الأثنين 20 ذو الحجة 1441ﻫ 10-8-2020م
الرئيسية | حديث في السياسة | كيف يكشف الكذاب نفسه؟/ التهامي مجوري

كيف يكشف الكذاب نفسه؟/ التهامي مجوري

لا أحد يتعمد تكذيب نفسه وإنما مسالكه المعوجة هي التي تكشفه من غير تدخل من أحد.

ذلك أن الإنسان كتلة من الطاقات المتنوعة، فيها السلبي وفيها الإيجابي وفيها الخليط منهما، والإنسان في تفاعله مع الواقع رهينة لهذه الطاقات الكامنة فيه، بحيث لا يستطيع أن يتخلص من هيمنتها عليه مهما فعل، وذلك هو عدل الله فيه وفي علاقاته بالله والكون والحياة، وفي تفاعله مع المعرفة والحركة والعلاقات، التي هي مكونات إنسانيته، أحب أم كره، التي يفقد من إنسانيته بقدر ما يفقد منها.

فالإنسان عبد لله الذي سخر ما في السموات والأرض جميعا منه، وطُلِبَ منه بأن يقيم علاقات متوازنة بين علاقته بنفسه وعلاقته بالله وعلاقته بالكون المسخر له، وفق منهج معرفي جاد وحركية فاعلة منتجة وعلاقات مثمرة…، ولكن هذا الإنسان يأبى أن يكون مطيعا دائما، فجعل الله له من نفسه من يشهد عليه وعلى صدقه وكذبه في الدنيا قبل أن تشهد عليه أطرافه يوم القيامة {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}[النور:24].

فالرجل الصادق، تلمس إضافاته في كل شيء، في فعل قام به، وفي أثر تركه خلفه في مكان ما، وفي قول قاله وانصرف، وفي سلوك سلكه بموقف ما، سجله في حدث ما، ولذلك تجد من الناس من غطت إيجابياتهم سلبياتهم، بحث تحسب عيوبه وتعد عدًّا لقلتها:

“وَمَن ذا الَّذي تُرضى سَجاياهُ كُلُّها

كَفى المَرءَ نُبلاً أَن تُعَدَّ مَعايِبُهْ”

وأما الكاذب والمنافق، فإنه يقول ويفعل كما يقول الصادق ويفعل، ولكن تلك الطاقات الكامنة هي التي تكشف صدقه وكذبه؛ بل تكشف خبثه أيضا؛ حيث يمكنه أن يكذب في القول، وينافق في الموقف، ويتحاشى كل ما يؤدي إلى تكذيبه وكشف نفاقه، ولكنه يعجز مثلا عن التحكم في حركة جسده من إشارة بيده، وحركة عينه، ونبرة صوته، وتلون بشرته، وغير ذلك من الانفعالات الداخلية التي لا يستطيع كبحها، وهي طاقات كامنة من نوع خاص، بحيث يمكنك أن تستمع إلى محدث لك لمدة تطول أو تقصر، ولكنك أحيانا تكتشف صدق القول من كذبه، من خلال تلك الطاقات التي لها من الخصوصية ما ليس لغيرها. ويمكن أن يقول قولا وينسيه الله ما قال فيفضح نفسه بقول مخالف يعريه ويفضحه، أو يقف موقفا أسوأ أو أفضل من قوله.

ثم إن هذه الطاقات كلها معدة للعمل والنشاط وفق سنن الله في علاقة الإنسان بالله والكون والحياة، ووفق علاقة الإنسان بعوالم المعرفة والحركة والعلاقات، ومهيأة للإستجابة لكل ذلك وفق قرار إلهي لا يعلمه كثير من الناس، واستثمارها ميسر لكل من يطلبها.

ولكن عندما تقصر همة المرء في جانب من جوانب الحياة فيعجز عن صرف الطاقة في موضعها، فإن تلك الطاقة أو غيرهما من الطاقات الكامنة بداخله، تظهر في أشكال أخرى تدينه وتنتقم منه؛ لأنه لا يحترم قوانين الله اللازمة لاستقامة الحياة.

فالعاجز عن إقناع الناس في النقاش الهادئ، يستعين بالصياح لفرض قناعاته عليهم. ومن قصر ذراعه على الفعل، يستعين بلسانه لسد الفراغ الحاصل، ومن ليس له حضور بين الناس يطمح إليه، فإنه يسجله بحركات بهلوانه فيما يعرف في علم النفس “لفت الانتباه”، ومن لم ينتظر شكر الناس ولا يشكرونه فإنه لا يتردد في شكر نفسه والثناء عليها، وربما عمل على الانتقام ممن لم لا يساعده على الحضور والشكر.

إن التقصير شأن بشري والاعتراف به هو أفضل سبيل للتخلص منه، ولكن بعض الناس يسلكون المسالك المعوجة لمعالجته، فيُرَقِّعون المواقف بشراء الذمم، ويستعينون بالكذب والوشاية وتشويه سُمَع الناس ليغطوا على عيوبهم، في حين لو أنهم استقاموا وسلكوا المسالك الصحيحة، لذُكِروا عند الله والناس بما يستحقون، وإن لم يذكروا بين الناس، فإنهم يذكرون في الملإ الأعلى.

ذلك هو حديث السياسة لهذا الأسبوع، الذي أردته مقياسا نضعه بين أعيننا ونحن ننظر إلى السياسيين والدعاة والمصلحين وغيرهم ممن يحبون أنفسهم على حساب قيمهم وبلادهم ومواطنيهم، ويغيرون المواقف والآراء كما يبدلون سراويلهم وقمصانهم وجواربهم أكرمكم الله.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

الحكمة في الجدل السياسي/ التهامي مجوري

  الحكمة هي وضع الشيء في محله، قولا كان أو فعلا أو موقفا أو رأيا، …