الرئيسية | شعاع | عن “رؤية ـ البصيرة”..عود على بدء/ حسن خليفة

عن “رؤية ـ البصيرة”..عود على بدء/ حسن خليفة

على مسافة أشهر قليلة من الجمعية العامة (المؤتمر) الخاص بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين من المفيد التأكيد على المسائل ذات الصلة بمستقبل الجمعية وميادين عملها وأنماط أنشطتها وأنواع فعالياتها، وقبل ذلك التعرّف الموضوعي على النقائص والاختلالات..لتجاوزها.

ويقتضي هذا الأمر  في تصوري ـ على الأقل ـ العود إلى وثيقة “الرؤية” التي كانت محطة مهمة في مسار الجمعية، قبل سنوات قليلة، وخُصّصت لها جامعة صيفية كاملة، عسى أن تكون محطة انطلاق في التصويب السديد لحركة الجمعية وبلورة الرؤى الخاصة بها، وبمستقبلها الذي هو جزء من مستقبل الوطن ككل، وقد تحقق من ذلك البعضُ والحاجة ملحّة إلى استكمال البناء في أفق السنوات القادمات، بحول الله وقوّته.

لا ريب أن الفهوم تتفاوت، وقد تتقارب أو تتباعد، وأعني ما يتعلق  بـ” فهم” حقيقة الجمعية وطبيعتها، وما ينبغي أن تكون عليه؛ فإن الجمعية يوجد في صفوفها أصحاب أفكار ورؤى متعددة متنوعة، وإن جمعت بينهم جوامع، لكنهم يختلفون في بعض “التصّورات” وبالأخص منها ما يتصل بفهم رؤية الجمعية، فهناك ..:

  • هناك من يرى الجمعية فضاء متخصصا يجمع كلّ من يتصف بصفة “العلماء”؛ سواء في تخصصات متنوّعة، أو تخصصات متقاربة، والجمعية ـ حينئذ ـ  أقرب إلى ناد استشاري يُرجع إليه في بعض الأحيان، تقوم بما يمكن أن يقوم به ناد أو هيئة من هذا النوع لا غير. وأمثالها في العالمين العربي والإسلامي كثير… جمعيات تجمع لفيفا من “العلماء” يلتقي أعضاؤها بين وقت وآخر، وتقدم ما يُطلب منها من رأي ومشورة، وقد تتطوع أحيانا بتقديم رأي أو مقترح غير ملزم، ولا دخل لها في أي شأن من الشؤون العامة.
  • وهناك من يرى الجمعية جمعية دعوية (دينية ـ شرعية) لا يزيد دورها على هذا الجانب، من بيان أحكام الدين وتبليغها وتعليمها، ولا مزيد على ذلك.
  • وهناك من يرى الجمعية جمعية جامعة متعددة الميادين ومتنوعة الأعمال والأنشطة، لها صلة بالحياة وبالواقع ولها اهتمام بكل ما من شأنه أن يهذّب الإنسان، ويرقّيه ويجعله مسلما حيا إيجابيا فاعلا، في مستوى عصره وفي مستوى دينه.
  • ومن غير شك هناك “فهوم ” أخرى لدى إخوة وأخوات، من داخل الجمعية أو من خارجها (من المحبين والمتعاطفين وسواهم) قد ترى الجمعية في صور وأشكال وأنماط وصيغ أخرى..ولهم كامل الحقّ في ذلك، فهو “تصوّرهم” الخاص ورؤيتهم الخاصة، والشيء فرع عن تصوّره.

والاحتكام في واقع الأمر ينبغي أن يتأسس على جملة من الأمور ومن أهمها الوفاء لتصوّر المؤسسين الأُوّل الذين مهدوا لهذه الجمعية وشقوا لها الطرق، وأبانوا لها الأهداف، وحققوا بها ما حققوا مما هو ثابت ونافع وراسخ في وقائع التاريخ ومسيرته المتلألئة، ومما له صلة بحركة الإصلاح الشامل الذي كانت الجمعية سببا رئيسا فيه، حتى عُدَّ مؤسسوها وقادتها “زعماء” الإصلاح والتغيير. (لنتذكر بعض عناوين الكتب في هذا المجال لكتاب ودارسين ومؤرخين بوأوا مؤسسي الجمعية “مقامات” الزعامة بلا منازع ).

إن مما يلفت النظر، عند كثير من أشقائنا، وعند بعض الجزائريين المتعمقين الذين درسوا منهجية جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في الحراك  التغييري الإنساني الإسلامي الشامل المركب، منذ بدايات الربع الأول من القرن الماضي..الذي يلفت النظر هو “الجمع” المبدع المتين، في عمل الجمعية ومنهجها، بين: الديني، واللغوي، والمعرفي، والتربوي، والثقافي، والأدبي الجمالي، والفكري، والاجتماعي، والإنساني..و..في نسيج واحد مميز متفرّد.

ومما يفسّر ذلك، ويستوجب لفت النظر أيضا وجود أصناف وشرائح من الناس: الخباز، والجزار، والتاجر، والمزارع، والمعلم، والمهندس، والصيدلي، والطبيب، والأديب، والكاتب، والمؤرخ، والحمامصي (صاحب مطعم حمّص)، وربة البيت، والأمي، الأستاذ المتخصص في العلوم الإنسانية إلى جانب العالم المتخصص في الشريعة والفقه والأصول وما إليها من علوم الدين..كل أولئك في جسم الجمعية بصفة أعضاء، أيا كانت مواقعهم.

نعم لا ريب ولابد أن يلفت ذلك النظر، فإن جمعية بهذه المواصفات في أعضائها ليست أي جمعية..وليست أي تجمّع، وليست أي هيئة. فإذا أضفنا إلى ذلك وجود مشارب فكرية وثقافية متنوعة ـ وربما متباعدة ـ دلّ ذلك على أن هناك شيئا مميّزا في هذه الجمعية وهو أنها “جامعة ” أي أنها بيئة تجمع ولا تفرّق، وفضاء تلتقي فيه حتى الأضداد، وهذا ما تدلّ عليه سطور التاريخ وأحداثه وأدوار الجمعية في النهضة الوطنية الإسلامية الحديثة والمعاصرة خير دليل …وهذا، أيضا، ما نلمحه في حضور الأطياف المختلفات فكرا ومنهاجا وتصوّرا..حضورها في لقاءات الجمعية الكبرى من المؤتمرات والندوات الدولية، وأيضا في اجتماعات الجمعية العامة (المؤتمر) وقد سبق الإشارة إلى ذلك من رئيس الجمعية الحالي مرارا، عندما يهيب بأعضاء الجمعية بوجوب احترام “التنوع” و”الاختلاف” فإن الجمعية هي أم الجمعيات، وهي خيمة الجزائريين الكبرى الجامعة لهم، المستوعبة لأفكارهم ورؤاهم وإن تعددت.

قد يكون الكلام قد شطّ بنا قليلا، ولكن ما ذكرناه مطلوب لتعميق الوعي بأهمية توسيع النظر وتقليب الفكر فيما يتصل بمستقبل الجمعية، وما ينبغي أن تكون عليه…وإن ذلك كله يأتي من “الرؤية”..إذ توضيح الرؤية وبيان معالمها هو الأساس..فإذا أردنا الجمعية على هذا النحو الكريم من الاقتدار على الجمع والتأثير الإيجابي و”اللمّة” والتوجيه والتهذيب والنصح والريادة العلمية والفكرية، فإن ذلك ينبغي أن يظهر في تصوّراتنا، ويقتضي منا أعمالا وبرامج، لعل أبسطها يتمثل في:

  • مزيد من الاستقطاب للكفاءات الوطنية، في كل التخصصات العلمية والفكرية والدينية و…والجمعية قادرة على استيعاب الآلاف من العاملين والمحبين والغيارى على دينهم ووطنهم وهم كثر ـ والحمد لله ـ
  • اعتماد منهج الخطاب القويّ الواضح المرن الذي يعمل على التقريب، وينبذ التفريق ـ أيا كان ـ .

ج ـ تفعيل وتوسيع مبدأ “التعاون على البرّ والتقوى” وأن الجمعية مفتوحة للجميع، ولا تحتكر أيا من المفردات التي تمثل جزءا من خطط عملها: الدين، الهوية، اللغة، الوطن، القيم، المبادئ، التاريخ الخ ..

د ـ الجمعية مؤسسة تكمّل وتدعم ولا تنافس أو تناقض…إنها داعم لكل جهد وطني صادق مخلص، وهي تعمل مع غيرها في أي من الميادين المفتوحة كورشات للعمل الإصلاحي الوطني والتغيير نحو الأفضل.

هـ ـ وأخيرا وليس آخر..إن الجمعية لجميع  الجزائريين والجزائريات …أبوابها مفتوحة وميادين العمل فيها مشرعة تنادي..، وهي ميراث مضيء يجب أن يحافظ عليه الجميع. وفي كل الأحوال لابد من “رؤية” واضحة، ولابد من تعميق وثيقة البصيرة التي طُرحت قبل مدة.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

عالم الصحافة العظيم .. !!/ حسن خليفة

  يمكن للمتتبع المدقّق، وهو يقرأ تاريخ المجد المتعلق بالكلمة الطيبة المسؤولة، أن يستحضر الكثير …