الرئيسية | على بصيرة | ابتهالات صائم عربي.. في ليلة القدر / الأستاذ الدكتور عبد الرزاق قسوم

ابتهالات صائم عربي.. في ليلة القدر / الأستاذ الدكتور عبد الرزاق قسوم

رباه!

يا رب المستضعفين، وناصر المظلومين، وقاهر الطغاة والظالمين!

ها هي الملايين من حوارييك وأنصارك الصائمين، العطشى، الجياع، في ليلة القدر واقفين ببابك، ولائذين بمحرابك، طامعين في عونك وجوابك، بعد أن خضّبت جفونَهم الدموع، واحدودبت لدى جنباتهم الضلوع، وانطفأت أمام أعينهم كل الأنوار حتى الشموع.

أيا رب العالمين ! ويا رب العرب والمسلمين ! أدرك بعطفك وعفوك، رأب البناء العربي وقد تصدع، وصفّ الاتحاد الخليجي وقد تفرقع، وإعلان حرب الأشقاء المتوقع.

عونك لهؤلاء الملايين من الضحايا المشردين في العراء، ومثلهم من الركّع والرضّع، وقد أنهكت أبدانهم النحيلة، حرارة الرمضاء في البطحاء، فانقطعت بهم السبل، ولم يبق لهم من أمل، إلا أمل الرجاء، في رب السماء.

يحدث كل هذا، بسبب ظلم الأخ لأخيه، وقسوة الوطن على بنيه، وقمع الحاكم لمواطنيه.

لقد احلولك الليل العربي، فأظلمت أرضه وسماؤه، وندر ماؤه وغذاؤه، فزهد فيه رجاله ونساؤه، وبعُد بُرؤه وشفاؤه.

فنسألك اللهم، في ليلة القدر، وعسى أن تكون ساعة إجابة، نسألك بـبركة الكهف وياسين، وآيات الرحمن والتين، أن تقلع من صفوفنا، أرجاس الخونة، والعملاء وكل الشياطين، فهم الذين ما فتئو يُذكون نار الفتنة بالفساد والمفسدين.

وأنّى لنا أن تستقر أحوالنا، والحرب الدامية في كل ناحية، وأشلاؤ مواطنينا، ملقاة على كل رابية، وفي كل زاوية، وما ذلك إلا باستفحال طغيان الطاغية، وتحكّم الفئة الباغية، والتنكيل بالفرقة الناجية.

فهل تنجدنا ملائكة الرحمن، وقد تنزّلت في ليلة القدر، من هول ما نعاني؟… وهل تشفع لنا حلاوة تلاوة الفرقان، والسبع المثاني؟ وما ردده أئمتنا ودعاتنا من ترتيل وتفسير للقرآن؟

فيا ربنا! هذا حالنا لا يخفى عليك، وهذا ضعفنا ظاهر بين يديك، فعاملنا بالإحسان إذ الفضل منك وإليك !

متى تشرق شمس الحرية على فلسطين الجريحة وقد طال ليلها، واشتد ويلها، ويوشك أن يتوقف عن الركض خيلها؟ أيعقل أن تتحول فلسطين، وهي الجامعة للشمل، والحاضنة للفضل، أيعقل أن تتحول إلى أداة للفصل بدل الوصل، ومدعاة للقطيعة الفظيعة بدل أن تكون الموحّدة الوديعة؟

متى نستعيد أرض قدسنا المغصوبة، ووحدة شعبنا المطلوبة، وبصيرة أعيننا، وعقولنا المعصوبة، وكرامة وطننا المصلوبة؟

وحدثونا عن سوريا حتى لا ننساها، فمتى يا ربنا تُلهم أشقاءنا السوريين أن يستعيدوا رشدهم، فيضحوا بالمناصب والمكاسب، ويتحرروا من كل مغتصب للحكم ناصب، فيستعيد الوطن أمنه وأمانه، وهويته وعنوانه، ويقضي على فتنته المزمنة، ويدحض فرقته وشنآنه؟

وهذا اليمن الذي أخنى عليه الزمن، من صنعاء إلى عدن؟ أليس فيهم جمع سديد، يتق الله في اليمن السعيد، فيعيد إليه مجده التليد، وعهده الرشيد، واتحاد شعبه المجيد؟

فيا رب البلاد ! يا رب العراق، وليبيا ومينيامار، والصومال، وأفغانستان، وكل شبر وكل مكان ! أنظر بعين رحمتك إلى أجزاء أمتنا هذه التي أثخنتها الجراح، وهزمتها الأتراح، كي تربط عهدها من جديد بالانشراح، بدل النواح والانبطاح.

هذه هي حال أمتي العربية والإسلامية التي مسها الضر، وطوقها الشر، وظهر الفساد في كل جزء منها، في الجو، والبحر، والبر.

هل يكون رمضان هذه السنة هو آخر شهور المعاناة، بفضل ما قدّم المخلصون –فيه- من صيام، ونسك وصلاة؟

وهل تشهد ليلة القدر فيه بداية انقشاع السحب عن سماء أمتنا، فيتوحد الشمل بين أجزاء الخليج الواحد؟ وبين أبناء الوطن الواحد؟ وبين أتباع الدين الواحد؟

إننا نمد إليك يا ربنا أكفّ الدعاء، وألسنة الرجاء، في ليلة القدر العصماء، كي تجبر كربنا، وتستر عيبنا، وتفتح قلوب وعقول، حكامنا وقادتنا ودعاتنا، إلى نشر الحب الذي ضاع بين الناس، والتسامح الذي اختفى بسبب الوسواس الخناس، والوعي بالمصير الوطني الذي ذاب تحت وطأة اليأس.

هل يدرك كل عاقل فينا، وكل واع منا، أنّ ما نحدثه بأيدينا في أوطاننا قد أطرب عدونا، لأنه به تحقق حلمه في ضرب شملنا؟ فهل نرضى أن نكون أداة هدم لبنائنا، بأيدينا، ومعولا لأعادينا؟

إننا نعود بالله من السلب بعد العطاء، ومن خيبة الأمل والرجاء، ومن شماتة الأعداء، ومن تحقيق مخططات الخونة والعملاء.

هذه ابتهالات صائم عربي مكروب، أعيته مسالك المحن، والفتن والدروب، وضاقت به السبل أمام اشتداد الكروب، فلم يبق له من أمل سوى الرجاء في الله وهو وحده الأمل المطلوب.

إنها ابتهالات عربي، صائم إيمانا واحتسابا وقد هزته الرزايا، وناءت بكلكله الحنايا، فباح بما تعانيه أمته من القضايا.

سوف يظل رجاؤنا الكبير في الله أن ينظر إلينا بعين عفوه، وأن لا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا. فعفوه أعظم من سفاهتنا، وعطفه أقوم من سذاجتنا، فلينظر الله، إلى صبية رضّع، هدّتهم أهوال الحرب الجائرة الظالمة، وإلى نسوة ركّع شرّدتهن عن ديارهن روعة القصف الهمجي المروّع، بشتى أنواع المبيد المفزّع.

سوف يظل رجاؤنا فيك قويا، فلا تردّنا خائبين، وأن تقبل منا ابتهالاتنا ودعواتنا، بفضل عباداتنا، فنكون إن شاء الله من المقبولين، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، ينصر من يشاء من عباده المخلصين.

عن المحرر

شاهد أيضاً

القول المدروس في تهافت دعاوى الشيخ فركوس/أ.د. عبد الرزاق قسوم

ما كنت أحسبني، أحيا إلى زمن، أُظطر فيه إلى التردي في هذا الدرك الأسفل من …