الرئيسية | كلمة حق | ويل للعرب من شر قد اقترب/ الدكتور عمار طالبي

ويل للعرب من شر قد اقترب/ الدكتور عمار طالبي

 

لم يصب العرب في التاريخ ما أصابهم اليوم من التشرذم وسوء التصرّف، والتبعية، وفساد السياسة، وانحراف الرأي، وخراب الديار، والإصرار على اتباع الهوى. أصبحت بلدانهم إلا ما رحم ربك مستباحة الجانب، ومسرحا للعب الدول الكبرى، وقضاء مصالحهم، ووضع قواعدهم العسكرية وترسيخها.

إنهم يستغيثون بهذه الدول لتنصرهم على أنفسهم ويلجأون إليها في رحلات متتالية، ويرون أنه لا ملجأ إلا إليها ولا استعانة إلا بها.

يحارب بعضهم بعضا، فهذا يحارب في اليمن وذاك يدمر في ليبيا، والمصيبة الكبرى أصابت العراق من قبل ومن بعد، فذهبت دولته، وأصبحت في يد مليشيات عابثة، متصارعة، تدعي الإسلام، وتعتدي على قيمه وأخلاقه، وتقوم بتأليف مسرحيات تاريخية، تؤجج بها الفتن، وتوقد نيرانها، فتجري الدماء، ويذهب ضحيتها الشيوخ والولدان والنساء والعجزة، المرضى منهم والأصحاء.

تستعمل الدول بعضهم أدوات لتدمير بعضهم الآخر.

إننا أمام سايكس بيكو جديد، فهذه دولة الأكراد واقع لا مرد له في العراق، وأخرى قادمة في سوريا، ودويلات أخريات في سبيل النشوء والظهور في سوريا واليمن، وليبيا، ولا ينفك التشرذم والانقسام ينخر كيان العرب، وهذه مصر يراد انقسامها إلى دولة الأقباط وأخرى للمسلمين، كما تشير الانفجارات التي تصيب الكنائس لتدفع بالأقباط إلى الانفصال بسبب هذا الظلم، ألا يأخذون درسا مما حدث للسودان، والعيون متجهة إلى الجزائر من جنوبها بما يحصل في مالي. وليبيا يراد بها ما يراد بالآخرين لا قدر الله، ولا منجاة من ذلك إلا صلابة الشعب الجزائري، وتماسكه، وقوة دفاعه عن ذاته كما علمنا تاريخه من قديم الدهر، وحديثه بإذن الله وحوله.

إن ما ينشأ من فرق دينية نابتة، ودعوى شيوخها أنهم على حق دون سواهم، وتنطعهم، وتمسكهم بظاهر النصوص وحرفيتها بلا عقل يفكر في المآلات والعواقب، فهذه سلفية علمية وهذه جهادية حركية، وتلك تالفة في الفهم وقلة العلم والإدراك يكفرون الناس، ويبدعونهم ويفسقونهم، ولا شغل لهم إلا أكل لحوم العلماء وتكفيرهم، والبحث عن عوراتهم، وتكفير عامة المسلمين.

ولكن هؤلاء الشيوخ الذين يباركون الانقسام والحصار ، ويرضون لأنفسهم أن يكونوا أدوات للسياسة المتقلبة مهما تكن مآلاتها وعواقبها، وقلما تجد من يتمسك بالربانية ممن يحمل هذا العلم الديني من كل سلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، فكثرت التحريفات، وانتحال الباطل، وتأويلات الجهلة المتنطعين، الحرفيين، بدعوى السلفية والسنة، والكتاب، وما هم على إدراك بمقاصد الكتاب والسنة، إنما النص بمقاصده ومعانيه لا بألفاظه ومبانيه، فاختلطت الفهوم، واعوجت المدارك، وانحرفت العقول عما جعلت له من الفقه الصحيح للكتاب والسنة، وما هي إلا مزاعم لنابتة لم تذق للمدارك والمقاصد طعما، ولم تحط بالنصوص في كل باب من أبوابها، لتتكامل تلك النصوص العام منها والخاص، والمطلق والمقيد، وربما تشبثوا بفتاوى ذهبت بذهاب زمانها وظروفها وقلدوها تقليدا أعمى، بلا تفكير ولا تأمل، كأنهم ألغوا عقولهم وطمست قلوبهم فلم تعد تفقه ولا تدرك ما يحيط بالعالم الإسلامي، من استعمال بعض المسلمين ضد بعضهم الآخر، واتخاذ فئة عميلة يوجهونها كما يشاءون لتدمير المسلمين حتى لا تقوم لهم قائمة ولا تنهض لهم ناهضة.

إلى متى يدوم هذا الضلال العقائدي والسياسي، وهذا العمى، وتبديد أموال المسلمين وكرامتهم، وتسليمها للأعداء، والركون للصهاينة وموالاتهم، وأعجب من ذلك تصريح بعض هؤلاء الساسة الذين طمس الله قلوبهم بأن المقاومة حماس إرهابية، فهل هذا تطابق مع ما يقوله الصهاينة أم ماذا؟

شعر الصهاينة بهؤلاء الساسة العرب في ضعفهم، وتقربهم منهم، فدعوا إلى تطبيع مع هذه الدول التي يسمونها بالدول المعتدلة أي الدول الخاضعة لهم.

يشتغل هؤلاء العرب بأنفسهم وبشتى الحروب المجنونة، وتناسوا بيت المقدس، وفلسطين قاطبة، فهل من هوان أهون من هذا الهوان، وهل من كارثة أنكى وأمر من هذه الكارثة؟ وهل من خذلان أذل من هذا الخذلان للمقدسات؟ أين أمثال الملك فيصل تغمده الله برضوانه، في عزمه وحزمه على تحرير القدس والصلاة في بيته؟ هل اختفى أمثال هؤلاء الرجال؟ وخلفهم خلف أضاعوا الأمانة، وتوغلوا في خيانة القدس، وكثر صخبهم وصياحهم في مؤتمراتهم في الكلام على فلسطين، ومالوا سرا أو علانية إلى الاستهانة بالقضية المركزية المحورية للعرب والمسلمين .

متى نبلغ الرشد في الدين والسياسة، ومتى ينهض العلماء الربانيون فينفون عن هذا الدين تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين؟

عن المحرر

شاهد أيضاً

أزمة التربية عندنا في الجزائر/ أ.د. عمار طالبي

لا يستطيع المجتمع أن يحقق مصيره بذاته في عالم يواجه فيه تحديات كبرى، إلا أن …