الرئيسية | في رحاب الشريعة | من معاني الهجرة..التجدد والتمدد على مر العصور والدهور 1440 عام جديد..عام سعيد وعمر مديد محمد مصطفى حابس: جنيف/ سويسرا

من معاني الهجرة..التجدد والتمدد على مر العصور والدهور 1440 عام جديد..عام سعيد وعمر مديد محمد مصطفى حابس: جنيف/ سويسرا

ها قد انقضى عام هجري من أعمارنا 1439، وسيبدأ بحول الله عام هجري جديد 1440، سائلين الله تعالى في مستهله أن يهله علينا وعليكم بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام، وأن يكون مفتاح العام الهجري الجديد وهو شهر الله المحرم هلال خير وعدل على شعوب أمتنا في وقت تكالبت فيه علينا قوى الشر والغدر والطغيان، حتى من بني جلدتنا وفي عقر دارنا – مع كل أسف – في جل دول عالمنا الإسلامي في المدة الأخيرة. بعضهم متناسيا حتى قانون التداول الحضاري البديهي بين الأجيال والأمم والحضارات، فما بالكم بالأشخاص، حتى قيل قديما:” لو دامت لغيرك ما وصلتك”، وهكذا تمضي السنوات الهجرية تلو السنوات؛ نأكل أرزاقنا ونقضي آجالنا، واليوم يهدم الشهر والشهر يهدم السنة، والعمر يقود إلى الأجل المحتوم، كما تحكيه لنا جداتنا أيام زمان.

علما أن الهجرة النبوية في معناها العميق، مناسبة عظيمة كانت بمثابة الانطلاقة الحقيقية لقيام دولة الإسلام وانبثاق شمسه التي أضاءت فضاءات البشرية بعدالته وسماحته ووسطيته، هذا الدين العظيم الذي جاء خاتمة الأديان ليضع للبشرية الدستور الإلهي الذي أخرجها من الظلمات والطغيان والتخبط إلى النهوض بالإنسان لأعلى مراتب إنسانيته، بتوظيف طاقاته بتكاملية تسعى للتعايش بين أفراده بمحبة وانسجام ومساواة، تحكمهم فيه شريعة ودستور ليس فيه محاباة، أهدافه واضحة، ونتاجاته كذلك!!

إذ كانت يومها هجرة الرسول (صلى الله عليه وسلم) إلى يثرب ضرورة حتمتها الظروف الصعبة التي مر بها في مكة، والتي مكث فيها ثلاثة عشر عاماً وهو يدعو الناس للإسلام وبكافة السبل الخيرة، لم يثنه عن التبليغ أي وعيد ولا تهديد، طرق كل الأبواب بالتي هي أقوم، وكان حصيلة كل هذا أن آمن معه نفر قليل التفوا حوله، بعدها ما الذي جعل بعض سادة قومه يحاربونه ويرفضون دينه ورسالته (صلى الله عليه وسلم).. وما الذي أيضا جعل بعض ضعفاء قومه يلوذون بحماه (صلى الله عليه وسلم)، ويهرعون إلى رايته ودعوته وهم يبصرون أنه أعزل.. ينزل به الأذى ويطارده الشر مثلهم..بل ما الذي جعل المؤمنين به يزيدون ولا ينقصون، وهو الذي يهتف صباح مساء 🙁 لا أملك لكم نفعا، ولا ضرا .. ولا أدري ما يفعل بي ولا بكم )؟؟

بعد كل هذا التنكر والتضييق والتعذيب للنبي الأكرم وأصحابه، حانت ساعة الفرج، من يدري، بل دقت أنوار الهجرة والرحلة إلى المجهول!! فكان هؤلاء النفر ممن أنار الله طريقهم بالهداية مع بعض أهل يثرب النواة الداعمة لقيام دولة الإسلام الأولى وفق “صحيفة” وهي بمثابة الدستور الذي وضعه الرسول صلى الله عليه وسلم لتنظيم شؤون الحياة في المدينة، وتحديد العلاقات بينها وبين جيرانها، فكانت هذه “الوثيقة” عبارة عن خلاصة مناقشات ومشاورات الرسول الكريم مع أصحابه من المهاجرين والأنصار وغيرهم من ملل ونحل أخرى. وما استقروا عليه من رأي وأصبحت دستوراً يحكم الجماعة حينها إلى أن أصبح القرآن بعد أن اكتمل نزوله هو دستور هذه الأمة. والعجيب أنه من المعروف والمتداول في دنيا الناس أن الدول تُبنَى ثم تَضَع دستورها، إلا أن الدولة الإسلامية الأولى عملت منذ أنشائها على وضع دستور مكتوب يحكم أمورها قبل أن تصبح دولة.

كل هذه السياسة الشرعية النبوية أدت إلى قيام جماعة أو دولة متحابة متماسكة متآلفة، استقطبت بصورتها المشرقة عددا كبيرا ممن دخلوا في هذا الدين أفواجا، حتى أن الناس أقبلوا على المدينة من الأمصار المحيطة بها طلباً للعدل والأمان في ظل الإسلام الذي جاء ليساوي بين الناس فلا فرق بين غني وفقير، ولا فرق بين سيد وعبد، الكل سواسية لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى والعمل الصالح.

وبالتالي فالهجرة النبوية اليوم بالنسبة للإنسانية قاطبة، تعد لحظة فارقة وواحدة من أهم المحطات في حياة الإسلام والمسلمين فهي باستمرار تتدفق بالمعاني والعبر، وتجدد دروسها بتجدد الزمان والمكان. فالهجرة مليئة بالأحداث التي تحتاج لإعادة قراءة مع كافة الأجيال ليستعين بدروسها الإنسان في عصرنا الحالي حيث تتزايد المخاطر التي تحيق بالإسلام والمسلمين بل والإنسانية جمعاء. ولهذه الذكرى العطرة من الهجرة معانٍ مستمرة سواء كان المقصود بها الانتقال من مكان إلى مكان أو من حال إلى حال، بل إنها تستوعب مفهوماً واسعاً يتيح الفرصة للمسلم المعاصر بأن يكون من المهاجرين وإن لم يترك وطنه!

فقد شاء الله أن تكون الهجرة النبوية هي الحدث الثاني المهم بعد البعثة النبوية الكريمة ونزول القرآن الكريم على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ومن ينظر بعمق في خطوات الهجرة النبوية وترتيباتها يلاحظ أنها لم تتم بصورة عفوية ولا بتحرك عشوائي، ولكنها كانت نقلة استراتيجية مهمة حرص فيها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على حماية الدعوة بعد أن اشتد الضغط عليها في مكة المكرمة، وازداد عناد قريش وقسوتها عليه وعلى أتباعه رضوان الله عليهم جميعا.

ومن هنا فإن دروسها وعبرها كثيرة، علينا تدارسها كأفراد ومؤسسات، مع سعي مبصر لتجديد معانيها لدى الأجيال ونحن نحتفل بقدوم كل عام هجري جديد من أعمارنا، اليوم وكل يوم، لأن هذه الهجرة التي يفر بها المسلم بدينه خوفا عليه، والتي من أجلها يترك ماله ووطنه وتجارته معنى متجدد على مر العصور والدهور، إذ يمكننا الاستئناس في ذلك – حسب بعض التفاسير- بقول الله عز وجل:{ قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}.. وقاله تعالى:{وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رَّحِيماً}. وبالتالي حين تكون الهجرة لله فرارا بالدين، تتصاغر أمامها شهوات النفس كلها من المال والجاه والسلطان والأرض وغير ذلك، وهذا ما حدث مع صهيب الرومي – رضي الله عنه -، فقد أراد الهجرة للنبي – صلى الله عليه وسلم – فاعترضه أهل مكة، وقد كان صهيب عبدا، فكاتب سيده وأصبح حرا، ثم أصبح تاجرا، فساومه أهل مكة على غناه وتجارته فترك لهم دنياه لينال رضا الله تعالى، ولما علم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فرح به قائلا:”ربح البيع أبا يحيى.”

الأمر الذي دفع بالمفكر خالد محمد خالد صاحب كتاب ” أصحاب الرسول”، إلى التساؤل بأسلوبه الشيق العذب عن هذه الهجرة والمهاجرين الأوائل بقوله:” أي معلم كان نبيكم (صلى الله عليه وسلم).. وأي إنسان؟ هذا المترع عظمة، وأمانة وسموا؟ ألا إن الذين بهرتهم عظمته (صلى الله عليه وسلم) لمعذورون..وإن الذين افتدوه بأرواحهم لهم الرابحون..! أي سر توفر لرجل أمي لا يقرأ ولا يكتب، ابن امرأة تأكل القديد وتمشي في الأسواق، فجعل منه إنسانا يشرف بني الإنسان..؟ أي إيمان، أي عزم أي مضاء؟ أي صدق، أي طهر وأي نقاء؟ أي تواضع.. أي حب.. أي وفاء؟ أي احترام للحياة والأحياء..‍؟!”، مستفسرا أيضا بقوله “ما الذي جعل سادة قومه يسارعون إلى كلماته ودينه (صلى الله عليه وسلم)..ما الذي جعل ضعفاء قومه يلوذون بحماه، ويهرعون إلى رايته ودعوته وهم يبصرون أنه أعزل!!”

ختاما، أردت فيما تقدم أن أسلط الضوء على بعض مجريات الأحداث للهجرة بهدف استنباط بعض المعاني من هذه الحادثة العظيمة، فالهجرة ليست واقعة زمنية أو حركة تاريخية فحسب وإنما هي حركة إيمانية دائمة شاملة المعاني، فالدروس التي نستخلصها من الهجرة، ودخول عام هجري جديد، ليست احتفالية بقدر ما فيها من تذكير دائم لهجرة الإنسان من الباطل إلى الحق ومن وثنية الغرائز إلى سمو المشاعر وصفاء الروح، وبناء الفرد والمجتمع…وبالتالي

فالرسول صلى الله عليه وسلم، هاجر ليعلمنا أن الأهداف تبقى ثابتة، رغم قسوة الظروف..

..  وهاجر صلى الله عليه وسلم ليعلمنا أن عملنا ليس بالضرورة أن يكون في الوطن، لكن أثره لابد أن يصل إليه.

هو هاجر ليعلمنا أن الحق جهاد، والعلم جهاد، والعمل جهاد، والعبادة جهاد إذا كانت خالصة لوجه الله الكريم..

هو هاجر ليعلمنا أن الحق عالٍ، والعلم غالٍ، والكسب غالٍ، وثمن الغالي غالٍ لا يناله أصحاب الخمول أمثالنا..

.. هو هاجر ليعلمنا، أن الحرية هي حرية الفكر والكلمة، لا حرية العري والتنكر للمبادئ.

هو هاجر ليعلمنا أن النهضة تبدأ بفكرة مع يدين مرفوعتين إلى السماء وقلب منكسر معلق برب السماء..

هاجر ليعلمنا أن الخير موجود في كل مكان، نحن فقط الذي لا نراه عندما لا نمعن النظر..

.. هاجر ليعلمنا أن الهجرة قد لا تكون بالضرورة النهاية، بل ربما تكون بداية كل شيء.

 

وبالتالي حق لنا، أن ندعو الله – بمناسبة الهجرة والسنة الهجرية الجديد – لكافة المهاجرين والمُهَجرين بقولنا:

يا رب .. يا الله في عامنا الهجري الجديد هذا، علمنا أن نحب إخواننا كما نحب أنفسنا، وعلمنا أن نحاسب أنفسنا كما نحاسب الناس.

يا رب .. يا الله في عامنا الجديد هذا علمنا أن التسامح هو أكبر مراتب القوة، وأن الانتقام هو أول مظاهر الضعف.

يا رب .. يا الله في عامنا الجديد هذا، لا تجعلنا نصاب بالغرور إذا نجحنا ولا باليأس إذا أخفقنا، بل ذكرنا دائما أن الإخفاق هو التجربة التي تسبق النجاح..

يا رب، إلهنا..إذا أعطيتنا نجاحا فلا تأخذ تواضعنا، وإذا أعطيتنا تواضعا فلا تأخذ اعتزازنا بكرامتنا، وإذا أسأنا يا رب إلى الناس، فامنحنا شجاعة الاعتذار، وإذا أساء إلينا الناس فامنحنا شجاعة العفو..والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

الإسلام .. واليوم العالمي للقضاء على الفقر/ يوسف جمعة سلامة

توافق يوم الأربعاء القادم ذكرى اليوم العالمي للقضاء على الفقر والتي تأتي في السابع عشر …