاجات الروحية (الثقافة).

الصنف الرابع هو “صنف نخبة الحياة” أي من يغلب عليهم الميل إلى التعبير عن الذوق أو ما يسد حاجاته أي الفنون الجميلة والرياضات بأنواعها.

الصنف الخامس والأخير هو “صنف نخبة الوجود” أي من يغلب عليهم الميل إلى الرؤى الوجودية، إما بأسلوب علماء الدِّين أو بأسلوب الفلاسفة.

أما منظومة القِيم واحدة سالبها وموجبها حتى وإن تغيرت من حيث الأسلوب وشكل التعبير عنها: قيمة الإرادة هي الحرية والعبودية، وقيمة المعرفة هي الحقيقة والباطل، وقيمة القدرة هي الخير والشر، وقيمة الحياة هي الجمال والقبح، وقيمة الوجود هي الجلال والذل.

أما القيادة، فهي دائما بيد الصفوة، لكن الصفوة درجات، منها الصالح والطالح، بحسب أنواع القِيم التي ذكرت، وغالبا ما تكون الجماعة تعاني من النُّخب التي تغلب عليها القِيم السلبية في الأزواج الذي ذكرت.

* هلِ “الـمَدنيّة الـمادّيّة” تَخاف الإسلام بصفته دِينًا أَمْ تَخاف الحركات الإسلاميّة النّشطة في العمل السّياسيّ أَمْ تَخاف الـمجموعات الّتي تُمارِس العنف وتَنسب نفسها للإسلام ظُلمًا أَمْ وَقَعَ لُبْسٌ؟

هل تعلل الخوف من الثاني بالتشويه الثالث بوصفه علامة على الخوف الأول وهو من بقايا ما لم تنسه من التاريخ الطويل بين الحضارتين الإسلامية والمسيحية منذ بداية التحرر من المستدمرات الغربية في ما صار دار الإسلام حول المتوسط وخاصة منذ الفتح الإسلامي في أوروبا؟. والخوف الثاني علته الشعور بأن المسلمين بدأوا يستردون سيادتهم والتحرر من الدمى التي نصبوها عليهم في مرحلة الانتقال من الاستدمار المباشر إلى الاستدمار غير المباشر. والخوف الثالث مبني على كذبة صنعتها مخابراتهم لتشويه العلة الثانية بوصفها علامة علة الخوف الحقيقية عودة الإسلام لدوره التاريخي حتى وإن كان المسلمون اليوم غير معنيين بغزو أوروبا كما يزعم اليمين الغربي أصحاب “الإسلاموفوبيا”.

* ألا تَرَى أنّ “مَعرِفة الإسلام” لَم يأخذْ حقّه مِثل ما لَم يأخذْ مفهوم “إسلاميّة الـمَعرِفة” حقّه أيضًا؟

– الإسلام معروف بما يكفي ليجعل الغرب يخاف دوره التحريري من النظام العالمي “المافياوي”. أما إسلامية المعرفة فخرافة، المعرفة كونية أو لا تكون.

* هلِ الفكر الإسلاميّ قادر على صناعة “سِلم اجتماعيّ وتَعايش ثقافيّ وبِناء حضاريّ” بيْن الشّعوب والأُمم ولو بعْد حين؟

ظل قادرا على ذلك قرونا. الاستدمار حال دون ذلك عند ما انحطت الأُمّة. وتَبَنِّي شعوبه فكرة “الدولة الوطنية بالمعنى الغربي” بالنكوص إلى العرقيات والطائفيات هو الذي جعله يبدو وكأنه عامل عدم استقرار، لأن القِيم التي يدافع عنها تتجاوز العرقيات والطائفيات وتؤمن بالأُخوة البشرية:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ…}[الآية رقم 1 من سورة النساء]، وبالمساواة بين البشر الذين لا يتفاضلون إلا بالتقوى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ الْلَّهِ أَتْقَاكُمْ…}[الآية رقم 13 من سورة الـحُجرات].

* كيْف تَرَى مُستقبَل الجماعات الوسطيّة الـمُعتدِلة الّتي تَعتمد الإسلام مَرجَعًا في مشروعاتها؟

– بدعة الجماعات الوسطية لا معنى لها إلا كبدائل زائفة مما شوهوه، الإسلام بالجوهر هو دِين الأُمّة الوسط، والمتطرف الوحيد في عصرنا هو الاستدمار القديم والذي عوضته أمريكا بعد أن احتلت الإمبراطوريات الأوروبية ومستدمراتها.

* هلِ البِناء الحضاريّ العالَميّ يَحتاج حروبًا بيْن الأُمم أَمْ يَحتاج السِّلم بيْن ألوان الثّقافات؟

– شَرْطُ السِّلمِ هو:{وَإِنْ جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى الْلَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}[الآية رقم 60 من سورة الأنفال] لما أهمل المسلمون هذا المبدأ صاروا مستدمرات.

* سُرعان ما تَنهار نظريّات مِثل “نهاية التّاريخ”؛ و”صِدام الحضارات”؛ وغيرهما… ما رأيكَ؟

العلة هي عودة الإسلام للتاريخ ويغلب عليها العودة الروحية، وكذلك عودة حضارات الشرق الأقصى القديمة ويغلب عليها العودة المادية، وينبغي أن يجمع المسلمون بين العودتين عملا بالآية رقم 60 من سورة الأنفال.

* ألا تَرَى أنّ أنصار “الـمَدنيّة الـمادّيّة” مكتوفو العقول أمام “الإسلام الحضاريّ”؛ وعاجزون على فَهم مُستقبَله وحركته الـمُستمِرّة الّتي لا تُوقِفها “أشباه مشروعات”؛ ما رأيكَ؟

– المدنية المادية هي تطور كوني وإنساني لأنه جمع بين التراث اليوناني والإسلامي والغرب الحديث مع تضاؤل دور البعد الروحي الذي يمكن أن يصبح الإسلام مَصدر سد هذه الحاجة إذا عرف المسلمون كيف يجمعون بين شرطي السيادة الفعلية، القُدرة على الرعاية والحماية الذاتيتين.

* هلِ العالَم في مأزق حضاريّ بسبب الفكر أَمِ العمل أَمْ كِليْهما؟

لا يمكن الفصل بينهما. إذن الأزمة الحالية نظرية وعملية.

* ألا تُلاحِظ أنّ العلماء الـمُسلِمين استبحروا في الكتابة عنِ العبادات؛ ويَكادون يُهملون الكتابة عنِ العلم والعمل والعدل والحرّيّة والـحُكم والشّورى؟

العلة هي الاستبداد والفساد، ومع ذلك فالكتابات التي من هذه الجنس موجودة، ويكفي دليلا كتابات ابن تيمية ومقدمة ابن خلدون.

* ألا تَرَى أنّ مُعاداة الإسلام في أوروبا وأمريكا هي سموم تَقتل التّعارف والتّعايش والتّعاون بيْن النّاس؟

– ليست كل شعوب أوروبا وأمريكا مُعادِيةً للإسلام، اليمين مُعادٍ للإسلام لكن علماءنا التقليديين مُعادُون أيضا لغير المسلمين، أما المعادون حقا للإسلام فهم أدعياء الحداثة من المنتسبين لحضارتنا عربا وعجما.

* استولتِ “الصّهيونيّة العالَميّة” على “هيئة الأُمم الـمُتّحدة”؛ وتَكالبتْ على فلسطين فاقتطعتْها لـ “إسرائيل”؛ وانقضّتْ على “جامعة الدّول العربيّة”؛ وزحفتْ نحو “مُنظَّمة التّعاون الإسلاميّ”؛ وشلّتْ “اتّحاد الـمَغرب العربيّ”؛ وها هي تَشقّ صفّ “مَجلِس التّعاون الخليجيّ”… مَن يُوقِف هذه الأخطار؟ وكيْف؟

في الحقيقة، العرب نكصوا إلى الجاهلية، وطبعا “إسرائيل” وإيران استفادتا من هذا النكوص والهزال لدى الحكام العرب قبليين كانوا أو عسكريين ولدى النخب التي تخدمهم وتطبل لهم.

* كيْف يُقاوَم الاستلاب الفكريّ؛ والغزو الثّقافيّ؛ والغلوّ الدِّينيّ؛ والتّعصّب السّياسيّ؟

بالتربية والـحُكْمِ الرشيديْن.

* في العالَم العربيّ يُنشئون دساتير للاستهلاك المحلّيّ؛ ولرضا “الغرب”؛ لكن حُكّام تلك البُلدان يَلتزمون بتعهّدات سرّيّة لقُوَى أجنبيّة…ما رأيكَ؟

هذا هو الداء الذي من أجله قامت الثورة. والمعركة الآن جارية. لذلك فمن لا يسهم فيها لتحقيق شروط التحرر وأولها التحرير من الاستعمار الذي يفرض عليهم فنون الخداع هذه حتى يطيل عمر الاستدمار غير المباشر، وهو ما يعني أن معركة التحرير ما تزال منقوصة وهي لن تكتمل من دون معركة التحرر في كل بلاد المسلمين والعرب.

* هلِ العنف وليد للفكر أَمْ هو الابن الشّرعيّ للظّلم بكُلّ أنواعه؟

– العنف من حيث أصله خاصية بيولوجية. الحياة كلها عنيفة، لكن الظلم يزيده قوة، ولا يمكن أن يوجد العنف من دون الفكر، لأن الفكر هو الذي يمكنه من التأثير بالاستراتيجية والأدوات، والعنف إما لافتكاك مَصدري الحياة أي الغذاء والجنس أو للانتقام من أفعال من يَسعَى لافتكاكهما.

* ما رأيكَ في الخطاب الدّينيّ والسّياسيّ في العالَميْن العربيّ والإسلاميّ؟ وهلْ تُؤثِّر “الأيديولوجيا” على بِناء الدّول؟

الخطاب الديني الذي يصنعه الدراويش الذين يفكرون بذهنية القرون الوسطى ليس فيه فكر ديني وسياسي. والأيديولوجيا تؤثر دائما، لكنها في الغالب تؤثر سلبا ما لم تكن في خدمة استراتيجية وضعها الفكر العِلمي بأدوات صنعها الفكر العِلمي والتربية الخلقية.

* ما هو آخرُ كِتابٍ قرأتَه؟

Metakritik  zur Kritik der reinen Vernunft

von  Johann Gottfried Herder

* سعيدٌ بكَ اليومَ؛ كرمًا لا أمرًا؛ اختمِ الحوار.

شُكرًا على هذه الأسئلة… والسلام.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

البروفيسور يوسف عدوان المتخصص في علم النفس العيادي..لجريدة البصائر/ حاوره : حسن خليفة

    المجتمع الجزائري يشهد تحوّلا مخيفا في القيم، ونزوعا غير مسبوق نحو تفكّك شبكة …

تعليق واحد

  1. شكرا أخي على الحوار، لكن وددت لو استغللت هذه الفرصة الثمينة مع الدكتور أبي يعرب ؛ للغوص أبعد مما طُرح عليه من أسئلة؛ إذ لا أرى الحوار قدم شيئا يُذكر عن عالم المرزوقي الفكري والفلسفي؛ فمن يقرأ هذا الحوار يعتقد أنه امام مفكر من عديد المفكرين المعروفين فحسب، والحقيقة أننا مع أبي يعرب امام نمط من الفكر والتلفسف والتفكر؛ شيد مملكته الفكرية المميزة؛ وهو في الحقيقة في حاجة لمحاورة مطولة شاملة؛ ولا يتأتى هذا إلا بقراءة عميقة لفكره المنشور؛ الذي من ميزاته الأساسة ميزتان : الغزارة والعمق إلى الحد أن من يقرأ كتبه يعاني من الشدة والصلابة ما يرهق عقله وجسده معا، لكن المتعة التي يجدها القارئ الصبور تكتنفه، فلا يكاد يترك كتابه حتى يعود إليه . وقد كنت حريصا كلما زرت تونس أن أيممّ شطر مكتبة شهيرة في قلب العاصمة التونسية ، متلهفا للحصول على آخر إصداراته ، وآخذ في التهامها كتابا تلو كتاب، وأذكر أيام صيف ولياليه غرقت في كتابه (الجلي في التفسير) بأجزائه الثلاثة، الذي خاض فيه تجربة مغامرة لتفسير فلسفي للقرآن الكريم، فكانت فعلا من امتع أيام وليالي الصيف التي عشت .
    ومع ذللك فيمكنك تسجيل ملاحظات حول فكره منها :1- فكر جدلي يستفز العقل المنصف والمتحامل للتشابك معه بل والتصادم – 2- حدة أحكامه أحيانا ، والتي يشوبها في مواطن نقد الحداثيين من اللفظ والقول ماغلظ وزاد-3- هجومه غير الرحيم في مقالاته السياسية على من يتخذهم غرضا لسهامه دولا و هيئات وأشخاص وأحزاب ونحل – 4- ولاؤه الجارف لمن يتعاطف أو يتصالح معهم سياسيا -5- تناوله الفكر التجديدي الإسلامي من مداخل ثلاثة من كبار علمائه :ابن تيمية وابن خلدون وأبي حامد الغزالي، تتعاضد لبناء اتجاه فكري تجديدي تغييري حضاري، يدخل العصر ومشكلاته وإكراهاته ونوازله بطاقة فكرية خلاقة مبدعة منتجة فكرا وحضارة عصرية متوازنة قائدة نحو الخلاص المرهق الذي كبلت به المادية ثم العولمة الكيان النفسي والفكري والجسماني إنسان العصر .
    الحق أن مسؤولية علمية وأخلاقية وديينة تنتظر المؤسسات العلمية والبحثية في عالمنا العربي للمبادرة بمؤتمرات وحلقات نقاش واعدة بالتحليل والعطاء الكشف عن اتجاه فلسفي أصيل فلسفة ورؤية مبدعة؛ إذ تبادر بالبحث والمناقشة والتحليل والمحاورة حول فكر أبي يعرب أطال الله في عمره، وبارك في جهوده؛ وأتمنى أن يقرب الله تعالى هذا العمل الجاد الهام.