الرئيسية | على بصيرة | دماء، ودموع، وشتات، من اليمن إلى الفرات/ الأستاذ الدكتور عبد الرزاق قسوم

دماء، ودموع، وشتات، من اليمن إلى الفرات/ الأستاذ الدكتور عبد الرزاق قسوم

 

مَن للمستضعفين والـمعذبين في وطننا العربي والإسلامي، الذين أظلمت الدنيا في عيونهم وطار النوم من جفونهم، واستقر الجوع في بطونهم، مَن لهم سواك، يا رب؟

إنهم مشردون، فحقق أويتهم، وإنهم جائعون، فخفف مسغبتهم، وإنهم مسجونون، فآنس وحشتهم، وإنهم مظلومون، فعجّل نصرتهم؟

فمـَن –سواك يا رب !- للأطفال التعساء في يـمن الأشقياء، بأي ذنب اغتال الظالـمون طفولتهم، وقصفوا حافلتهم، وسكبوا دمعتهم، وأغلقوا مدرستهم؟

ومَن لِيتامى إدلب، الذين يعانون بُعد الدار، وقسوة الكبار، وعدوان الطاغوت الجبار، ومرارة العزلة والانكسار؟

مَن لعفيفات الـموصل والبصرة، الذين يعيشون النكد والحسرة، واغتيال العفة والطهرة، بعد أن غدر بهم الولي والتقي في ساعة العسرة؟

ومَن للعلماء الأخيار، الذين كانوا مصابيح النوادي، والـمساجد، والديار، فهم يقبعون في الزنزانات الـموحشة، بسبب ظلم التعسف الذي طغى وجار؟

إنها مشاهد بؤس، ونحس، وتعس، هذه التي تطبع واقع أمتنا العربية والإسلامية، من صنعاء إلى البطحاء، ومن البيضاء إلى كربلاء، لا يأمن فيها الإنسان على إنسانيته، والحر على حريته، والـمالك على ملكيته. فماذا دهى أمتنا؟ وأي طائف من الشيطان، مسها؟

أليست أمتنا هي الشاهدة على الناس، في تبليغ الرسالة، ونشر العدالة؟

فكيف تحولت فجأة إلى رمز للحقارة، والنذالة؟

وانحدرت من علياء سمائها إلى الدرك الأدنى من السفالة؟

إنه –حقا- لأمر عجيب، ما يعانيه الشرفاء النبلاء، مما تعرضه أمتنا على شاشات الأحداث العالمية، من تشويه للأحكام، والعبث بالعلماء الأعلام، والاحتكام إلى الفاسدين الـمفسدين من الأزلام.

ويتساءل الجميع في حسرة وأسى:

أين العلماء الآمرون بالـمعروف، والناهون عن الـمنكر، والحافظون لحدود الله؟

وأين الـمثقفون الحداثيون، الذين ملأوا الدنيا في الـمطالبة بحقوق الإنسان، عندما يخرج صوت يطالب بالحكم بما أنزل الله وتحكيم شرع الله؟

ما بال الجميع يصمتون عندما تُداس كرامة المسلمين، حتى ولو كانوا علماء ممن يُشهد لهم بالصلاح والإصلاح، وبالوسطية والانفتاح.

أحرام على بلابله الحر

حلال الطيور من كل جنس

رحماك ربي بأمتنا، وقد بلغ فيها الظلم منتهاه، ووصل الفساد والإفساد ما لا نرضاه، فأبرم لهذه الأمة من يعيد لها أمر رشدها. إن الـمقدمات الفاسدة لا تقود إلا إلى النتائج الفاسدة.

وهل هناك أسوأ مما يحققه أعداؤنا كل يوم على حساب وجودنا، وحدودنا، وبنودنا. فالقليل مما يُحقق على صعيد القضية الفلسطينية، فقدناه بانشغال كبرائنا بالتقاتل، والتنابز، والتدابر.

صفيت قضية القدس عاصمة لدولة فلسطين الأولى، وصار الصهيوني يعيث فيها فسادا، بعد أن أعلن أعداؤنا أن القدس عاصمة موحدة للكيان الصهيوني. وصفيت قضية اللاجئين، التي كنا نعدّها، للتفاوض بها على تحقيق بعض الـمكاسب. وأُعلنت الجولان جزءًا لا يتجزأ من الكيان الصهيوني، ومن يدري، فقد يلجأ العدو الـمتغطرس، إلى ضم رام الله وغزة، لا قدر الله.

وما كان كل هذا ليتم، لولا خذلان القادة العرب والمسلمين لبعضهم، بدل انشغالهم بعدوهم.

وما كان هذا ليحدث –أيضا- لو أن الـمسلمين بعربهم وفرسهم، تمسكوا بكتاب الله، وجعلوه حكما بينهم:﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (سورة التوبة،الآية:71).

فهل سيرحم الله من عكسوا حكم الله، فأصبحوا رحماء بالأعداء، أشداء على الأشقاء؟

إنه ليؤلـمنا –والله- أن تظلم الدنيا في عيوننا، وتسودّ الآفاق من حولنا، ونحن أمة الإسلام المتوحدة والموحدة، كما يجب أن تكون، كلنا نجابه بقول الله تعالى من خلال سلوكنا، وأفعالنا، وأفعالنا ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى}(سورة طه، الآية: 124).

ذلك أنّ الحياة الضنكة التي تعيشها أمتنا اليوم، إنما هي نتيجة فاسدة لمقدمات فاسدة.

ويكفي أن نستعرض خريطة العالم العربي والإسلامي لندرك صدق هذه الأحكام. ففي أمتنا من يتعدى حدود الله فيعطل نصوصه، ويتطاول على أحكامه. وفي أوطاننا من يغلّب الـمصلحة الشخصية على الـمصلحة الوطنية العامة، وإلا فإني أريد حكيما، عاقلا، يشرح لي ما الذي يمكن أن يجعل الليبي عدوا لأخيه، واليمني عدوا لـمواطنه، والعراقي عدوا لابن وطنه، والـمصري، والسعودي، والسوري، وغير ذلك.

قد يختلف الـمواطن مع أخيه على مصلحة وطنه، ولكن ما كان لـمصلحة الوطن، أن تكون –أبدا- سببا للتقاتل، والاستنجاد بأعداء الوطن، فالمثل العربي الخالد يقول:”تجوع الحرة، ولا تأكل بثديها“.

إن قداسة الوطن كقداسة العبادة، ومن شرف الإنسانية، والأسرة، فإذا هان الوطن على أيٍّ كان، هان عليه شرف أسرته، وشخصيته، وإن من يسرق بيضة، يسرق بقرة، بل ويسرق وطنا بكامله.

إن التاريخ صحائف، فلنخلّـد فيها جميل الذكر.

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

ويسألونك عن الجزائر…فقل… !؟/ الأستاذ الدكتور عبد الرزاق قسوم

ما موقع جزائرنا –اليوم- من هذا المناخ الإقليمي العربي الإسلامي الصخّاب؟ وما مكانتها وسط هذا …