الرئيسية | وراء الأحداث | شجرة “موريس” وغابة الجريمة !/عبد الحميد عبدوس

شجرة “موريس” وغابة الجريمة !/عبد الحميد عبدوس

بعد 61 سنة من الإنكار والكذب الرسمي، اعترف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، يوم الخميس 13سبتمبر الجاري (2018) بمسؤولية فرنسا عن مقتل واختفاء موريس أودان، أستاذ الرياضيات والمناضل الشيوعي الذي عذبه الجيش الفرنسي، عام 1957. وقدم الرئيس الفرنسي اعتذاره للسيدة جوزيت أودان أرملة الراحل موريس أودان، قائلا:” إنني أعيد إحياء ما كان يجب فعله في السابق، أنت لم تستسلمي أبدا من أجل إظهار الحقيقة، والشيء الوحيد الذي أقوم به هو الاعتراف بالحقيقة”، وقد اعتبر المؤرخ الفرنسي بنجامين ستورا الذي حضر اللقاء الذي جمع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بأرملة موريس أودان هذا التصريح بأنه:” سيترك أثرا لا يمحى”.

ومن جهتها رحبت جوزيت أودان وأولادها بخطوة الرئيس الفرنسي: وقالت:” هذا الاعتراف سيدخل في إطار محاربة سياسة التعذيب التي استخدمت كأداة للقمع ونشر الرعب في العالم”.

وأقر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بقيام بلاده، خلال حرب الجزائر (1954-1962)، باللجوء إلى نظام اُستخدم فيه التعذيب. وسلم  خلال زيارته لأرملة أودان بيانا أعلن فيه:” فتح الأرشيف المتعلق بقضايا اختفاء مدنيين وعسكريين من فرنسيين وجزائريين”.

وللتذكير فإن المناضل المؤيد لاستقلال الجزائر موريس أودان، اعتقل في منزله في الجزائر العاصمة في 11 جوان 1957 بأيدي مظليين، وتعرض للتعذيب مرارا، حتى أزهقت روحه من طرف زبانية  الاحتلال الفرنسي. وفي 24 جوان 1957 صدر تقرير عن الجيش الفرنسي أعلن فيه عن “فرار” موريس أودان المقبوض عليه أثناء نقله لاستجوابه في صباح 22 جوان 1957، ومنذ ذلك التاريخ لم يظهر لموريس أودان أي أثر، وأُبلغت زوجته جوزيت رسميا بأن زوجها فر خلال عملية نقله، واستمر تبني هذه الرواية الرسمية حتى أكد الرئيس الفرنسي السابق فرنسوا هولاند، في 2014، أن “أودان لم يفر بل قتل خلال اعتقاله”.

وكان كتاب بعنوان “الحقيقة فيما يخص موت موريس أودان” للمؤلف جون شارل دينيو صدر في 2014 ذكر فيه اعترافات الجنرال السفاح  بول أوساريس (Paul Aussaresses) الذي أكد أن الجنرال ماسيو (Massu) هو الذي أعطى الأمر لرجاله بقتل موريس أودان ليجعل منه عبرة، جاء الأمر من ماسو إلى أوساريس لأخذ أودان من العاصمة ليلا وقتله بالسلاح الأبيض ودفنه في مكان مجهول.

وسائل الإعلام الجزائرية والفرنسية، وحتى الدولية اهتمت بحدث اعتراف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بمسؤولية فرنسا عن مقتل واختفاء موريس أودان واعتبرته مجلة (جون أفريك) الناطقة بالفرنسية ” منعرجا تاريخيا في علاقة فرنسا بالجزائر”.

وإذا كان لا يمكن إنكار أهمية خطوة الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون على درب الحقيقة التاريخية بخصوص جرائم الاحتلال الفرنسي في حرب الجزائر إلا أنها تبقى خطوة صغيرة وغير كافية لتشكل “منعرجا تاريخيا” في علاقة فرنسا بالجزائر بخصوص ملف الذاكرة التاريخية، خصوصا أن قضية موريس أودان لم تكن معزولة أو شاذة في السجل الكبير والثقيل لجرائم الاحتلال الفرنسي في الجزائر، فهي تتقاطع بشكل كبير مع قضية اغتيال الشهيد محمد العربي بن مهيدي التي تمت في السنة نفسها (1957) وفي نفس المكان (مدينة الجزائر) وعلى أيدي نفس الجلادين المسؤولين عن إصدار الأمر بالقتل وتنفيذه (ماسو، وأوساريس)، وكذلك تذكر بقضية الشهيد العلامة العربي التبسي الذي مازال قبره مجهولا إلى اليوم، مثلما هو الشأن مع موريس أودان، ولم تقم السلطات الفرنسية بالمساعدة في إحياء الحقيقة حول قضية اغتيال الشهيدين العربي بن مهيدي والعربي التبسي، وظلت تتمسك بحبل الكذب والتزوير والإنكار في شأن مسؤولية جيشها وحكامها في خطفهم وقتلهم. والأدهى من ذلك مازالت السلطات الفرنسية تحجم لحد اليوم عن تقديم اعتذار للشعب الجزائري.

لقد اعتقل الشهيد البطل محمد العربي بن مهيدي في يوم 23 فيفري 1957 في البيت الذي كان يقيم فيه بالعاصمة بشارع تليملي (كريم بلقاسم حاليا)، وبعد اعتقاله أمر الجنرال جاك ماسو سفاح (معركة الجزائر) بنقله إلى مصالح الجنرال المجرم بول أوساريس، مما كان يعني تعريضه لأبشع أنواع التعذيب، والتخلص منه دون محاكمة.

العربي بن مهيدي هذا البطل الفذ الذي شهد له الأصدقاء والأعداء بالشجاعة والحكمة والوطنية، فقد قال عنه الراحل المجاهد رئيس الحكومة المؤقتة بن يوسف بن خدة:” كان بن مهيدي رجلا صالحا، متشبعا بالمبادئ القرآنية وبالقيم الإسلامية، يُحافظ على صلاته أينما ذهب، وكان حيويا متحركا عدوا لدودا للقعود وكان يُلقب بالوقود في الحزب لحركيته الشديدة، وكان يعيش على إيقاع الشعب، يُشاركهم أفراحه وأحزانه وتطلعاته، وكان على استعداد دائم لخدمته”. أما من الطرف الفرنسي فقد قال عنه الكولونيل ترينكي:”لم أر رجلا مثله في حياتي..وددت أن أراه رئيسا لفرنسا”!.

وظلت الرواية الرسمية الفرنسية عن الشهيد العربي بن مهيدي تدعي أنه انتحر خلال أيام اعتقاله، وكان يجب انتظار عام 2001، حيث اعترف الجنرال القاتل أوساريس لجريدة (لوموند) الفرنسية، أنه خنق العربي بن مهيدي بيديه بعد أن تأكد أن العذاب الرهيب لم يجد معه نفعا… ورغم اقتراف أوساريس لجريمته التي تظل وصمة عار في جبين فرنسا، فإنه لم يخف إعجابه بشخصية الشهيد العربي بن مهيدي الذي قال عنه:” لو أن لي مجموعة من أمثاله لغزوت العالم…”

أما الشهيد العلامة الشيخ العربي التبسي أحد مؤسسي جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ومدير معهد عبد الحميد بن باديس، والذي تولى إدارة شؤون الجمعية خلال وجود العلامة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي في المشرق العربي، فقد عرف بمواقفه الرافضة للمهادنة والتدجين والتطويع وعدم تليين موقفه حيال المحتل الفرنسي، فقد تم خطفه من منزله في 17 أفريل عام 1957، وليكون في عداد الشهداء.

ويروي الرائد أحمد الزمولي في كتاب الدكتور أحمد عيساوي بعنوان (مدينة تبسة وأعلامها) نقلا عن صديقه ”إبراهيم البوسعادي”  الذي كان شاهدا على عملية اغتيال الشيخ العربي التبسي الذي قال له:      ”لقد كنت بمعية صديقي في الفرقة العسكرية التي اقتحمت منزل الشيخ العربي التبسي ليلا ببلكور بالجزائر العاصمة بقيادة الدموي ”ديمون لا غارياد” الشيخ بقي سجينا لدى هذه الفرقة العسكرية ليعذّب بأمر من ” لغارياد” من طرف مجموعة من 04 أفراد من الجنود السينغاليين طيلة 03 أيام دون طعام ولا لباس أما يوم الاستشهاد فكان بعدما طلب القائد الفرنسي إحضار قدر من زيت السيارات الممزوج بالإسفلت والذي بقي فوق النار حتى درجة الغليان ليوضع الشيخ عاريا فوقه، طالبين منه التراجع عن دعم الثورة وتعديل خطابه ضد الاستعمار الفرنسي، لكنه ظل يرفض الانصياع وتواصل هذا التعذيب والتنكيل حتى تلقّى الجنود السينغاليون الأمر بإدخاله في ذلك القدر لافظا الشهادة كآخر كلمات له في هذه الحياة الدنيا” ولم يذكر التاريخ بالتحديد لاغتيال الشهيد العربي التبسي، ورميت جثته ـ  حسب تلك الشهادة ـ في عرض البحر بواسطة الطائرة. وظل قبره مجهولا إلى اليوم ـ عليه وعلى شهداء الجزائر الأبطال، رحمة الله ورضوانه ـ

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

الانحراف … !

    عبد الحميد عبدوس   يمكن القول أن مسار تحريف توجه الحراك الشعبي، قد …